
د. الماحي سليمان
قارّة الموسيقى السودان
> كيف يمكن أن تعرف هويّة الموسيقى السودانيّة؟
< إذا أردنا أن نتحدّث عن الموسيقى السودانية فلابد لنا أن نرجع أولا إلى تاريخه العريق وثقافته المتعددة والتي يمكن أن نطلق عليها مصطلح “هجين”، أي بوتقة انصهرت فيها شتّى الثقافات والأعراف. فإذا نظرنا من زاوية الهويّة مثلا فنحن نجد أن الحراك الفنيّ يتفاعل بضرورة الحال مع حاجة لمؤثرات عديدة، منها البيئة والأعراف والتقاليد التي يستمد منها كل فنّان وحيه وخياله. بالإضافة إلى ذلك فنحن نجد أسباب سيكولوجيّة واجتماعيّة هامة في صقل موهبة الفنان في المحيط الذي نشأ فيه. فهويّة بلاد النيل بالتحديد السودان تتميز بامتزاج العنصر الأفريقيّ والعربيّ على حد سواء، ذلك في كل مجالات الفنون التشكيلية والموسيقى.
> كيف استوعبت الموسيقى السودانية هذه المؤثرات العديدة؟
< اجادت الموسيقى السودانية الجمع بين بساطة الجمل الموسيقية وقوة التأثير بنفاذها إلى القلوب نتيجة لعملية التلاقح الفكري والتمازج الحضاري بين الشعوب المختلفة التي تعيش بحضنه، فكان نتاج انصهار كل ذلك بين الحضارات خلق لون وصفات جديدة تحمل من جهة سمات العروبة والاسلام دون الانسلاخ عن الاصل الافريقي.
> كيف نشأ السّلم الخماسي ولا نجد المقامات العربيّة المعروفة؟
< نشأت بطبيعة الموضع الجغرافيّ للسودان الموسيقى خماسية بسلالمها وألحانها البديعة المتميزة وهو خراج أفريقي عام يمتد في حزام السودان من أريتريا، تنزانيا، مالي، السنغال، موريتانيا، جنوب المغرب العربيّ سيما عند قبائل الطوارق وحتى في جنوب اليمن وهذا ما جعل كل دول الحزام السوداني (المسمّى بالسودان الفرنسي جنوبيّ الصحراء) تنظر للموسيقى السودانية باعتبارها موسيقى متفرّدة، يحسونها كما نحسها نحن لأنها تعبر عن طموحهم وآمالهم والمزاجية الافريقية المشتركة.

> هل يوجد سلّم خماسي مشابه لسلم السودان الفرنسي أو سلمنا المعروف؟
< نجد النغمات الخماسية بسلالمها المتعددة، مع اختلافات هنا وهناك في كل من الصين، اليابان، الهند، التبيت، بورما وحتى في دولة إيران التي نشأت بها أغلب الظن المقامات الشرقية والتي تحمل مسميات فارسية مثل الجهار كا والنهوند والسيقا والبيات والزنجران الخ. بيد أننا كما ذكرت سلفا نجد بعض التباين في السلالم الخماسية التي تحمل طابع كل منطقة أو بلد، فنجد في موسيقاها مثل ألوان تميل نغماتها وتقنياتها الى خصائص الموسيقى الشرقيّة: مثل اللين والتطريب أما الأسلوب الآسيوي الخماسي حسه حسابي. إذن فلكل منها طابع خاص هذا تماما ما يحدث في السودان فقد امتزجت الأفريقية بالموسيقى العربية وتعايشتا وهذا هو نتاج امتزاج الحضارتين.
> ما هي مزايا السّلم الخماسيّ؟
< من مزايا السلم الخماسي عدم تقيده بقواعد التأليف الاوروبي أو العربي متجاوزا القواعد بحريّة مطلقة فأنماط الغناء والموسيقى ارتبطت ها هنا بالعادات، التقاليد، الطقوس، المناسبات، أعياد الحصاد وما يعرف بالسبر عند بعض القبائل الأفريقية وهو عباره عن الاعتقاد بالفتائل والشتائم الناتجة عن الاعتقاد بالأساطير الخاصة بكل قبيله.

> ما هي أبرز الأنماط الموجودة في كل أنحاء السودان حتى جنوبه قبل الانفصال؟
من أبرز الأنماط (العرضة) ونجدها عند الجعلين في منطقة الشمال، وإيقاع الدليب عند الشايقية أيضا بالشمال، وغناء (الطمبور) وهو آلة وترية ذات خمسة أوتار تصنع من السلك أو العصب، إيقاع (الدفوف) أو (الطار) لمنطقة حلفا بالشمال أيضا. الطرق الصوفية والانشاد الديني والمدائح النبوية مستخدمين الدفوف والطبول والآلات النحاسية، أما شرق السودان يشتهر بإيقاع (الباسنكوب). ونجد أيضا إيقاع (التم تم) فهو يعتمد بشكل اساسي على آلة (الدلوكة) وهي مصنوعه من الفخار وجلد الماعز تشبه الطبلة يضرب عليها بالأيادي وهي آلة خاصة بالنساء دون الرجال. نجد أيضا إيقاع (البالمبو) في منطقة النوبة، ايقاع (المردوم) وهو شبيه إلى حدما ايقاع الفالس وتشتهر به منطقة كردفان ودارفور كما تشتهر أيضا بإيقاعات (السنجك) و(الجابودي) و(الهسيس) و (الفرنقبية) وهي موجودة عموما بهذه المناطق بغرب السودان، نجد أيضا آلة (ام كيكي) ذات الوتر الواحد، ومن ثمّة نجد في منطقة النيل الازرق المتميزة بإيقاع (الوازا) والذي تصاحبه له آلة نفخ مصنوعة من الخشب، يعزف عليها الرجال وتشاركهم النساء بالرقص على هذا الإيقاع، ثم نجد جنوبا قبيلة الزاندي والتي تملك آلة (الرنقو) المصنوعة من الخشب وهي آلة وتريه ذات ذراع يشبه القوس في الانحناء شبيهه بآلة (الهارب) الأوروبية، وآلة (الرنقو) عبارة عن أخشاب تشبه في وضعها آلة (أكسيلوفون)، اسفلها نبات قرع مجوف تشتهر به مناطق الجنوب والغرب يضرب عليه بعصايتين.
> هل السودان بوتقة لموسيقى أفريقيا والوطن العربيّ؟
< تلخيصا لكل ما ذكرت يعني أن السودان يتمتع بكم هائل من الأنماط الغنائية والايقاعات المختلفة التي تميز كل منطقة عن غيرها. من جهة أخرى وبحكم الاتصال بين مصر والسودان دخلت آلة العود التي صارت شيخ الآلات في الغناء السوداني كما في كافة الدول العربية. على العموم يوجد 55 آلة موسيقية شعبية بالسودان، مما يعني أنه يمكن القيام بعمل اوركسترا موسيقية معتمدة فقط على الآلات الشعبية.
> ما هو فن الحقيبة الذي يشتهر به الغناء الشعبيّ؟
< هذا لون متميز أثرى الحياة الفنيّة بالسودان وظهر في عام 1926. أطلق على هذا اللون من الغناء كلمة حقيبة في فترة لاحقة كان مصدرها في الغالب كلمة حقبة من الزمن. تتسم أغاني الحقيبة بخماسيتها وهي أثرت دون أدنى شك الأغنية في العصر الحديث وإلى الآن يتغنى بها كل المطربين رغم أنها نشأت في سياق الغناء الشعبيّ ونجد المطربين قد اهتموا في هذه الفترة بالكمات أكثر من الألحان وظهرت نجوم عديدة يمكن أن نذكر منها: ود الرضي، أبو صلاح، البنا، وغيرهم.




