ثقافة وفن

من ذاكرة الإبداع

د. نفيسة الشرقاوي

 رسالة أخيرة

أكتب إليك على ضوء الشمع الخافت لأقول لك طالت وقفتي مع النفس .. وتعددت مواقفك تجاهي في القطيعة ثم العودة .. ثم القطيعة ثم العودة .. تهددني .. تتوعدني .. وتفرض على قيوداً أو مفاهيم ترفضها نفسي .. أحس بذاتي المستقلة لأنني لا أعيش في مملكة الجواري ولا عصر هارون الرشيد، أرفض الرضوخ لعالمك.

كلما حاولت أن تستفيد بما تعلمته في أوربا، أتمرد عليك وأرفضه، تقيم الدنيا ولا تقعدها إلا بعد إن تتم المقاطعة، ثم تعود إلى نادماً مستغفراً، ماذا دهاك يا هذا؟ أتظن أنني مملوكة لديك.. جارية تجثو على ركبتيها لتشعل البخور إليك.

أردت أن تقودني للضياع .. والضياع يقودني لطرح المعادلة الصعبة بينك وبين نفسي .. وبدأ قلبي يحصر نفسه بين الخيارات.. أن أهبك نفسي كما تريد أو أتقوقع لمثالياتي .. فرفض قلبي وقلت لقلبي هل أخذت رأيه فيك يحبك أم يكرهك؟ وسخر قلبي مني .. هذا يؤكد أن الحب والكراهية لا يؤخذ فيهما رأي . كلما حاولت أن أغضب ثم أهرب منك إلى الأبد، تعود وتفرش الأرض بالورود والرياحين وتفتح صفحة التوبة من جديد، فأصفح عنك، لك القدرة الهائلة لكي تمتص غضبي لكي اعود أدراجي تلك الطفلة البريئة التي تلهو على الشاطئ، تبني قصوراً من الرمال وسرعان ما تنهار بين يديها، من أي تركيبة أنت يا هذا؟!

سألتك ذات مرة لماذا خنتني مع الأخرى، أحسست بك تتوارى خجلا داخل نفسك .. لم ترد فأردفت سؤالي بأن قلت لك أظنك حتى الآن لا تعرف الفرق بين الكراهية والاحتقار. الكراهية شعور متصل يعذب صاحبه، أما الاحتقار، فقرار نهائي عميق يريح صاحبه عندما يتخذ موقفاً فاصلاً تجاه الطرف الآخر. لحظتها تغير لون وجهك وقلت ماذا تقصدين؟ فقلت إنك مثل كل الرجال .. مغرور .. في داخلك يقين أن المرأة خلقت ليستعبدها الرجل ومكانها دائماً ظله .. قال ماذا تقصدين؟ قلت: اخترت ذاتي ولن أتخلى عن قيمي .. أبحث عن غيري لتتوسدها متكأ لنومك ولحافاً لأقدامك .. أما أنا فأنني حرة في اختياري .

وقـــــفـــــــة:

نسيج الحياة

العلاقة بين المرأة والرجل كالنهر، قد يعترضه ما يكدر صفوه من حشائش أو أعشاب، وقد يعرضه ما يجعل المياه تلتف حوله كالصخور والجنادل، وهذا كله لا ينفي أن النهر سيمضي في اتجاهه المرسوم، وهو يشق المجرى من منبعه إلى مصبه.

ليس هناك نهر يجد مجرى ممهداً أمامه، وليس هناك علاقة زوجية تمضي بيسر بدون متاعب، والمشاكل جزء من نسيج الحياة، إذن فهو يتأثر بكل ما تتأثر به الحياة.

إن عدم تفاهم الزوجين فهو يمكن أن يحل، فإذا استعصى الحل واستحالة العشرة، فإن الطلاق – رغم بغضه – يمكن أن يحل المشكلة، تبدو المشكلة أكثر تعقيداً في وجود الأطفال، ذلك لأن الأطفال يدفعون من حياتهم ثمن المشاكل الزوجية التي يعيش فيها الآباء، ومن المهم كثيراً أن نحافظ على الأطفال .. حتى لو كلفنا هذا جزءاً من هدوئنا واستقرارنا وسعادتنا. هناك قضية تبدو قليلة الأهمية، ولكن أهميتها القصوى تبدو على المدى الطويل، يحدث أحياناً أن ينفصل الأب والأم بعد إنجاب الأطفال، ويتم الاتفاق على أن يعيش الأطفال مع الأب والأم، وتمضي الحياة ويحاول كل واحد من الوالدين أن يشوه صورة الآخر في عيون الأولاد.

ويحدث الأب أبنائهم عن أمهم التي هجرتهم أو كرهتهم أو لم تعبأ بهم. أو تزوجت بآخر ونسيتهم، ويمضي كل واحد من الزوجين في تسميم فكرة الأطفال عن الآخر. ويتمزق الأطفال بين حبهم للأب والأم. ويبدؤون في هذا التمزق الداخلي، وبالتالي لا يعرفون من يصدقون ومن يكذبون ..

فليتق الأزواج الله في أولادهم رحمة بنفوسهم البريئة الصغيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق