
في فعل القراءة
عبد المجيد بن شاوية (كاتب مغربي)
لقد كان من قدر الإنسان أن يكون قارئا، من بين أقداره المشروطة بعلة الوجود أن يقرأ، حيث لا يمكنه أن ينزاح عن هذا القدر ولو برهة، خلق ليقرأ لا أن يغيب عن فعل القراءة ولا أن يغيبها، أن يقرأ، معناه، أن ينحت وجوده بفعل المسح الرمزي، ليرمز كينونته بكل رمزياتها المادية والمعنوية، بكل دلالاتها الوجودية، حتى ولو لم يكن يعرف الحروف الأبجدية، إلا أنه قارئ، لقد تفتقت ملكته العقلية والذهنية في جانب كبير منها ليرمز للعوالم والأشياء المحيطة به، القراءة انعاكس ما بدواخله من مشاعر وأحاسيس بفعل ما هو خارج عنه، هكذا قدر له أن يخلق ما لا يمكن لكائن أخر أن يوجده، هي عملية خلق الرموز وتفكيكها، بغية المزيد من الفهم والإدراك، باستحداث المعاني والدلالات، بهدف خلق جسور التواصل فيما بين الإنسان وكل العوالم الحاضنة له والبعيدة عنه في الأن نفسه، فكان بذلك فاعلا ومفعولا به من حيث الفعل ورد الفعل، إيجابا وسلبا، تفاعلا وتقاسما، مالكا ومملوكا، ضدا أو معية، تساؤلا وإجابة، بقدر فهمه ومستويات الوعي الحاصلة لدى كل واحد، بحضور الذاتية منذ أن استقبل عقله أول معلومة أو فكرة، أو منذ دهشته الأولى، ليتساءل ويطرح علامات الاستفهام على ضوء ما حدث أو ما رمز له في عمليات تأملاته ونظراته للأشياء الحاصلة أمامه أو ما يمكن مشاهدته أو ما ورد على مسامعه، في احتياجه للغة، لرموز بدلالاتها ومعانيها كيف ما كان مجالها وبحسب قدراته وكفاءاته العقلية والذهنية، وحالاته النفسية، وطبيعة أنظمته الاجتماعية القائمة، على اختلاف مجالاتها، ثقافيا، اجتماعيا، سياسيا، فلسفيا، وماديا . ” وإذا كان «السؤال هو تقوى الفكر» ـ كما يقول هايدغر ـ فإن موضوع السؤال بحاجة إلى لغة تحمله وتنير حضوره، أو لنقل هو «الانكشاف» يعرف ذاك الكائن ووسائط وجوده ” ( 1).
و مادام أن الإنسان كائن لغوي كما قيل في المتن اليوناني – أرسطو -، فإنه لا يتحصل له فعل الحضور الذاتي إلا بإنتاج ما يحيل على حضوره هذا، هكذا كان له أن ينطق، أن يتواصل، أن يقرأ، المنطوق موجه، التواصل عملية لا يمكنها الحدوث إلا بين كائن وأخر، الرسالة معها يجب أن تقرأ على خلفية رمزيتها ومعانيها، بهذا وجب عليه أن يكثف في قراءاته بعدد الرسائل الملقاة، والتفاعل معها، فالقراءة انفتاح الذات، لتفتح الأبواب على مصراعيها للتأويلات العديدة والمحتملة من وراء كل مقروء وكل رسالة وكل خطاب ، مع تعداد مسارح الذات بين مواقعها الوجودية إلى إحداثياتها النهائية في علاقتها بكينونة الإنسان ، ” كان أول ما أنزل على الرسول «اقرأ باسم ربك الذي خلق».. إنها دعوة صريحة لفك الطلاسم على الوجود وإعطاء الإنسان حضوره في عالم لا بد فيه من مكانة، وأي مكانة أعظم من «القراءة» وأي عظمة أرفع من تأسيسه لذاته عبر خطاب لغوي يخرجه من الصمت إلى الكلام ومن الغياب إلى الحضور ومن النسيان إلى الكيان أو من التخفي إلى الظهور؟ ( 2 ) .
القراءة فعل إنساني محض، الفعل الذي به يحدث به الحضور الكياني، مرتبط بكينونة الإنسان في حد ذاتها، باللغة يرمز لوجوده المتعدد، يفعل بها استعداداته الثاوية بداخله لأجل التجلي في لوحات بشكل ما أمام الأخر، كيفما كان، يرسم أشكاله الهندسية كيف ما يحلو له، في عوالمه الخاصة والعامة، بتعداد المعاني التي تختزله وتؤشر عليه من قريب أو من بعيد، بقراءته للنصوص والمتون يجعل نفسه أمام المرايا العاكسة لصوره وأشكاله ولوحاته الذاتية في كل أبعادها القائمة، ماديا، معنويا ورمزيا، منفتحا عليها ومكسرا قيود الحجب التي تعرقل ظهوره، كلامه / خطابه، حضوره/ ذاتيته الفعلية، كيانه / وجوده، ظهوره / تجلياته، بعد الصمت، الغياب، النسيان، والتخفي.
القراءة تجلي الذات على بساط النصوص، رغبة في الكشف عن ما يشغلها، عن كل ما يموج وما يمور بداخلها، استكناه الغامض والملتبس، المفترض والحقيقي، بحث في الجاهز تحقيقا أو تشكيكا، تقصي للمعطى والوافد والجديد، سبرا لأغوار الثابت والمتحول، مغامرة بداخل المختلف والمتقاطع، إعادة بناء الإحداثيات، افتراض أن العالم ليس أنا فقط، إنه كل ما هو معطى أمامي، إنها سيرورة مع الزمان والمكان، تفضيء للذات وبسطها على كل مسارح الوجود في هذا الكون الفسيح، المرئي منه والخفي أيضا، إن القراءة رغبة في التحدي لكل شيء، لأجل إيجاد معنى عن من أنا ومن أكون، عن معنى لوجود بين موجودات أخرى، في صلب صيرورات لامنتهية، هي إنتاج للمعنى، بحسب المواقف والوضعيات، وحسب الأزمنة والفضاءات، لذا قد يختلف فعل القراءة من واحد لأخر، لضرورات أو إكراهات أو أعراض ما، زمن السلم ليس هو زمن الحرب، لحظة الصحة ليست هي لحظة المرض أو الأوبئة، فترة الرخاء ليست هي فترة الشدة والعسر، لحظات الحاجة والضرورة ليست هي لحظات الوفرة والكافي من الأشياء واللوازم، وجود بين أحضان نفس التربة ليس ذاته بين غيرها، تقصي البحث والكشف عن المشترك ليس هو نفسه في المختلف والمغاير .
إن لازمة القراءة ضرورة وجودية، محددة للوجود الفعلي لا الوجود بالقوة، حضور في ثنايا الوجود الإنساني وفي كل تفاصيله، لا محيد عنها تحت أي ظرف كان، فعل لا مندوحة عنه في صيرورات الإنسان، به يعقل وجوده، وبه يتجلى فيه، مستكشفا وسابرا أغوار علاقاته بذاته وبكل العوالم الأخرى . لذلك وجب علينا أن نقرأ.




