
أبواب المدائن
مدينة “المدائن” بالعراق
خديجة منصور
إن التفكير في جوهر كلمة “المدائن”، يعود بنا إلى حقب تاريخية ماضية تداولت فيها هذه الكلمة الفضفاضة بدءا من آي القران الكريم حتى في بطون علوم الفلاسفة العظام. تجد الكلمة طريقها في بعض الآيات القرآنية كقوله تعالى “فأرسل فرعون في المدائن حاشرين” سورة الشعراء الآية 53، في صيغة الجمع، أي جمع مدنية وكذلك سلكت هذه المفردة سبيلها إلى بعض القصائد الشعرية، مرورا بإسهامات لفلاسفة الإغريق الذين اهتموا بها فشكلت بذلك حيزا كبيرا من اهتماماتهم الفلسفية باعتبارها فضاء عمومي يضم عددا كبيرا من السكان، الجماعات والأسر، لتجتمع كلها في بوتقة المعنى: “اجتماع بشري”. نجد أفلاطون في أمّ مراجعه، الجمهورية أو “المدينة الفاضلة” يصف لنا حالة المدينة وأهلها وطريقة عيشهم، كما تطرق إليها غيره من الفلاسفة، لتدّل الكلمة على مكان محصن كما المدينة بمعناها السائد حاليا، مصر من أمصار الأرض تنتمي لحضارة معينة شاهدة على أحداث ووقائع في زمن ومكان ما.
ومن بين تلك المدن التي استوقفت اهتمامنا اليوم وجعلتنا نسافر معها وفيها في رحلة تاريخية استكشافية عبر الزمان، لننفض غبار الزمن عن حضارة إسلامية أبية تليدة وباقية في الذِّكر. إنها مدينة المدائن العراقية، فبعد الفتوحات الإسلامية التي أسفرت عنها معركة حربية جرت بين المسلمين والفرس، أقام العرب بلدة أطلقوا عليها اسم “المدائن”، وأصل الكلمة – أغلب الظن – آرامي، يدل على معنى مدينة إذ أنها تحوي سبع مدائن. وسميت سابقا “بالسلوقية الإغريقية” التي قام ببنائها أحد القادة نسبة “لاسكندر الأكبر”. تتواجد المدائن في الجنوب الشرقي من بغداد بالعراق والمسافة بينهما حوالي ٧٠ كلم. كانت من قبل عاصمة الفرس الساسانيين، حقبة الحكم الفارسي للعراق، وللمدائن اسم آخر: “سلمان باك”، نسبة للصحابي سلمان الفارسي الذي دفن بها كما دُفن من الصحابة آخرون، إذ نقلت رفاتهم إلى جواره تيمنا، كحذيفة بن اليمان وعبد الله بن جابر الأنصاري. تعيش هذه المدينة على الزراعة والسياحة الدينية، ذلك رغم الحروب التي عاشها العراق، وهي لا تزال معلما تاريخيا وأثريا يأتيه البشر من كل فج عميق. ففيها القصور القديمة وبها جامعها الأثري ومن معالمها التي انطبعت في ذاكرة الشعر العربي، إيوان كسرى، ومن منا لا يذكر قصيدة البحتري في الشأن؟ والإيوان الذي انبهر به العرب والعجم إذذاك تعكس تضاريسه الآنية بقايا قصور تهدمت وعفى عليها الزمن. يحرص العراقيين على زيارته “إيوان كسرى” مرددين أهازيج وفلكلور بغدادي تراثي “الما يزور السلمان عمره خسارة وندمان”، فهو قبلة للشيعة والسنة على حد سواء. تبقى المدائن منارة تاريخية ما بقيت حضارة العرب.
وصف إيوان كسرى … سينية البحتري
صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي … وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُلِّ جِبسِ
وَتَماسَكتُ حينَ زَعزَعَني الدَهـ … ـرُ التِماسًا مِنهُ لِتَعسي وَنَكسي
بُلَغٌ مِن صُبابَةِ العَيشِ عِندي … طَفَّفَتها الأَيّامُ تَطفيفَ بَخسِ
وَبَعيدٌ ما بَينَ وارِدِ رِفَهٍ … عَلَلٍ شُربُهُ وَوارِدِ خِمسِ
وَكَأَنَّ الزَمانَ أَصبَحَ مَحمو … لًا هَواهُ مَعَ الأَخَسِّ الأَخَسِّ
وَاشتِرائي العِراقَ خُطَّةُ غَبنٍ … بَعدَ بَيعي الشَآمَ بَيعَةَ وَكسِ
لا تَرُزني مُزاوِلًا لِاختِباري … بَعدَ هَذي البَلوى فَتُنكِرَ مَسّي
وَقَديمًا عَهِدَتني ذا هَناتٍ … آبِياتٍ عَلى الدَنِيّاتِ شُمسِ
وَلَقَد رابَني ابنُ عَمّي … بَعدَ لينٍ مِن جانِبَيهِ وَأُنسِ
وَإِذا ماجُفيتُ كُنتُ جَديرًا … أَن أَرى غَيرَ مُصبِحٍ حَيثُ أُمسي
حَضَرَت رَحلِيَ الهُمومُ فَوَجَّهـ … ـتُ إِلى أَبيَضَ المَدائِنِ عَنسي
أَتَسَلّى عَنِ الحُظوظِ وَآسى … لِمَحَلٍّ مِن آلِ ساسانَ دَرسِ
أَذكَرتِنيهُمُ الخُطوبُ التَوالي … وَلَقَد تُذكِرُ الخُطوبُ وَتُنسي
وَهُمُ خافِضونَ في ظِلِّ عالٍ … مُشرِفٍ يَحسِرُ العُيونَ وَيُخسي
مُغلَقٍ بابُهُ عَلى جَبَلِ القَبـ … ـقِ إِلى دارَتَي خِلاطَ وَمُكسِ
حِلَلٌ لَم تَكُ كَأَطلالِ سُعدى … في قِفارٍ مِنَ البَسابِسِ مُلسِ
وَمَساعٍ لَولا المُحاباةُ مِنّي … لَم تُطِقها مَسعاةُ عَنسٍ وَعَبسِ
نَقَلَ الدَهرُ عَهدَهُنَّ عَنِ الـ … ـجِدَّةِ حَتّى رَجَعنَ أَنضاءَ لُبسِ
فَكَأَنَّ الجِرمازَ مِن عَدَمِ الأُنـ … ـسِ وَإِخلالِهِ بَنِيَّةُ رَمسِ
لَو تَراهُ عَلِمتَ أَنَّ اللَيالي … جَعَلَت فيهِ مَأتَمًا بَعدَ عُرسِ
وَهوَ يُنبيكَ عَن عَجائِبِ قَومٍ … لا يُشابُ البَيانُ فيهِم بِلَبسِ
وَإِذا ما رَأَيتَ صورَةَ أَنطا … كِيَّةَ اِرتَعتَ بَينَ رومٍ وَفُرسِ
وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشَر … وانَ يُزجى الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفسِ
في اخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عَلى أَص … ـفَرَ يَختالُ في صَبيغَةِ وَرسِ
وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَدَيهِ … في خُفوتٍ مِنهُم وَإِغماضِ جَرسِ
مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمحٍ … وَمُليحٍ مِنَ السِنانِ بِتُرسِ
تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحيا … ءٍ لَهُم بَينَهُم إِشارَةُ خُرسِ
يَغتَلي فيهِم ارتِابي حَتّى … تَتَقَرّاهُمُ يَدايَ بِلَمسِ
قَد سَقاني وَلَم يُصَرِّد أَبو الغَو … ثِ عَلى العَسكَرَينِ شَربَةَ خُلسِ
مِن مُدامٍ تَظُنُّها وَهيَ نَجمٌ … ضَوَّأَ اللَيلَ أَو مُجاجَةُ شَمسِ
وَتَراها إِذا أَجَدَّت سُرورًا … وَارتِياحًا لِلشارِبِ المُتَحَسّي
أُفرِغَت في الزُجاجِ مِن كُلِّ قَلبٍ … فَهيَ مَحبوبَةٌ إِلى كُلِّ نَفسِ
وَتَوَهَّمتُ أَنَّ كِسرى أَبَرويـ … ـزَ مُعاطِيَّ وَالبَلَهبَذَ أُنسي
حُلُمٌ مُطبِقٌ عَلى الشَكِّ عَيني … أَم أَمانٍ غَيَّرنَ ظَنّي وَحَدسي
وَكَأَنَّ الإيوانَ مِن عَجَبِ الصَنـ … ـعَةِ جَوبٌ في جَنبِ أَرعَنَ جِلسِ
يُتَظَنّى مِنَ الكَآبَةِ إِذ يَبـ … ـدو لِعَينَي مُصَبِّحٍ أَو مُمَسّي
مُزعَجًا بِالفِراقِ عَن أُنسِ إِلفٍ … عَزَّ أَو مُرهَقًا بِتَطليقِ عِرسِ
عَكَسَت حَظُّهُ اللَيالي وَباتَ الـ … ـمُشتَري فيهِ وَهوَ كَوكَبُ نَحسِ
فَهوَ يُبدي تَجَلُّدًا وَعَلَيهِ … كَلكَلٌ مِن كَلاكِلِ الدَهرِ مُرسي
لَم يَعِبهُ أَن بُزَّ مِن بُسُطِ الديـ … ـباجِ وَاستَلَّ مِن سُتورِ المَقسِ
مُشمَخِّرٌ تَعلو لَهُ شُرُفاتٌ … رُفِعَت في رُؤوسِ رَضوى وَقُدسِ
لابِساتٌ مِنَ البَياضِ فَما تُبـ … ـصِرُ مِنها إِلّا غَلائِلَ بُرسِ
لَيسَ يُدرى أَصُنعُ إِنسٍ لِجِنٍّ … سَكَنوهُ أَم صُنعُ جِنٍّ لِإِنسِ
غَيرَ أَنّي أراه يَشهَدُ أَن لَم … يَكُ بانيهِ في المُلوكِ بِنِكسِ
فَكَأَنّي أَرى المَراتِبَ وَالقَو … مَ إِذا ما بَلَغتُ آخِرَ حِسّي
وَكَأَنَّ الوُفودَ ضاحينَ حَسرى … مِن وُقوفٍ خَلفَ الزِحامِ وَخِنسِ
وَكَأَنَّ القِيانَ وَسطَ المَقاصيـ … ـرِ يُرَجِّعنَ بَينَ حُوٍ وَلُعسِ
وَكَأَنَّ اللِقاءَ أَوَّلَ مِن أَمـ … ـسِ وَوَشكَ الفِراقِ أَوَّلَ أَمسِ
وَكَأَنَّ الَّذي يُريدُ اتِّباعًا … طامِعٌ في لُحوقِهِم صُبحَ خَمسِ
عُمِّرَت لِلسُرورِ دَهرًا فَصارَت … لِلتَعَزّي رِباعُهُم وَالتَأَسّي
فَلَها أَن أُعينَها بِدُموعٍ … موقَفاتٍ عَلى الصَبابَةِ حُبسِ
ذاكَ عِندي وَلَيسَت الدارُ داري … باِقتِرابٍ مِنها وَلا الجِنسُ جِنسي
غَيرَ نُعمى لِأَهلِها عِندَ أَهلي … غَرَسوا مِن زَكائِها خَيرَ غَرسِ
أَيَّدوا مُلكَنا وَشَدّوا قُواهُ … بِكُماةٍ تَحتَ السَنَّورِ حُمسِ
وَأَعانوا عَلى كَتائِبِ أَريا …. طَ بِطَعنٍ عَلى النُحورِ وَدَعسِ
وَأَراني مِن بَعدُ أَكلَفُ بِالأَشـ … ـرافِ طُرًّا مِن كُلِّ سِنخِ وَأُسِّ




