ثقافة وفن

قصة أغنية

سرّ آخر أغنية للموسيقار عبد الوهاب

بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

بعد اعتزال العملاق الموسيقار محمد عبد الوهاب للفن بعقدين من الزمان وكان إذذاك في عمر يناهز الثمانية عقود، قرر أن يعيد النظر في إخراج لحن ملك عليه لبّه: “من غير ليه”. كان عبد الوهاب قد لحنّها في الأصل للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ولكن لسوء الحظ لم تسعف الأقدار هذا الأخير أن يغنيها، إذ وافته المنيّة قبل أن يسجلها في إذاعة صوت مصر وعلى أسطوانات الزمن وكان قد قرر من قبل أن يخرجها في ثوب العروس للجمهور العربيّ في حفلات الربيع؛ وبدأ بالفعل قبل وفاته في ترديدها وحفظها والتمرس عليها، لكن أيادي القدر خطفته في لمح البصر وكانت دون أدنى شك الأسرع. فلم يبطر عزيمة الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يعيد النظر في بثها بعد خمس وعشرين سنة من انسحابه عن أضواء وأوساط الفن. لكنه أثبت للملأ عندما تغنى بها هو بنفسه، أن الموهبة هبة الخالق وأن البارئ المقتدر قد حباه إيّاها دون غيره، فما أن شرع في غنائها حتى ذاع صيتها في كل أنحاء الوطن العربي وصار يترنم بنغمها الصغير والكبير الغني والفقير وجمعتهم جلّهم سواسية كأسنان المشط في برخ السلطنة وعلى عِذبة (غصن) النغم. ولا زلنا نذكر تلك اللحظة التي أثرى فيها لحن الأغنية أرواحنا وعطر نغمها سكينتا وأن أصداءها ضربت بقلوبنا أوتارا حساسة فستظل، من غير ليه، ومن غير لِمَ، خالدة وأنَّا لنا أن ننساها!؟

من المدهش أن الوسط الفني كان على علم تام بتداعيات هذه الأغنية النادرة حبيسة الأدراج وأن محمد عبد الوهاب قد وهبها لعبد الحليم قبل وفاته ولم ترَ النور؛ ومن بعد لم يقض في أمرها ولم ينبس! فما أن علم الناس بأمرها حتى تهافتت الأصوات الفنية للاقتناء بها في صراع ضروس لم تعرفه الأوساط الفنيّة من قبل. لكن عبد الوهاب رفض رفضا باتا أن يهبها لأي منهم أو منهُنَّ، لأنه كان يؤمن إيمانا قاطعا أنها خلقت مفصلّة لحنجرة العندليب الأسمر، فضلا عن أنه لم يجد بين الأصوات التي اُقترحت له أو قدّمت نفسها، حسَّا جديرا يرتقي إلى ثريا العندليب الأسمر، فقُضِيَ الأمرُ الذي كانوا فيه يستفتون. لذلك غَدَت الأغنية السنون الطوال حبيسة سجن أدراج المكاتب وبقيت هكذا، كالجان في زجاجته، محبوسة إلى أن شرع يوما ما في إعادة النظر في تقديميها للجمهور وكان ذلك في عام ١٩٨٩؛ عام أسود في حيوات وادي النيل حيث بدأت حقبة حكم الإنقاذ بالسودان والتي استمرت زهاء الثلاثة قرون.

“من غير ليه” ومن غير لِمَ، هذا عمل خلاق اجتمع فيه ثالوث شرقيّ خطير: عبد الوهاب، عبد الحليم والشاعر مرسي جميل عزيز. وقد كان الموسيقار والمطرب حريصين كل الحرص على استقامة النصّ، انسياب الأبيات وتناغم اللحن وإيَّاها، فطلبا في غير مرّة من الشاعر الجميل جميل العديد من الإضافات، التعديلات أو الحذف، وما كان من هذا الشاعر الجميل إلا أن نزل آمنا لا مجبرا، كعادته وبتواضع المبدعين، عن رغبة القامتين عبد الوهاب وعبد الحليم، ذلك في كل الاقتراحات المتعلقة بالتعديل النصيّ المقترح الذي قدمانه له. ومن الطُرف التي تذكر في سياق هذه الأغنية أن عبد الوهاب كانت له رؤية خاصة في الكلمات فما فتئ يضغط على الشاعر كل مرّة أن يغير هذا البيت أو يحذف ذاك وكذلك عبد الحليم كان حريصا بنفس القدر على انسياب النص وتوحّده مع النغم، حتى بلغ بالشاعر السيل الزبى على إثر الضغوطات المتتالية من طرفيّ الموسيقار والمطرب، فطفح به الكيل وبلغ به الغيظ مبلغه. وقيل إنه ذات يوم غضب أيما غضب فانفجرت أحاسيسه البضّة كبركان ثائر في وجه الرجلين وحدث ذلك بمكان ورشة العمل وأثناء البروفات وما كان منه إلا أن شتمهما شرّ شتيمة وخرج من المكان أدراجه دون أن يكترث وتركهما في وحدة ووحشة إلا من نصّ غير مكتمل، مندهشين ومتجهمين لما حدث!

تتبّدى موهبة الموسيقار عبد الوهاب واحترافيته في تلحين هذه الأغنية من عدّة جوانب، لا سيما وأنها قد خُلقِت في الحقبة الأخيرة من حراكه الموسيقيّ، في أنه استطاع أن يجمع بعبقريته الفذّة بوتقة من التقنيات الغربية الكلاسيكية التي نجدها في الموسيقى السمفونية وإدخال عدد من آلات الموسيقى العالميّة، فنجد في اللحن الحسّ السيمفوني بيّنا لا سيما في التوزيع فضلا عن تداخلات الآلات الغربية، التي لم تكن متداولة في صحن الموسيقى الشرقية إلى ذاك الوقت وأنه طوعها لكي تتناغم وقوالب المقامات العربية الشرقيّة. ويقول النقاد إنّه قد كان موفقا في توظيفها وتطويعها حتى تستسيغها الروح والأذن العربية على حد سواء.

من غير ليه – لحن كلاسيكيّ شرقيّ خالد يبقى في أنفسنا ما بقي النغم غذاء للأرواح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق