
عماد البليك
المكان شيءٌ هلامي وغامض يصعب القبض عليه، حتى لو أن أبسط تعريف أو صورة له ترتبط بالمتخيل الجغرافي المباشر كالحدود والأوطان، القرى والمدن المتخمة بذاكرة الطفولة، والمطارات.
لكن هل هذه هي الأمكنة؟
أم أن حقيقة المكان تتخفى وراء كل ذلك؟
في غياهب الذاكرة حيث يصبح معنى أي مكان أو جوهره في تلافيف ما يتحرك في عقولنا، وتصبح الصورة مختلفة من شخص لآخر حتى لو عاشا في المنطقة نفسها أو الحيز نفسه، وهذا لا يعني عدم وجود مشتركات عامة. لكنها لا تنفى خصوصية التجربة في النظر إلى ما وراء العام والمشترك.
بهذا التفسير فإن فلسفة المكان هي محاولة لإدراك المفهوم أو النظرية التي يتشكل بها الحيز في ذاكرة الإنسان، كيف يصنع حنينه وأوجاعه وأسراره وأفراحه، بحيث يكون في نهاية الأمر لدينا تشكيلا ذهنيا لهذا الفراغ أو المخزن أو الجغرافيا المختزنة.
وإذا كان لكل شخص نظريته وخصوصيته، فالمحصلة أننا أمام عدد لانهائي من المداليل حول ماهية المكان من حيث المنظور الفلسفي.
غير أن المقصود هو تبسيط هذه المجموعات لتقوم في خطوط مشتركة واضحة وعريضة تمثل في النهاية رؤية عامة للمقصود من المكان كمدرك وفاعل وليس بوصفه التجسيمي والصوري.
في الفنون الأدبية كالرواية والقصة يشكل المكان حيزا كبيرا في النص، بل يكاد فن الرواية مثلا يعتمد على تصوير جيد للمكان وذلك بدرجة أوضح في الروايات الكلاسيكية.
غير أن هذا التصوير أصبح اليوم أكثر تكثيفا واختزالا للدرجة التي يكاد يتلاشى فيها معنى المكان ورؤيته التقليدية، وبحيث يصبح أمام المتلقي ما يمكن الاصطلاح عليه بـ “فلسفة المكان” أي المفاهيم والإدراكات التي يشكلها ويصنعها متخيل الكاتب لنقرأ من خلال ما في ذهنه – هو – وما يحمل من معان وتصاوير أوسع من المحدد والمؤطر له سلفا في الأذهان، بخصوص سواء الأمكنة المعروفة لنا أو التي نكتشفها لأول مرة.
إن المعنى أوسع من مجرد احتوائه في مجرد مقال محدد الكلمات، لأن موضوع المكان ظل واحدا من الموضوعات الملهمة بقدر ما فيه من إشكالات وتعقيدات في الفلسفات الشرقية والغربية، خاصة إذا ما نزح سؤال المكان إلى المساحات الغامضة جدا، وحيث يمكن دخول ما يعرف بـ “الأمكنة الغيبية” والنادرة كما في العوالم التي ساقها دانتي أو أبو العلاء المعري وغيرهما من أهل الإبداع.
كذلك الأماكن التي ترد إلينا في الأحلام وهي تشبه الأمكنة المقترحة أدبيا في بعض الأحيان، تلك التي قد تتكيف بأشكال وظروف مصدرها الفعلي تجربتنا وواقعنا لكنها تأخذ منحى وشكل نهائي لا يشبه كل ذلك.




