ثقافة وفن

رواية السواد المر للكاتب محمد سليمان الفكي الشاذلي (2/2)

محاولة تفكيك النصّ

إبراهيم سليمان

ـــ مبالغة في نوم سبية قلقة، ليلاً ونهاراً لدرجة أن تفتح زنزانتها، وتخلع سراويلها الداخلية وهي لا تزال في سبات.

” وهي لم تشعر به إذْ دخل! لم تشعر به إذ انحنى عليها! لم تشعر به إذْ رفع ملابسها! إذْ ذهب بيديه وبعينيه إلى أماكنها الحميمة فاشتم منها، على نحو ما، رائحة بعيدة بُعد لندن،” ص. 324

ـــ مشاهد سحل الأعداء لدى القاعدة والدواعش جراً على ظهور الخيول واللاندكروزرات حتى الموت، فيها محاكاة لمشاهد الكاوبويز (رعاة البقر) سابقا في أمريكا، يبدو لنا أنّ الراوي مهتم بمشاهد الآكشن أكثر من  الواقعية الدرامية.

ـــ تمر كافة الأحداث، من سبي الصبايا في قرية أستيرا على جبال سنجار، ثم محطة  سجن ذات اليومين، ومحاولتيّ هروب، ثم الترحيل إلى مقر القيادة في حمص، ثم محاولة الهروب الثالثة، والبطلة كاجين لم تتجاوز سن الثالثة عشرة، أي أنّ الأحداث مكّثفة حد الانفجار.

ــــ أعاصير الصحراء لا تأتي بغتةً، لها أشراط ومقدمات، وترى ظلها على بعد فراسخ. ص. 378

ــــ لا نظن أنّ إعصارا مهما بلغ عتوه، أن يفرق بتلك السهولة شمل فرقة جهادية جادة، جيدة التدريب، تحلم بتأسيس دولة الخلافة. ص.379 وكأنهم تفاجأوا بتلك الظاهرة الطبيعية المألوفة.

ـــ مبالغة أن يقطع معاون الخليفة رؤوس حرس منزله الخاص وكذلك العجوز عزيزة بجريرة هروب عيونيّ كاجين الخضراوين، إذ أنه لم يعاشرها حتى لحظة هروبها للمرة الثالثة، كان منتظراً لحظة نمو زغبها الأسود ليستمتع بإمعان النظر إليه.

ترميز فني موّفق

أمثلة:

ـــ دوروثي ما هي إلاّ “لندن المقيتة” وإنجلترا والغرب عموماً، والبطل سامي حميدان راغباً فيها وهي تمانع وترفضه، وما كاجين إلاً شبح دوروثي، أي كافرة وكيلة الغرب في بلاد الإسلام، وما قمر بعينيها السود إلاّ بلاد العروبة والإسلام، مبذولة له، وعقدة الانكسار العاطفي من دوروثي تشوش عليه، كلما عنّ له الاستمتاع بهنّ بكاجين وقمر.

“العالم يساوي طفلة اسمها كاجين، في غابر السنين كان اسمها دوروثي” ص. 330

ــ من خلال تبين عراقة مكتبة التحرير لصاحبها عوض في الموصل، وشغف التلميذة النجيبة كاجين بالقراءة والاطلاع، إقرار من الراوي بعلو كعب بلاد الشام في الحضارة والعلم والمعرفة.

ـــ ربط الإعصار بالدخول في الصلاة، فيه ترميز ذكي إلى ظلامية المذهب الفقي للدواعش.

ـــ “الأكواب الورقية الفارغة الملطخة بسواد الكوكاكولا” ص. 114.

إتهام حصيف من سامي حمدان للغرب بالسوداوية. “الأصولية ليست في الشرق، هي في الغرب أيضاً” ص. 116

ــ في النهاية يبدو أن الشر (السواد) انتصر مؤقتا على الخير (الخضرة)، بتزوج بالبطل من “قمر” بالبدوية ذات العيون السود. رغم أنّه مات مكلوماً ومطعوناً غيلة بطعنه من ذات العيون الخضر كاجين شبح دوروثي. الخلاصة، أنّ الخيرية في الغرب، انتصرت على السوداوية في الشرق، بمقتل معاون الخليفة على يد كاجين السبية اليزيدية، ممثلة الغرب في الشرق.

” استرق النظر إلى عينيها السوداوين فاضطربت ثم ابتسمت.” ص. 392

“قمر”، “اسم على مسمى. أنت جميلة جداً! سأتزوجك يا ذات العيون السود.” ص. 392

ــ العصابة التي احتوته، واحتفت به أيما احتفال، وزوجته ابنتهم قمر، ما هي إلاّ العصابات الجهادية المرابطة في الصحراء العربية، وحُمرة لسان الفتاة قمر، كناية عن الطرح التكفيري الدموي، والنبيذ والخمر، ما هي تأثير الفكر الظلامي السوداوي. تبدو الربكة الفنية في صابئية هذه العصابة، وربما قصد الراوي أنها فرق مسلمة (تقدس السبع وتؤثر الثلاث الأرقام الوحدانية) إلا أنها في نظر البطل زنديقة.

” نحروا سبعة جمال وثلاث نياق” ص. 393

ــ الكرم الحاتمي للضيف العابر، دلالة على بدائية العصابة وجاهليتها، والاحتفاء المبالغ به، دلالة على ضياع هذه العصابة وتيهانها والتعويل عليه.

ـــــ رمادية لون اللاندروفرات في ضاحية ألدرشوت بإنجلترا، وكذلك كأولى سيارة يدخل بها الصحراء العربية، قادماً من أفغانستان، متزعماً مجموعته. تعني الضبابية الفكرية.

” نعم، تلك كانت أول مرة يدخل فيها الصحراء العربية، كان في سيارة لاندروفر رمادية اللون”. ص. 376

ــــ الحلم المتكرر برؤية الملك فكتوريا في مخدعها وانتهاك خصوصيتها، ترميز عن تجدد روح الانتقام من لندن وإنجلترا، التي ظلت تراوده بسبب التمييز العرقي والديني ضده.

ـــ “أحس بالطائر الشرس يفرد جناحيه ويضرب في كبده ويطعن بمنقاره.” ص. 429

هذا الطائر الذي تكرر ذكره، يرمز إلى بذرة الشر، ونزعة التشفي والانتقام، وروح الكراهية التي بين جنبيه، والنائم اليقظان بين جوانحه.

عدم إتساق

ـــ اسم البطل سامي حمدان، كيف يسمو وهو القائل السفّاح؟

” يتذكر جيدا أن أخرج لسانه وراح عمدا يلعق من تلك الدماء.” ص. 43

ــ القائد الميداني الداعشي، يخلط بين تمجيد خالد بن الوليد وعذراء أورليان والقديس بول وبين هافانا وبغداد؟ رغم ازدواجية مشاربه الثقافية، بعد أن رمى الشوك والسكاكين من مطبخ والدته، وبعد أن رمى قسراً كتاب الملكة فكتوريا، يتوقع انحيازه لرموز البطولة الإسلامية.

ـــ غالباً لا يجتمع حب الأدب والموسيقى والجنوح للعنف في جوفٍ واحدٍ. “لا ريب أن الشعر والأدب قد ربَّيَا في مكان ما من نفسه القاسية الآن شوقاً للرومانسية يكاد يجنح إلى المحال.” ص. 193

ـــ مصادفة درامية مباللغة، أن يلتقي وجهاً لوجه بطل الرواية، مع مارتن زوج زميلته ” دوروثي” التي رفضته بإهانة لخلفيته العرقية، وفضلت عليه زميل إنجليزي. ص. 141

ـــ من المفترض أن تؤول أسلحة مجاهدي داعش لملكية دولة الخلافة، فلا يعقل أن تستخدم كقيمة عينية لاقتناء السبايا التي هنّ كذلك تعتبرنّ متاع الدولة وجزء من رأسمالها.

ــــ “موقف الرجل من المرأة كحالته بالنسبة إلى اللحم المشوي! كلما كانت الأسنان هرمة كانت بحاجة إلى لحم أكثر طراوة، لحم طفلة، هل تفهمين؟”

معاون الخليفة ليس هرماً، وإنما في ريعان شبابه.” ص. 330

ـــ حيلة فرار كاجين المرة الأولى لا تناسب طفلة عمرها ثلاث عشر ربيعا.

ـــ ليس مقنعاً أن يعرض معاون الخليفة الخلاص في الدنيا وفي الآخرة للمهمشين في مدن العالم الغربي. كان الأنسب أن يعرض عليهم العدالة الاجتماعية، والرفاهية المعيشية، والاعتبار الذاتي، والتشفي للظلم الاجتماعي والتمييز العرقي والديني. وهي ذات الدوافع التي جندته لتنظيم القاعدة ومن ثم لداعش.

“كل مؤمن بنا له الخلاص في الدنيا وفي الآخرة” ص. 432

ـــ ليس متسقاً أن يحرص معاون الخليفة ورجاله السفاحين على أداء الصلوات المكتوبة وحتى النوافل في مواقيتها، وهم لا يتورعون عن ارتكاب الكبائر وإتيان الموبقات وجز الرؤوس على وضوءٍ. ذلك “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر”. ص. 440 ــــ448. يبدو أنّ هذا التناقض قصد به تجريم للفقه الداعشي.

ـــ ليس متسقاً أن يأكل عمَّار وأبو نورة التيس الجبلي وحدهما ويتجشآ عن شبع ولم يطعما أسرائهما كاجين سبية معاون الخليفة وعمها فراش المدرسة كامل وساعي البريد. ص. 448

ـــ ليس مثالياً أن يناجي معاون الخليفة سبيته المفضلة ويديها مقيدتين بالأصفاد داخل زنزانة، حتى إن كانت ترفضه. ص. 474

ـــ من المفارقة أنّ يكون ساعي البريد حمدين الذي ظل يرفد أهالي قرى سنجار بالكتب وشعل التنوير، يتخذ قسراً دليلاً للسواد المر لذات الشعاب، وقواداً للخراب والهلاك!.

ــــ “الحرب صبـــــــر واللقاء ثبات والمــــوت في شأن الإله حياة” ص. 426

هذا البيت من قصيدة لشاعر المهدية عبد الله البنا السوداني الجنسية، لا نظن أن معاون الخليفة قد سمع به، وكما لا نظن أن شهرة هذه القصيدة قد تخطت الأسوار لتصل الجاليات العربية في لندن أو المجاهدين في أفغانستان. هنا خلط بين ثقافة الراوي وثقافة معاون الخليفة سامي حمدان

وفقات عامة:

ـــ يفتخر البطل بانتصارات القاعدة في أفغانستان، وينفر منها، دون أن يوضح متى ولماذا انشق عنها!

” كونوا معنا وتجنبوا النصرة والقاعدة والسنة والشيعة” ص. 58

ـــ أشد ما يجذب الدواعش لدخول الجنة، المتعة بالحور العين. يصورهم الراوي على أنهم شهوانيين، هذا التصوير يتسق من سبيهم للنساء، خلافاً للجماعات الأصولية الأخرى.

“قفز منها رجل مهمل اللحية في جلبابه الأسود بقع طعام ومني وشراب.” ص. 135

” دماؤهم ونساؤهم وأموالهم حل لكم إن انتصرتم، وإن استشهدتم فلكم الحور ولكم الجنان” ص. 58،  الشيخ وهدان على وهدان متزوج من أربع نساء وهو مقيم في لندن، عراب بطل الرواية سامي حمدان. وكذلك صديقه أكمل الأفغاني صديق سامي حمدان، “نريد النساء سبايا والرجال أمواتاً.” ص. 141

ـــ ما وراء سطور الرواية، أنّ السواد ليس سواد الراية، أو سوداوية الأفعال ومرارتها فحسب، وإنما ظلامية الأفكار ومحاربة العلم والمعرفة ومنابع التنوير. إشارات ذلك تدمير معالم وآثار الحضارات الإنسانية، حرق مكتبة التحرير في الموصل، إصرار التلميذة كاجين على إخفاء كتاب نهروا في أهلك الظروف عن عيون الدواعش، وقراءة نصوص منها في أشد المواقف.

ـــ تفضح الرواية سوداوية الدواعش في غزوتها لليزيديين في جبال سنجار، ليس من أجل طرح فكرها عليهم، أو دعوتهم للإسلام الحق من وجهة نظرهم، وإنما من أجل سبي الصبايا الجميلات.

“من ضمن تلك الأوامر كان أمر الهجوم على قضاء سنجار واحتلاله وسبي النساء لبيعهن مع أوامر بإعدام الأهالي من الرجال.” ص. 95

ـــ لخّصت الرواية قبح السودان ومرارته في مشاهد سبي الصبية كاجين وزميلاتها تلميذات مدرسة أستيرا للبنات في جبال سنجار، ومقتل كلبها، ووالديها. الفصل العاشر.

ـــ لم يتمكن سامي حمدان التخلص من طيف زميلته وحبه الأول “دوروثي” وكأن تلك الانكسار العاطفي، هو المحرك لسوداويته الفكرية، ورغم ادعائه أنه يكره البيض، تمنى يوماً لو كان والديه إنجليزيان عيونيهما خضر.

ـــ مقارنة بين البطل سامي حمدان، والبطلة كاجين، كليهما وحيد أبويه، ومحبي القراءة والاطلاع، نحيفيّ البنية، واسعا العينين، البطل عينيه سوداوين افتراضا، والبطلة ذات العيون الخضر، والمقارنة بين عامر محمود وجيهان، صديقي البطلين الذين ماتا انتحارا.

ـــ المرارة ليست في سواد الدواعش فقط، وإنما في ماضي البطل سامي حمدان في لندن.

ـ”قسوة الماضي في إنجلترا، الماضي المر.” ص. 315

ــــ “العالم عندي عينان خضراوان وزغب نامٍ، إن هذا ليعدل حياتي وليفوق كل مجدي … لو أنك تفهمين.

هذه عقدة معاون الخليفة، الجميع بين خضرة العنين، وسواد الزغب، هذا يفوقان منصب معاون خليفة المسلمين. “وليفوق كل مجدي”.

ـــ يزداد البطل تعقيداً نفسياً بسبب رفض النساء له، وهو يعتقد أن حده ذكائه، وتفوقه الدراسي، ومنصبه الرفيع، يكفيان للنيل منهم متى وكيف أراد.

“أرق يلازمني منذ الصبا بسبب عينين خضراوين وزغب حي” ص. 331

ــــ الخاتمة

الهزيمة المتوقعة

” يبدو مشوشاً ضعيفاً متألماً من تجدد هزيمة غورت من جرح روحه الذي لا يندمل:

عينان خضراوان صرعتاه يافعاً والآن تعودان فتفعلان به الشيء نفسه” ص. 433

ليس مثالثاً أن تقتل سبية رجلاً مهيباً وهي ضعيفة البنية، مصفدة اليدين، داخل زنزانة لم تقتل ً شيئاً من قبل في حياتها. مشهد ختامي ضعيف، وغير مقتنع.

ـــ رغم مباشرة العنوان للمضمون، نرى أنّ العنوان المناسب لمحتوى الرواية، هو (سواد الكراهية) سيما وقد تكرر ذكر الكراهية مراراً، سيما في الفصل الأخير. ص. 476، ومن أمثلة التركيز على الكراهية:

“إنهم يكرهوننا”، “ونحن نكرههم”، «مقالة نقد طموح لكنها تنضح بالكراهية وتفيض بالحقد !» ص. 61، ” كانوا يُطلقون عليه: صائد العيون الخضراء، كان يكره تلك العيون أشد الكره، ويمقتها أشد المقت.” ص. 69، “من لم يكره الكفار فهو كافر” ص. 168، “«حد السكين يجعلهم يشعرون بمدى كرهكم لهم، يا أولاد إن لم نكره الأعداء فلن نحب أنفسنا” ص. 232.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق