ثقافة وفن

الشـرق والشرقيون في ديوان فيكتور هوجو

(“الشرقيات – “Les Orientales “لفكتور هوجو “1802- 1885”)

1421هـ = 2001م

معجب بن سعيد الزهراني

كذلك لا يخفى أن هذه المدينة الكبيرة الجميلة لابد أن تنطوي على بعد دلالي أكثر سلبية ينبثق عن مظاهر الترف والإسراف في ذلك القصر الذي تتمحور حوله المدينة كلها، وهنا تحديدًا نلاحظ مدى التشاكل بين ملامحها وبعض ملامح سدوم وعمورة اللتين حق عليهما العذاب لهذا السبب. فالمدينة حاضرة الإمبراطورية، وهي كبيرة وجميلة، والحياة فيها جذابة دونما شك، لكنها في التحليل الأخير مدينة مترفة طاغية على غيرها طغيان قصورها على أحيائها البسيطة وطغيان السلطان على كل من يوجد في السراي!. وفي كل الأحوال لعلنا نلاحظ أن مجمل تمثيلات هذه المدينة تظل فقيرة الدلالات لأنها لا تنبثق عن تجربة اتصال عميق لدى شاعر شاب تستهويه التصورات الرومانسية الحالمة لكنها لا تنجح في تغطية موافقة الإيديولوجية المعادية بحدة للدولة العثمانية ولكل ما يتصل بها ويرمز إليها.

في نصوص أخرى تذكر مدن شرقية كالقاهرة وحلب والبصرة والموصل وفاس لكنها لا تذكر لذاتها بل لعلاقاتها بهذه المدينة – المركز التي يبدو الشاعر موزعًا بين مواقف الانجذاب إليها ومواقف العداء لها، وتحديدًا لما تمثله من سلطة استبدادية طالما فضحها وأدانها الرومانسيون حيثما تجلت في الغرب أو الشرق (28)

5 – 3 مدينـة الذاكرة والحلم:

أشرنا في فقرة سابقة إلى أن هوجو ظل مفتونًا بتلك المدن الأسبانية التي عرفها في طفولته ودعا وهو في أوج شبابه وتألقه إلى شعرية جديدة تضاهي جماليات التنوع في تلك المدينة المتعددة الملامح والآثار والهويات وكأنها الفضاء الأمثل لالتقاء وتفاعل الشعوب والقارات والحضارات. فالمدينة هنا ليست مجرد فضاءات خارجية يتم وصف مكوناتها الطبيعية والعمرانية من منظور الإعجاب بها أو الحنين إليها، بل تتحول عند الشاعر الرومانسي الكبير إلى مجاز كلي للقصيدة، وكذلك للشعرية الجديدة التي يدعو إليها ويجرب كتاباتها ويحلم بالمزيد منها. ولعل هذه الرؤية تبدو غريبة تمامًا على الشعرية الرومانسية التي تعلى من شأن الأرياف والغابات والصحاري بقدر ما تحط من شأن المدن إجمالاً (29) لكن هوجو نفسه يقدم ما يفسر ويبرر موقفه ورؤيته الخاصة في تلك المقدمة النظرية المطولة التي تشبه “البيان الأول” والأهم للشعرية الرومانسية في فرنسا كما أسلفنا القول. فالهاجس المركزي للشاعر في تلك المرحلة من حياته كان تجديد القصيدة وعموم الخطاب الأدبي، وقد تعاضدت خبرات طفولته وقراءته ليتحول الشرق عنده إلى أفق جمالي جذاب له ولأمثاله، ومن هنا تحديدًا جاءت بعض قصائد ديوانه هذا وكأنما هي التحقق الفني الملموس لتلك الجماليات الشرقية التي تحققت من قبل في المدينة الأسبانية أكثر من أي مدينة أخرى. بعد هذا لا غرابة أن نكون هنا أمام لعبة تمثيل تمتزج فيها المشاعر الحميمة بالمواقف والقناعات الفكرية؛ لأن القصيدة لا تعود مبنية على منطق محاكاة المدينة أو وصفها من الخارج بقدر ما تتحول المدينة ذاتها إلى مجاز للقصيدة ما دامت تبدو كلها في عين الشاعر أثرًا فنيًا يختزل ويجسد أجمل ما أبدعته الشعوب والحضارات السابقة، والأهم من هذا أنه أثر حي لا يزال يشع بالقيم والرموز الغنية جماليًا وفكريًا كما لا يخفى على ف. هوجو.

في نص بعنوان “غرناطة” تتجلى لعبة التمثيل المعقدة هذه بصيغ متنوعة فيها من الرهافة بقدر ما فيها من العمق وتتجه في مجملها إلى التعبير عن ذلك الموقف العاطفي المشبوب الذي يثوي وراء النص الشعري ووراء تلك المقدمة النظرية التي تغري وتغوي به. ففي البدء يورد الشاعر مثلاً أسبانيًا يقول “من لم ير أشبيليه لم ير أعجوبة خارقة قط” (30) ثم يأتي النص لا لينقض دلالة المثل وإنما لكي يحولها إلى “غرناطة” التي تبدو الأجمل من بين كل المدن الأندلسية الجميلة. فالنص هنا أيضًا يميل إلى الطول إذ يقع في خمس صفحات لكنه يعتمد بنية اللوحات أو المشاهد القصيرة المتتابعة التي تذكرنا بقوة “الذاكرة البصرية” عند الشاعر من جهة وبموهبته في رسم اللوحات التشكيلية اعتمادًا على اللونين الأسود والأبيض – كما هي حال الكتابة – من جهة أخرى (31) ففي المقطع الأول نقرأ:

“أكنت بعيدةً أو قريبة/ أسبانية أو عربية/ فليس من مدينة/ تنافس غرناطة الجميلة/ على تفاحة الجمال/ حينما تعرض أبهتها الشرقية/ تحت السماء البهيجة” (32)

بعد ذلك تتلاحق أسماء المدن الأسبانية مقرونة بأبرز ما يميز كلاً منها من مظاهر عمرانية أو طبيعية تكشف كلها عن جمال هذه المدن التي لن تبلغ مرتبة غرناطة:

“كل هذه المدن الأسبانية/ المنثورة في الأرياف/ أو النابتة فوق سفوح التلال/ كلها ذات حصون وقلاع/ طالما حمتها من المجانيق/ كي لا تظل بين أيدي الغزاة/ وفي كل منها كاتدرائية عظيمة/ ذات نواقيس جميلة/ لكن لغرناطة قصر الحمراء/ الحمراء! آه الحمراء/ هذا القصر الذي شيدته العبقرية كالحلم/ ليبدو آية في التناسق/ تحيط به قلاع ذات شرفات مزخرفة عتيقة/ وفي الليل تتعالى من حوله أصوات ساحرة/ تناجي القمر إذ يطل عبر ألف مقرنصة عربية/ ليزرع الجدران بالنفل الأبيض” (33)

ثم تتصل لوحات الوصف العاشق لهذه المدينة المعشوقة حتى من الرياح التي “تتوقف عندما تمر بها/ كيما تستمتع بمنظر المدينة/ إذ تنتشر نساؤها وورودها كل مساء/”

إلى أن نصل إلى المقطع الأخير:

“جزيرة العرب هي جدتها/ والموريون، فرسان القدر، لعبوا بآسيا وأفريقيا من أجلها وحدها/ لكن غرناطة اليوم كاثوليكية/ غرناطة مكرت بهم/ غرناطة الجميلة هذه يمكن أن تكون أشبيلية/ لو أن بالإمكان أن توجد مدينة مثلها”.

إننا هنا أمام المدينة الأجمل في بلد كل مدنه جميلة، لكن مصدر وسر جمالها إنما يكمن ويتجلى في “قصر الحمراء” الذي هو أثر جمالي عربي شرقي تزهو به غرناطة ولذا لم يعُد من الممكن أن تقارن بغيرها. من هنا لا قيمة كبيرة لهوية المدينة الراهنة سواء من المنظور الوطني أو الديني، لأن هذا الأثر يظل يذكر بهويتها الحضارية التي لم يستطع أحد أن يمحوها أو يتجاوزها، كما لو كانت من إبداع كائنات خفية أفرغت فيها خلاصة الحضارات الإنسانية كلها. هذا ولعله من الواضح أن هذه الكتابة العاطفية المشبوبة عن الحمراء وغيرها من المدن الأسبانية تعبّر عن حنين عميق إلى أزمنة الطفولة، التي عاش الشاعر أجملها فيها لا في باريس أو في غيرها من المدن الفرنسية، لكنها تعبر أيضًا عن طموح مستقبلي باتجاه تلك الشعرية الجديدة التي يراد لها أن تضاهي هذه المدن الجميلة وتتماهى مع جمالياتها المتنوعة العناصر والمصادر.

يشير بعض النقاد الفرنسيين إلى أن تجربة الحياة القصيرة في أسبانيا ولّدت في الشاعر نزعة الافتتان “بفنون القرون الوسطى” (34)، لكن نصوص الشاعر من جهة ووقائع التاريخ المتعلقة بحياته من جهة ثانية تكشف لنا أن أكثر ما فتنه هو فنون الحضارة الإسلامية حينما كانت تعيش قرون ازدهارها ونهضتها، ومن ثم لا ينطبق عليها ذلك المفهوم ولا التحقيب التاريخي الذي يرد في سياقه. ثم إن فنون الباروك والروكوكو التي شاهدها الشاعر في أسبانيا ليست هي التي شكلت مركز الجاذبية في أي من أعماله الشعرية والقصصية لأن ما كان يبحث عنه ويؤسس له، هو وأمثاله، هو تحديدًا جماليات التنوع والاختلاف التي لا تتجلى في مكان أكثر من هذه المدن الأسبانية ذات الذاكرة التاريخية العريقة والهوية الحضارية المتعددة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق