سياسة

ظاهرة … جبريل إبراهيم!!

د. عمر القراي

(كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ)

صدق الله العظيم

لم يظهر جبريل إبراهيم في السياسة السودانية، إلا بعد ان انقلاب الاخوان المسلمين في يونيو 1989م. فقد استدعي من السعودية، واعطي رتبة عميد في جهاز الأمن الوطني. في تلك الأثناء قام مع صلاح قوش، باستئجار منزل في الرياض، للشيخ أسامة بن لادن، حين كانت حكومة الإخوان المسلمين، تجمع الإرهابيين، ويظن الترابي، أنه سيصبح زعيماً اسلامياً دولياً. وبتوجيه من أسامة بن لادن، نقل جبريل أمواله من السعودية، بمساعدة «وليد الدرع»، ليستغل بن لادن الإعفاءات العديدة، والأراضي الشاسعة، التي منحتها له حكومة الإنقاذ، ويستثمر أمواله في السودان. وحين بدأت حكومة البشير تتقرب للأمريكان، وسلمت لهم بعض الإرهابيين الإسلاميين، اضطر بن لادن لترك السودان. فنهب الاخوان المسلمون اخوهم في الله، واسس جبريل ببعض تلك الأموال شركة «الرهو» التجارية المتعددة الأغراض، وقام بتعيين ابن عمه مديراً لها. ولقد قامت حكومة البشير ببعث جبريل ليحضر الدكتوراه، ولكنه عجز عن ذلك، وعاد خائباً، ومع ذلك يدعي أنه قد حاز على الدكتوراة (وسائل التواصل الاجتماعي).

وجبريل إبراهيم ليس قائد حركة تحرر، ولا هو حريص على العدل والمساواة، بل هو مجرم حرب، تطارده أراوح ضحاياه. فقد قامت حركته بإعدام 37 شخص من أبناء قبيلة الميدوب، رمياً بالرصاص، لأنهم احتجوا على ترقيات داخل الحركة. كما إن 14 ماتوا برداً، حين تم ربطهم على شجرة، بوادي هور، في الشتاء، وعند الصباح وجدوا أمواتاً. كما اعتدى على قبيلة القمر والارتيقا، وقام في عام 2013 بقتل محمد بشير أحمد و12 آخرين، بعد توقيع اتفاق الدوحة، وكانوا جميعاً أسري، فوجه جبريل بإطلاق النار على رؤوسهم. ولقد أدان مجلس الأمن الحادثة بقرار رقم 2113 بتاريخ 30/7/2013م، ودعا للقبض على الجناة ومساءلتهم، وكذلك اللجنة الدولية لمتابعة تنفيذ اتفاق الدوحة. وتم فتح بلاغ في تشاد، حيث وقعت الجريمة، كما تم فتح بلاغ في السودان (وسائل التواصل الاجتماعي).

ولم تستطع حركة العدل والمساواة، بقيادة خليل إبراهيم واخيه جبريل إبراهيم، الانتصار على حكومة البشير خلال ثلاثين عاماً. حتى بعد أن وصلت أمدرمان في غزوة طائشة في 10 مايو 2008م، دحرت في ساعات، رغم ضعف الحكومة وعزلتها عن الشعب. والآن حين قام الشباب بالثورة السلمية، وأطاحوا بنظام الإخوان المسلمين، وقامت الحكومة الانتقالية بتحقيق السلام مع الحركات المسلحة، جاءت المحاصصات بجبريل وزيراً للمالية، فماذا استفادت الثورة، وماذا استفاد الشعب من السيد جبريل؟!

لقد عُرف الاخوان المسلمون بقلة الذكاء الفطري، ولكن جبريل ظاهرة فريدة في الغباء، فمع أن الثورة التي جاءت به قام بها الشعب ضد الاخوان المسلمين، كان أول ما فعله هو زيارة بيت الترابي!! ليظهر أنه صاحب ولاء للإخوان المسلمين، ولو وجد الترابي حيّاً لتزود بنصائحه. ثم صرح بأنه اختار وزارة المالية، ليأخذ أموال الشعب ويعطيها لحركته!! وحين صاح اتباعه المهووسون أنهم يريدون تحطيم العمارات في الخرطوم، طلب منهم ألا يحطموها، وإنما يسكنوا فيها!! وهي عمارات مسكونة فهو يقصد أن يطردوا المواطنين، ويحتلوا بيوتهم، وهكذا وضع نفسه بغبائه من أول وهلة ضد الشعب، وضد الثورة.

وأول ما بدأ به جبريل هو التمكين لأسرته ولحركته، فعين أحد اقاربه ويدعى سليمان مدير لمكتبه، وعين الطاهر ابن أخته سكرتير خاص له، ومحمد التوم ابن أخيه سكرتير ثاني له، وعين عبد العزيز عشر وسليمان صندل، كأعضاء في مجالس إدارات المؤسسات الكبرى. ومن افراد حركته عين د. محمد مصطفى مديراً للضرائب، وعبد الحافظ، وهو أيضاً من اسرة جبريل، المدير التنفيذي للضمان الاجتماعي. ومعتصم احمد صالح مدير لبرنامج ثمرات، ونجم الدين موسى المدير العام للعون الإنساني، وسيف كوكو في جهاز الضمان الاجتماعي (وسائل التواصل الاجتماعي).

لقد نقل عن جبريل أنه قال إن القوات المسلحة أخذت الشركات الاستثمارية، وأن الدعم السريع أخذ الذهب، ولم يبق لحركته إلا أن تأخذ أموال الضرائب، وعائدات الخدمات، والمشروعات الحكومية!! ولو صح هذا الكلام، أو كان نكتة قالها أحد الظرفاء، فإن عمل جبريل يؤكده. فقد قام برفع الضرائب، ورفع سعر الكهرباء والماء والبنزين، فتفاقم الغلاء، وزاد الرسوم الجمركية بنسبة 30% حتى انحسر الاستيراد (بيان الغرفة القومية للمستوردين 3 أغسطس 2022م).

كما استغل الوزارة، ليوظف موارد البلاد لمصلحة الحركات المسلحة. فقد تم اعفاء 4100 سيارة و2000 حاوية متعلقات شخصية لمنسوبي الحركات المسلحة، كان نصيب حركته منها 700 سيارة. كما اعترف بأنه اعفى سيارة ابن أخيه من الجمارك، ويأتي هذا الاستثناء بعد إصداره قرار بإيقاف جميع الاستثناءات من الاعفاء الجمركي(جريدة الديمقراطي الالكترونية). في لقائه بقناة سودانية 24 قال جبريل (منحت ابن أخي استثناء من الجمارك ولا أجد حرجاً في ذلك وليس بدعة ولا أرى فيه استغلالاً للنفوذ ولا شكلاً من أشكال الفساد) وهذا التصريح من أكبر الأدلة على غباء جبريل، وعدم جدارته ليدير حتى نفسه، دع عنك مالية الدولة. فإذا نال ابن اخيك ما لم يناله أبناء الآخرين، فليس هذا عدل ولا مساواة، فهو إذاً ظلم، والله يأمر بالعدل، ويحرم الظلم. فإذا كانت نفسك لا تشعر بالحرج إذا فعلت الحرام، فهل أنت قيادي إسلامي، وزعيم حركة ثائرة ضد الظلم؟! أما قولك إن ما فعلته ليس بدعة فصحيح، أنه ليس بدعة، في حكومة الاخوان المسلمين، ولهذا اسقطها الشعب، وأنت تعلم في دخيلة نفسك أنه استغلال للنفوذ وهو عين الفساد!!

ولم يكتف جبريل بتحويل عائدات الضرائب والخدمات لحركته، بل أخذ الأموال بالباطل، من أموال البنوك مباشرة لحركته. فقد قام مفوض عام الاستثمار للمعاشات السودانية الجديد، والذي ينتمي لحركة العدل والمساواة، وبرفقته جبريل إبراهيم بسحب مبلغ 18 ترليون جنيه، بالإضافة الى وديعة بالدرهم الاماراتي، من مصرف المزارع التجاري، من أموال المعاشات (وسائل التواصل الاجتماعي). ويجدر بالذكر أن وزير المالية، ووزير التنمية الاجتماعية، ومفوض عام جهاز الاستثمار، ومدير عام المعاشات، كلهم من حركة العدل والمساواة.

وليت جبريل اكتفى بنهب أموال الشعب السوداني لأسرته، وحركته فحسب، ولكنه لخوفه من المحاسبة، وظنه بأن عودة الاخوان المسلمين للسلطة وشيكة، وأنها ستحميه، ولعمق وضاعة الاخوان المسلمين في نفسه، سارع في إعادتهم، وتقويتهم بأموال الشعب. فبأمر من جبريل، قام محافظ بنك السودان، حسين جنقول بإصدار أوامر للبنوك العاملة، بفك حظر حساب 150 من الأفراد والشركات التابعة للإخوان المسلمين. كما قام مفوض العون الإنساني، وهو من العدل والمساواة، بإعادة تسجيل 23 منظمة تم حلها بواسطة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 89 ومن هذه المنظمات:

-منظمة معارج للسلام والتنمية، وهي من بؤر الفساد، ويترأس مجلس ادارتها محمد حسن احمد البشير، شقيق المخلوع، والتي كانت قد استولت على 28 قطعة ارض وقفية، مشيد ببعضها أبراج استثمارية، بالإضافة للأرض التي شيد عليها نادي كافوري، وثناء مول بمجمع النور.

-منظمة «سند» الخيرية ومنظمة «أنا السودان»، وتديرهما زوجة المخلوع، وداد بابكر، وكانت تمول بمبالغ ضخمة من حزينة الدولة.

-الاتحاد العام للمرأة، والاتحاد الوطني للشباب، ورابطة المرأة العاملة، والاتحاد العام للطلاب السودانيين، وهي جميعاً واجهات تابعة لحزب المؤتمر الوطني المحلول، وكان يصرف عليها من وزارة المالية، بأمر دفع مستديم، تحت بند حساب الواجهات التنظيمية للحزب المحلول.

-منظمتي الجمعية الافريقية لرعاية الأمومة والطفولة، والمؤسسة الصحية العالمية، التابعتين لمنظمة الدعوة الإسلامية راعية انقلاب 30 يونيو 1989م.

-منظمة بنك الطعام التابعة لعلي عثمان محمد طه (صاحب كتائب الظل)، والتي تمتلك عدد من الاستثمارات حازت بسببها على إعفاءات لا حد لها.( من بيان لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م 5 /9/2022م)

إن جبريل إبراهيم يلعب في الزمن الضائع، فهو يمارس كل سوء الاخوان المسلمين في عدائهم الشعب، والحقد عليه، ومحاولة افقاره تجويعه، والبطش به، عقاباً له على اسقاطهم. وهو حين يفعل ذلك، يستغل جبن وضعف البرهان وحميدتي، فهو يهددهم تارة بأنه سيعود للحرب، ويهددهم تارة بعلاقته مع الاخوان المسلمين وتذكيرهم بأنهم سيعودون. أما الشعب فإنهم جميعاً لا يرعون له عهد ولا ذمة، ولا يقدرونه حق قدره، ولكنه ماض الى أمره، منصور بربه (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) ؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق