ثقافة وفن

الشذري بين الشعري والتأملي في تشظيات “الصحو مثير للضجر” لكوكاس

 

 

سميرة جودي

يعتبر كتاب “الصحو مثير للضجر” أول عمل شذري للكاتب عبد العزيز كوكاس، قبل كتابه الشذري الثاني “حبل قصير للمشنقة”، يمتاز بتركيب لغوي متقطع وكأن الأفكار تتداخل وتتراكب على شكل طبقات من المجازات والاستعارات، هذا الأسلوب الشذري يخلق نصا يتسم بالغموض وتعددية المعاني، ويترك مجالًا واسعًا للقراء للتأويل وتشكيل المعنى وإعادة بنائه.

وعلى خلاف ما يعتقد الكثيرون، فالشذرة ليست حكمة أو مجرد تأمل فلسفي، وليست جنسا سائبا، إنها تقع على الحدود بين الشعر والفلسفة، تظهر مثل التماعة، مليئة بالتكثيف اللغوي والدلالي، يقول كوكاس في تقديم نظري باذخ حول الشذرة: ” الشذرة لآلئ الحقيقة التي تنفلت من طي النسيان وظلال الظلمات، كَسَطْوة الريح حين يُسقط كل الأوراق الزائدة أو يُشَطِّب الشوارع من رمال تائهة أو زوائد عالقة دون حاجة إلى عُمَّال النظافة أو حطَّابي الأشجار.. أقصد النقاد! لأن الشذرة، بتعبير جيل دولوز: “بمثابة آلة حربية وقوة رحالة يتعذر تفكيك سننها من قبل القانون والنقد والمؤسسة”.

إنها سليلة الحذف المضاعف، قوة الإيمان بإزالة ما عشقناه وهو مجرد فُضْلة.. لأن فضيلة الشذرة، تَنْقية وتطهير العبارات من الفُضْلات.. زُهْد اللغة وتقشُّفها الزائد الذي يمنح الوضوح الأعمق للكلمات، هي الدليل على أننا انتقلنا من تقويم شكل العبارة إلى تَشْذيب عمق اللغة، في الشذرة لم نَعُد نَبْحث عن المعنى الصحيح، بل عن الكلام السليم الذي يُسَايِرُ إيقاع دهاليز الروح. الشذرة كُمْشة من نجم الكلام، واللغة الشذرية مثل سفينة في مهب الأمواج العاتية تتخلص مما زاد من سقط المتاع الذي بدا لنا ضرورياً للرحلة ونحن في مرفأ الأمان”.(ص 7)

لا تقتصر الكتابة الشذرية عند المبدع المتعدد عبد العزيز كوكاس على أن تكون مجرد تسجيل لخبرات فردية أو تأملات ذاتية، بل هي فعل مواجهة وتفاعل مع الواقع في تعدد صوره. حيث الصوت الداخلي للكاتب لا يستطيع أن ينسجم مع الواقع، وهذا ينشأ عنه نوع من التوتر الداخلي، الذي يُترجم في الكتاب إلى شذرات تُعبّر عن هذا الصراع العميق بين الذات من جهة، والعالم الخارجي، الذي يبدو دائما بمثابة الضجر الذي يتحدث عنه العنوان، من جهة أخرى.

 

بين العنوان وبنية الدلالة

يحمل عنوان الكتاب الشذري “الصحو مثير للضجر” بعدًا دلاليا مزدوجا، حيث يستدعي مفهوم “الصحو” كحالة من الوعي واليقظة الفكرية، فيما يوحي “الضجر” بالملل والرتابة. هذا التناقض الظاهري يخلق توترا دلاليا يُحيل على صراع داخلي بين العقل والانفعال، بين التأمل والقلق، مما يفتح أفق القراءة على تعددية تأويلية واسعة.

يتأرجح الكتاب بين حالتين من الوعي: الصحو والضجر، فالصحو هنا لا يعني النهوض أو الوعي بالمطلق، بل يعني الوعي المشتت أو الوعي المفرط الذي ينطوي على إدراك العدمية التي قد يعاني منها الفرد في مجتمعه، فيما الضجر يحيل على الشعور المتولد من ذلك الوعي الزائد الذي يقود إلى اكتشاف قسوة الحياة وتفاصيلها المزعجة.

يتعامل كوكاس في هذا الكتاب مع الصحو كحالة من التيقظ الزائد الذي يجعل العالم يبدو غير قابل للتعايش، ويجعل الفرد في حالة عزلة نفسية أو تجربة شعورية متفاقمة، وفي هذا السياق، الضجر ليس مجرد حالة من الملل أو السأم، بل هو شعور عميق يولد من وعينا بالقبح والمفارقات في الحياة. فالصحو مساو للضجر، واللاصحو مساو للاضجر، يقول في إحدى تشظياته: “لا يَقْوى جسدي على حَمْل رأسي، أيُّهما العليل؟”، “الموت هو سعي الإنسان للتطابق مع زمنه حين لا يتسع له مكان.. قد يكون الموت أكثر الأسئلة حيوانية، لكي لا أقول بلادة.. لأنك تعرف الجواب ومع ذلك تطرح السؤال!”، “ليلا: الناس يذهبون إلى السرير بحلمهم.. صباحا: الناس لا يحبون أن يستيقظوا على حقيقتهم!”

نستحضر في هذا السياق مفهوم “الكتابة الفراغية” الذي يطرحه رولان بارت، أي الكتابة التي لا تعني فقط ملء الفراغات بكلمات وإنما تتيح للقارئ أن يعيد بناء هذا الفراغ من خلال فهمه الشخصي، بما يخلق تفاعلًا حيا بين الكاتب والمتلقي. في كتاب كوكاس، يُفهم العنوان “الصحو مثير للضجر” كأن الصحو ذاته ليس عملية انبعاث، بل هو حالة من الترقب والشعور بالفراغ، مما يجعل الكاتب يتعامل مع تلك اللحظات بملل عميق تتخلله تساؤلات فلسفية حول جدوى الوعي والصحو في عالم مليء بالضغوط.

فيما الضجر هو نوع من الرفض الذي قد يلامس التمرد على الواقع الثابت؛ كأن كوكاس يواجه حالة من التوتر الوجودي الناتج عن سكون العالم الخارجي أمام تدفق مشاعره وأفكاره.

 

لغة الشذرة وإيقاع الدلالة

تتناقض اللغة الشذرية مع لغة السرد وصرامة الإيقاع الشعري، فهي تتألف من أصوات متعددة تتداخل وسط النص بشكل مكثف نلمس بينها وجود صوت داخلي للشخصية التي تكتب، لكن هذا الصوت يتلاقى مع صوت آخر، قد يكون الصوت الجمعي أو صوت الآخر في المجتمع، وهو ما يعكس صراعا بين الفرد وهويته الداخلية من جهة وبين المجتمع وضغوطه من جهة أخرى.

يرى بارت أن اللغة ليست فقط وسيلة للتعبير عن الأفكار، بل هي وسيلة لتشويه الواقع واللعب بالأبعاد الممكنة للمفردات. وبالتالي، لا يُقدّم كوكاس في “الصحو مثير للضجر” صورة واضحة عن الواقع، بل يعمد إلى تكسير الصورة وإعادة بنائها عبر الكلمات التي لا تحمل دائمًا معنى مباشرًا، بل تدعو القارئ للبحث عما وراء السطح.

فالتوظيف المكثف للرموز في الكتاب يؤدي إلى خلق نصوص تتراوح بين الضبابية والوضوح، مما يتيح لكل قارئ قراءة النصوص وفق رؤيته الخاصة. يقول كوكاس: “أتعجَّل وضع المشنقة حول عنقي فقط لأبوح بك! أعرف أنهم سيُزيلون لساني من جذوره، ويأخذون عيِّنات منه للتحليل المختبري ليكتشفوا ما إذا قلتُ: أحبك.. وقد يفقأون عيني أو ينتزعون منها، تحت التعذيب، اعترافات خطيرة حول التنظيم السري للحب”. و”أُحسني اليوم شفافاً مثل شبح قادر على اختراق جدار من الإسمنت المسلح.. أسمع صرخة زجاج منكسر ووجع ظل وردة داستها أقدام طائشة!”

يتميز كتاب “الصحو مثير للضجر” بكونه مكتوبًا على شكل شذرات أدبية، وهي شكل تعبيري يقوم على التكثيف الدلالي والاقتصاد اللغوي، مما يجعل كل نص وحدة مستقلة لكنها منفتحة على دلالات تتجاوزها. تتلاءم هذه البنية مع مقاربة سيميائية تحليلية تركز على التناص الذي يوجد بقوة في هذا النص، حيث تتداخل نصوص سردية وشعرية وتأملية ودينية في قلب النص، يستلهم كوكاس رموزه من الفلسفة والتصوف والشعر، مما يمنح اللغة بعدًا تأويليًا متشابكًا. بالإضافة إلى بعد الانزياح الدلالي الذي يتمثل في خروج العبارات عن معناها المألوف، كاستخدام “الصحو” بمعنى فلسفي يعاكس مفهومه العادي. وطبيعة التكرار والتضاد، حيث نجد جدلية “الصحو/الضجر”، “الصمت/الصخب”، “الحضور/الغياب”، ما يعكس توترا دلاليا يعبر عن رؤية وجودية خاصة.

إضافة إلى ذلك، يشكل الصمت مفهوما محوريًا في هذا الكتاب الشذري، إذ يُطرح كقيمة فلسفية لا كحالة لغوية فحسب. فهو ليس غيابًا للكلام، بل فعل دلالي يفتح إمكانات المعنى يمكن تأمله وفق مستويين: الصمت كإجراء جمالي حيث تعتمد الشذرات على الإيحاء أكثر من التصريح، مما يفرض على القارئ دورا تأويليًا نشطا. ثم مستوى الصمت كموضع مقاومة، حيث يصبح الصمت رفضًا للضجيج المعرفي الزائف، واختيارًا للعمق والتأمل الذاتي.

هذا البعد يؤكد عليه الكاتب عبد العزيز كوكاس في الفرش النظري الذي مهّد به كتابه لتعريف الشذرة، يقول: “الشذرة هي الكثافة اللازمة للكتابة، فرح الدال وغبطته بانفلاته من سلطة ميتافيزيقا الدليل، هي الالتفات الدقيق للهامشي واللامعقول.. ضد الحضور لأنها سليلة الغياب، لذلك تميل إلى سطوة الأبيض على الأسود، عبر تضييق مساحاته والرقص الحر على حلبته!

هي مقاومة تصدع العالم بالنَّزر القليل من الكلام على شاكلة شطحات الصوفية، تُزلزل ثرثرة الأشياء ذات الجلبة على السطح، لأنها تغوص بعيداً في خلجان عميقة للتاريخ، للإنسان، للطبيعة، للعالم.. ولما لا يُصاغ في لغة عامة هَرِمة، لذلك ترتسم اللغة الشذرية على شكل متاهة تُماثل انعراجات الروح، لتضبط “التعقيد الموجود أصلا في روح العصر” حسب ت. س. إليوت، فهي واضحة ووقحة لدرجة الغموض، “إذ كيف نطلب مَنْ يسير في ظلمات النفس أن يكون واضحاً؟!” يتعجب الشاعر ييتس.

 

النص والقارئ: نحو قراءة تشاركية

يعتمد الكتاب الشذري الموسوم بعنوان بمدى شاعري عمبيق “الصحو مثير للضجر” على التواصل غير المباشر مع القارئ، حيث لا يمنحه معاني جاهزة، بل يدعوه إلى التأمل وإعادة بناء الدلالة وفق تجربته الخاصة. هذه البنية المفتوحة تتماشى مع الطابع السيميائي للنصوص، إذ إنها تتجاوز الوظيفة الإخبارية للغة نحو وظيفة إشارية تأويلية. لغة مكثفة، رمزية، تقوم على الشذرة كوسيلة لإعادة تشكيل العالم في نصوص قصيرة لكنها غنية بالدلالات. برؤية فلسفية تجمع بين القلق الوجودي والاحتفاء بالصمت كحالة تأملية. وتنبني الوظيفة السيميائية للنص على اللعب بالمعاني وإعادة تشكيلها من خلال الانزياح الرمزي.

يعد كتاب “الصحو مثير للضجر” تجربة شذرية متميزة ونصا مفتوحا على إمكانات تأويلية متعددة، تتشابك اللغة بالصمت، ويصبح المعنى فضاءً للبحث والتفاعل، لا مجرد خطاب جاهز للاستهلاك. يظهر كتاب “الصحو مثير للضجر” لعبد العزيز كوكاس كعمل أدبي معقد، يقدم لنا صوتًا مزدوجًا يتنقل بين التداخلات اللغوية والشذرات الفكرية، ليعرض صراع الذات مع نفسها ومع المجتمع. هذا الكتاب لا يقدم تفسيرات حاسمة، بل يفتح لنا الباب أمام تأملات فلسفية ونقدية حول مفهوم الوعي والضجر، عن الوجود والنفي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق