سياسة

حقوق قتلى الحروب في الاتفاقات الدولية

بدر الدين العتَّاق

تمهيد Introduction
إنَّ الإسلام لا شك قد بسط الحريات وكفلها للإنسانية جميعها وأعلى من قيمة الفرد البشري قاطبة وجعله في قمة هرم الخلق من الوجود فهو سر عين الله ورعايته له؛ وكذلك بلا شك قد أعلى من شأن الحياة ورفع قيمتها وأمر الناس بأن يعمروا الأرض وأن يبسطوا السلام بينهم في ظل التعايش السلمي الإنساني العالمي وهم جديرون بذلك بلا شك.
رغم تلك القاعدة النورانية الجوهرية في حركة الحياة إلا أنَّ الخالق وضع مجابهةً له خَلْق الموت والقتل وهو كره لهم ليوازن بينهما في حسن الصنيع ويجعل ديدن البشر تخطي القتل بينهم إلى بسط روح المسالمة فيهم ووضع دستوراً سماوياً لا يتخطاه أهل الأرض بالغ ما بلغ شأوهم وبالغ ما بلغ شأنهم وأخذ العهد عليهم ليسيروا وفق المنهاج السماوي تنزلاً في حياتهم وأقروا على ذلك العهد بالتسليم ولكنهم بحكم الجِبِلَّة والتنازع ما بين كراهة الموت ورغائب الحياة مالوا بقصد أو بدون قصد إلى حالة الموت والقتال بينهم؛ فنشأت العداوات والبغضاء والكراهية وصناعة السلاح بكل مسمياتها ومستوياتها بينهم فقلبوا القاعدة النورانية تلك وأحالت خصيبهم إلى جديب وأمنهم إلى خوف وشبعهم إلى جوع وآمالهم إلى بؤس واستحالت الحياة إلى جحيم يومي في كل أصقاع هذا الكوكب وروَّت الدماء اليابسة وأهلكت الحرث والنسل ولا يحتاج إلى دليل إذ نعيشه في تفاصيل حياتنا اليومية؛ والمطلوب أن نعمل على إرجاع طبيعة الأشياء لوضعها الصحيح بإعادة تطبيق الدستور السماوي المتمثل في ما يعرف بالشريعة الإسلامية الإنسانية العالمية كعهدها الأول في شعاب مكة في القرن السابع الميلادي ومن قبل أن تستقر بين تلك الشعاب النبوية الموسوية والعيسوية ثم كمال الدائرة النورانية وخاتمتها بالمحمدية بين دفتي المصحف الشريف إلى أبد الدهر بلا شك.
من دلالات هذه الكرامة الإنسانية العالمية في عنصري الحرية والكرامة بما تحققه قيمة البشر في أصلهم هي موضوع هذه الكلمة « حقوق قتلى الحروب في الاتفاقات الدولية The rights of war dead in international agreements « التي تضاهي بل تتفوق على جميع المسميات والمستويات من القانون الدولي وحقوق الإنسان العالمية التي هي راسخة كالجبال الصم بين طيات المصحف الشريف عموماً وفي تحديد موضوعية هذه الكلمة « قتلى الحروب في الاتفاقات الدولية « لقياس ما خطته القوانين الوضعية وبين ما أكدته الأعراف السماوية بينهم وجعلته القانون الدستوري الأميز والأوحد ومنه كانت قوانينهم المستمداه منه فيما يعرف اليوم بحقوق الإنسان ذات آلية المنظمات الدولية الحقوقية والقانون الدولي الداعم لها.

نص الموضوع Topic text :
نحن أمام خطين متوازيين من حقوق الإنسان في الحروب العسكرية وما شابهها هما:
الخط الأول : حقوق قتلى الحروب في الاتفاقات الدولية.
ودعني أجاوب مباشرةً على هذا الخط من نصوص القرآن الكريم بسورة النساء : { وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهْوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا }؛ وقبل أن أشرع في التعريف بهذا النص يجدر تثبيت أمور مهمة جداً كالآتي :
١ / معرفة السواد الأعظم من البشرية والمسلمين بالذات الرأي الفقهي في ذلك فلا حاجة لي بالتطرق له ومناقشته إلَّا من باب التذكير فقط .
٢ / الرأي العام العرفي البشري في حقوق الإنسان لمثل تلك الحالات والتي تمثل نسبة تسعة وتسعين بالمائة من التوافق عليها بما جاء في النص السابق.
٣ / الرأي القانوني للسيادات الوطنية منفردة .
٤ / الرأي العام للقانون الدولي المتفق عليه حسب الاتفاقات الدولية كميثاق روما والأمم المتحدة واتفاقية جنيف 1949 والتي صادقت عليه الدول الأعضاء وامتنعت عنها أخريات.
٥ / القوانين المختصة مثل القوانين العسكرية والاتفاقات الموقعة بينه تلك المؤسسات الرسمية داخل الدولة الواحدة أو بالشراكة مع بقية دول العالم؛ وهذا بيت القصيد ومربط الفرس بالنسبة لنص الموضوع أعلاه.
الخط الثاني : حقوق قتلى الأُسارى فيما يكون بين المتقاتَلين من جميع الفئات وبالتحديد في الحروب العسكرية؛ وهي على النحو التالي :
١ / نصَّت الآية السابقة على قاعدة جوهرية في كيفية التعامل مع الأسرى على الوجوه الآتية :
أ / حالة القتل العمد.
ب / حالة القتل شبه العمد « لم تذكرها صراحة ولكن تستشف منه» .
ج / حالة القتل الخطأ.
٢ / تتحدث الآية السابقة بخصوصية جداً في إطار معين حول قتل أسير الحرب ومنها فهمت العامة فيما جاء من التنبيه بالمقدمة آنفاً بالقياس على مثلها من الحالات في القوانين الوضعية للسيادات الوطنية منفردة / الرأي الفقهي مثلاً / وفي القانون الدولي – اتفاقية جنيف لأسرى الحروب 1949 – بلا تفريق حيث صادقت الدول الأعضاء عليها.
٣ / أرست الآية الكريمة مبدأ قيمة الفرد البشري من حيث هو إنسان على نحو عدم تقييد وتكبيل وإغلال الأسير حالة تم أسره بصورة من الصور ووقع تحت قبضة أحد الطرفين المتقاتَلين ؛ قال تعالى لنبيه الكريم الذي يُمَثِّلُ قمة الهرم البشري في الكمالات الحقوقية العدلية والمطبقة والمجسَّدة المتنزلة في شخصه لحياة الناس : { وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } سورة آل عمران.
٤ / قتل الأسير أو عدم فكه وتحريره من عبودية الأسر عند الطرف المسيطر القابض عليه في حالتي الاتفاق بين الطرفين المتقاتلين أو عدمه ليمثل جريمة قتل النفس من الدرجة الأولى وانتهاك لحقوق الإنسان في كل الأعراف الكتابية والمواثيق الدولية وانتهاك لحرمة سفك الدماء التي حرَّمها الله تعالى في كل الكتب والأديان السماوية والشرائع الإسلامية الإنسانية العالمية إلَّا بالحق ؛ قال تعالى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض؛ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم } سورة الأنفال.
٥ / قتلى الحروب في الاتفاقات الدولية لا حقوق لهم ولا لأوليائهم ولا معاوضة فيهم مادياً ولا معنوياً أو الاثنين معاً لأنهم مقاتلين بعقيدة القتال حين دخلوا الحرب بفهم القتل والتخلص من الخصم أو العدو إذ هما في أعين بعضهما أعداء يحملون ذات العقيدة القتالية بغض النظر عن ماهية اتجاهها العقدي في نفس كل فرقة؛ وعن ذلك تخبرنا الآية الكريمة : { وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطئا } سورة النساء؛ فجعل الإيمان هو العقيدة القتالية Combat doctrine لكل فرد محارب من كل طرف مقاتل وفي ذات الوقت لم يبن الشارع حقوق القتلى سواء في الحرب أثناء المعركة أو بعدها وبالتالي هي ساقطة لاتفاق العقيدة القتالية من حيث هي قتالية لغاية وهدف يؤمن بها المقاتل الخارج للحرب في أي مكان في العالم ما عدا حقوق قتل الأسرى فهي مثبتة إلى آخر الدهر ولا تبديل لها مطلقاً .
حقوق قتلى الحروب في الاتفاقات الدولية
قلت آنفاً : ( نصَّت الآية السابقة قاعدة جوهرية في كيفية التعامل مع الأسرى على الوجوه الآتية :
أ / حالة القتل العمد.
ب / حالة القتل شبه العمد.
ج / حالة القتل الخطأ.)
لنرى معاً ما هي هذه الحقوق ٠ إذا تم أسره من الجانب التشريعي المحكم والجانب القانوني المبرم والجانب الاجتماعي المطور .
١ / حالة القتل العمد؛ من الجانب التشريعي المحكم :
– جهنم خالداً فيها.
– غضب الله عليه.
– ولعنه.
– وأعَدَّ له عذاباً أليماً .
لقوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعَدَّ له عذاباً أليماً } سورة النساء.
٢ / من الجانب القانوني المبرم :
– القصاص؛ وهو إزهاق روح القاتل كما أزهق روح المقتول .
– الديَّة؛ وهي المعاوضة وتتمثل عيناً أو نقداً أو هما معاً .
– العفو؛ وهو إسقاط حق أولياء الدم في القصاص مقابل الروح المزهقة والدية المعاوضة .
– يحسم هذا الأمر القضاء وفق القانون المختص والدوائر العدلية ذات الصلة في الدولة المعينة .
٣ / الجانب الإجتماعي المطور
– قانون العرف الإجتماعي للجهات ذات العلاقة الواحدة كأن تكون قبيلة أو جماعة أيَّاً كانت.
– القانون المحلي الوضعي الجنائي؛ وهو المطور من العرف المجتمعي .
– القانون المدني لحقوق الإنسان وما تكفله العدالة وإرساء دعائم القانون الدولي بلا تفريق بين الناس.
– يفصل في هذه الحالة أيضاً الدوائر العدلية ذات الطبيعة القانونية المتشابهة في البلد المعين .

٤ / القتل شبه العمد
– لم تذكر الآية السابقة عقوبة القتل شبه العمد لكن أقرته القوانين الضرورية الحديثة للدولة وطبيعة القضاء المستقل فيها وهذا ما يعرف بالقياس عند جمهور الفقهاء ، كالآتي :
الدية على المذاهب الأربعة Blood money according to the four schools of thought
التّعريف
1 – الدّيات جمع ديةٍ ، وهي في اللّغة مصدر ودى القاتل القتيل يديه ديةً إذا أعطى وليّه المال الّذي هو بدل النّفس ، وأصلها ودية ، فهي محذوفة الفاء كعدةٍ من الوعد وزنةٍ من الوزن.
وكذلك هبة من الوهب.
والهاء في الأصل بدل من فاء الكلمة الّتي هي الواو ، ثمّ سمّي ذلك المال « ديةً » تسميةً بالمصدر.
وفي الاصطلاح عرّفها بعض الحنفيّة بأنّها اسم للمال الّذي هو بدل النّفس.
ومثله ما ذكر في كتب المالكيّة حيث قالوا في تعريفها : هي مال يجب بقتل آدميٍّ حرٍّ عوضاً عن دمه.
لكن قال في تكملة الفتح : الأظهر في تفسير الدّية ما ذكره صاحب الغاية آخراً من أنّ الدّية اسم لضمانٍ « مقدّرٍ » يجب بمقابلة الآدميّ أو طرفٍ منه ، سمّي بذلك لأنّها تؤدّى عادةً وقلّما يجري فيها العفو لعظم حرمة الآدميّ .
وهذا ما يؤيّده العدويّ من فقهاء المالكيّة حيث قال بعد تعريف الدّية : إنّ ما وجب في قطع اليد مثلًا يقال له دية حقيقةً ، إذ قد وقع التّعبير به في كلامهم.
أمّا الشّافعيّة والحنابلة فعمّموا تعريف الدّية ليشمل ما يجب في الجناية على النّفس وعلى ما دون النّفس.
قال الشّافعيّة : هي المال الواجب بالجناية على الحرّ في نفسٍ أو فيما دونها.
وقال الحنابلة : إنّها المال المؤدّى إلى مجنيٍّ عليه ، أو وليّه ، أو وارثه بسبب جنايةٍ.
وتسمّى الدّية عقلاً أيضاً ، وذلك لوجهين : أحدهما أنّها تعقل الدّماء أن تراق ، والثّاني أنّ الدّية كانت إذا وجبت وأخذت من الإبل تجمع فتعقل ، ثمّ تساق إلى وليّ الدّم.

الألفاظ ذات الصّلة
«أ – القصاص»
2 – القصاص من القصّ ، وهو في اللّغة بمعنى القطع ، والقصاص في الشّرع هو القود ، وهو أن يفعل بالجاني مثل ما فعل.
فإذا قتل قتل مثله ، وإذا جرح جرح مثله.
«ب – الغرّة»
3 – الغرّة من كلّ شيءٍ أوّله ، والغرّة : العبد أو الأمة ، ومن معانيها في الشّرع : ضمان يجب في الجناية على الجنين ، وتبلغ قيمتها نصف عشر الدّية ، وهي خمس من الإبل أو خمسمائة درهمٍ على تفصيلٍ يذكر في مصطلح : « غرّة » ، سمّيت غرّةً لأنّها أوّل مقادير الدّية ، وأقلّ ما قدّره الشّرع في الجنايات.
«ج – الأرش»
4 – الأرش يطلق غالباً على المال الواجب في الجناية على ما دون النّفس ، فهو أخصّ من الدّية بهذا المعنى ، لأنّها تشمل المال المؤدّى مقابل النّفس وما دون النّفس.
وقد يطلق الأرش على بدل النّفس أيضاً ، فيكون بمعنى الدّية.
«د – حكومة عدلٍ»
5 – من معاني حكومة العدل ردّ الظّالم عن الظّلم.
وتطلق عند الفقهاء على الواجب يقدّره عدل في جنايةٍ ليس فيها مقدار معيّن من المال.
فهي تختلف عن الأرش والدّية في أنّها غير مقدّرةٍ في الشّرع ، وتجب وتقدّر بحكم العدل.
«هـ – الضّمان»
6 – الضّمان لغةً : الالتزام ، وشرعاً : يطلق على معنيين
أ – المعنى الخاصّ : وهو دفع مثل الشّيء في المثليّات ، وقيمة الشّيء في القيميّات.
فهو بهذا المعنى يطلق غالباً على ما يدفع مقابل إتلاف الأموال ، بخلاف الدّية الّتي تدفع مقابل التّعدّي على الأنفس.
ب – المعنى العامّ الشّامل للكفالة : وعرّفها جمهور الفقهاء بأنّه التزام دينٍ أو إحضار عينٍ أو بدنٍ.
ويقال للعقد المحصّل لذلك أيضاً ، أو هو شغل ذمّةٍ أخرى بالحقّ.

٥ / حالة القتل الخطأ
– تحرير رقبة مؤمنة ؛ وهو فك أسير بالمقابل من الطرف المقاتل الثاني عِوضاً وكفَّارة شخصية للفعل سواء كان شخصاً أو جهة اعتبارية .
– ومعها دية مسلمة إلى أهله؛ وهي المقابل للروح المزهقة بجانب تحرير الرقبة؛ والتي تعرف بالقيمة التعاوضية للمقتول عيناً أو نقداً أو هما معاً .
– إلا أن يصدقوا؛ وهو العفو؛ بإسقاط عقوبتي تحرير الرقبة والدية المسلَّمة إلى أهله.
– يقوم بتنفيذ هذه العقوبات التكفيرية عن ذنب ازهاق الروح / حين لم يكن له سلاح وسقط في يد أحد الطرفين وهو مُسَلِّم أو مستسلم له معدوم الحيلة أي الأسير / الجهات المختصة أو أولياء الدم ما عدا الصيام فهو حالة شخصية استثنائية للقاتل المخطئ .
شروط الكفَّارة والعقوبة Conditions of atonement and punishment
– في حالة أن لا تكون هناك اتفاقات مسبقة بين الطرفين العدوين المتقاتلين فيجب عليه تحرير رقبة فقط وهو فك أسير من الطرف الثاني المحارب .
– في حالة أن تكون هناك اتفاقات مسبقة بين الطرفين العدوين المتقاتلين ( ميثاق أيَّاً كان شكله ) فيجب عليه الآتي :
١ / دية مسلمة إلى أهله .
٢ / بجانبها تحرير رقبة مؤمنة.
٣ / في حالة عدم وجود الدية والرقبة المأسورة فيجب عليه صيام شهرين متتابعين توبة من الله .
٤ / في حالة عدم وجود مقدرة على الصيام « وكان الله عليما حكيماً «؛ بمعنى إمَّا عفا الله عما سلف وإمَّا يجد طريقة أخرى للتكفير عن الذنب.
تنطبق على هذه الشروط والأحكام ما جاء أعلاه بالطريقة الموضحة حسب العرف والقانون المحلييين السائدين.
التفاوض السياسي في الحروب العسكرية Political negotiation in military wars
يستخدم السياسيون الأسرى في الحروب العسكرية ورقة ضغط سياسي للوصول إلى أفضل النتائج التي تحقق مطالب الطرف المنتصر بجانب النازحين واللاجئين والمُهّجَّرِين قسرياً مع التعويض المناسب لجبر الضرر فمنهم من يقبل ومنهم من يصر على موقفه لحين ظهور مستجدات على أرض المعركة.
أبعد من ذلك؛ يستخدم السياسيون / وهنا جوهر فكرة هذه الكلمة الطويلة / قتلى الحروب في الاتفاقات الدولية ورقة ضغط سياسي كبير للغاية لتحقيق أعلى سقف للمطالبات بالنسبة للطرف المفاوِض ولعمري هذه هي جناية السياسة على الحقوق والواجبات المدنية لحقوق الإنسان وكرامته وقيمته وبالتحديد في قتلى الحروب على حساب سفك الدماء من الطرفين.
رسالة هذه الكلمة هي The message of this word is
١ / ليس لأي طرف مفاوِض الحق على الطرف الآخر في المطالبة والمتاجرة باسم القتلى الذين راحوا ضحية العمل السياسي أو غيره من الأسباب والدوافع في شن الحرب لأنَّهما سواء بسواء في نية الإيمان والمعتقد القتالي أيَّاً كان حين ذهب لساحة المعركة لينصر قضيته أيَّاً كانت .
٢ / الحق كل الحق بنصوص الآيات القرآنية السابقة وما تقدم من تعريف بالكيفية القانونية اللازمة أو العرف الإجتماعي البشري في أي مكان كان هو للأسرى المقتولين وهم لا يحملون السلاح وتم القبض عليهم ولا طاقة لهم في الدفاع عن أنفسهم وتم قتلهم حالتئذٍ فعلى طرفي التفاوض السياسي المطالبة بالحق العادل والتعويض المتفق عليه أو التعويض المناسب مقابل ازهاق روح لها قيمتها وكرامتها عند الله من حيث هو إنسان بغض النظر عن معتقده القتالي لأي جنب كان يدافع ويقاتل .
٣ / نسبة هؤلاء القتلى المأسورين نسبة بسيطة جداً مهما كانت إذا ما قورنت بقتلى الحروب في حالة حمل السلاح في الميدان ومناطق ومسارح العمليات القتالية العسكرية .
٤ / المن؛ هو المساومة ويقابله في التعريف الاصطلاحي إطلاق السراح بدون مقابل أو عِوَض ولا فدية وهو ورقة الضغط بالنسبة للمتفاوضيَن أو طرفي النزاع في تحقيق أعلى مصلحة ممكنة لإعلاء قيمة الإنسان المهدر دمه دون وجه حق ويفصل في ذلك القضاء لا الرغبات الشخصية أو النزعات العنصرية تحت أي بند سالب لا يحقق الأهداف العليا للدستور السماوي المتنزل لحياة الناس بما يحفظ الحياة وروح البشر ويؤمن بالسلامة.
٥ / الفداء؛ هو في التعريف الاصطلاحي ورقة الضغط الإيجابية في المفاوضات السياسية لإبداء حسن النية بإنهاء الصراع القائم بأن يطلق سراح المأسورين مقابلاً من أنفسهم عِوضَاً حتى يطلقوهم ويخلوا لهم السبيل تحقيقاً للمصلحة العليا في تحقيق التعايش السلمي الإنساني العالمي .
٦ / يكون المن والفداء أثناء المعركة على هذا المنوال : فك أو تحرير الأُسارى بمقابل أو بدون مقابل على أن تحفظ للأسير حقوقه في المعاملة الكريمة وحقه الدستوري بما أقره العرف والقانون وما أشبه حتى تضع الحرب أوزارها .
٧ / إحترام وتنفيذ الاتفاقات الدولية والمحلية المبرمة بين طرفي النزاع آن التفاوض.
٨ / احترام وتنفيذ الاتفاقات العرفية والمحلية المبرمة بين المتنازعين.
٩ / الجنوح للسلم ووضع السلاح أرضاً هو أقصر الطرق لإنهاء النزاع بين الطرفين.
١٠ / تنفيذ وتطبيق الدستور السماوي والتشريع الإسلامي الإنساني العالمي وهم جديرون بذلك بلا شك في إنهاء الأزمات القائمة في حفظ الحقوق والواجبات والالتزامات لكل فريق.
تعريف أسرى الحرب لغة Definition of prisoners of war language
الأسرى جمع أسير، والأسير كما جاء في القاموس المحيط هو الأخيذ والمقيد المسجون ، وفي نفس المعنى يقول ابن منظور: الأسير هو الأخيذ وأصله من ذلك، هو كل محبوس في قيد أو سجن هو أسير .
وقد تحدث بعض العلماء في اللغة عن جمع أسير فقال عمر بن العلاء: ما صار في أيديهم فهم الأسرى، وما جاء مسترسلاً فهم الأسارى، وقال بعضهم: إنَّ لفظ أسرى يعد جمع الجمع وأن لفظ أسير يجمع أيضاً على أسراء كضعيف وضعفاء وعليم وعلماء، وقيل أن الأسرى هم غير الموثوقين عندما يؤخذون، والأسارى هم الموثوقون ربطاً .
أما في القران الكريم فلم يرد الجمع إلا بصيغتين اثنتين:
_ الأولى: أسرى في قوله عز وجل : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } وقوله تعالى أيضا: { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم } .
_ الثانية: أُسارى بضم الهمزة في قوله تعالى: { وان يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } .
وكلا الصيغتين تنصرفان إلى الأسرى المأخوذين في الحرب، إذ الصيغة الأولى في الآيتين السابقتين من سورة الأنفال تتحدث عن الأسرى في غزوة بدر، والصيغة الثانية الواردة في سورة البقرة تتحدث عن أسرى اليهود فيما كان من عداوات بينهم .
تعريف الأسير Definition of prisoner
أسير حرب أو سجين حرب هو شخص، سواء كان مقاتلاً أو غير مقاتل، تم احتجازه من قبل قوى معادية له خلال أو بعد النزاع المسلح مباشرة .
يُحتجز أسرى الحرب لمجموعة من الأسباب المشروعة والغير مشروعة كذلك، مثل عزلهم عن رفاقهم المقاتلين الذين لا يزالون في الميدان، أو التدليل على انتصار عسكري.
اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب Geneva Convention relative to the treatment of prisoners of war
راجع الاتفاقية المؤرخة في 12 آب / أغسطس 1949 التي اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام من قبل المؤتمر الدبلوماسي لوضع اتفاقيات دولية لحماية ضحايا الحروب المعقود في جنيف خلال الفترة من 21 نيسان / أبريل إلي 12 آب / أغسطس 1949 بتاريخ بدء النفاذ : 21 تشرين الأول / أكتوبر 1950 وفقا لأحكام المادة 138 ، ومن المادة 1 – 71 .
ولوائح، بدءا باتفاقيات لاهاي (1899-1907)، وكذا اتفاقيات جنيف لعام 1949 بالإضافة إلى البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977.
حيث تم تقنين الأسر في القانون الدولي بموجب الفصل الثاني من اللائحة الملحقة باتفاقيتي لاهاي عام 1899م وعام 1907م، والمتعلقتين بقوانين وعادات الحرب البرية. ثم اتفاقية جنيف لعام 1929م بشأن معاملة أسرى الحرب، والتي حلت محلها اتفاقية جنيف المؤرخة في 12 أغسطس 1949م بشأن معاملة أسرى الحرب.
حيث جاء في مادتها الأولى والثانية : “ تعهد الأطراف المتعاقدة باحترام هذه الاتفاقيات وتطبيقها في جميع الأحوال، وعلاوة على الأحكام التي تسري في وقت السلم، تنطبق هذه الاتفاقية في حالة الحرب المعلنة أو أي اشتباك مسلح أخر ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف المتعاقدة حتى ولو كانت إحداهما لم تعترف بحالة الحرب، كما تنطبق هذه الاتفاقية في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف المتعاقدة حتى ولو لم يواجه هذا الاحتلال مواجهة مسلحة كما نص البروتوكول الأول لسنة 1977م الملحق باتفاقية جنيف لعام 1949م، بأن المنازعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط والاحتلال الأجنبي وضد التفرقة العنصرية وممارسات الشعوب لتقرير مصيرها تعد ممارسات دولية مشروعة، ويعتبر أحد أفراد هذه الشعوب لو وقع تحت قبضة الطرف الأخر أسير الحرب .

خاتمة Conclusion
مما سبق يتضح الآتي :
1 / لا حق لقتلى الحروب في الاتفاقات الدولية ولا لأوليائهم بأي صورة كانت مهما يكن لاتفاق المعتقد القتالي من حيث هو معتقد قتالي بحت .
2 / الحق كل الحق في قتلى الأسرى فقط عمداً أو خطئاً في المعاوضة والفدية والدية أو العفو لهم ولأولياء الدم من أهلهم وذويهم .
3 / لا يدخل المعتقد الإيماني الديني السماوي هنا بأي حال من الأحوال في حقوق قتلى الأسرى بقصد أو بدون قصد ( القتل العمد والقتل الخطأ ، ثم أضافوا القتل شبه العمد لاحقاً ) .
4 / يدخل المعتقد القتالي للمحارب والأسير فقط من حيث هو معتقد قتالي بغض النظر عن عقيدته القتالية لأي جهة يريد نصر قضيته فله حقوق يجب أن تراعى بإلزام صارم لا هوادة فيه .
5 / تدفع المعاوضة أو الدية أو تحرير الرقبة من أحد الطرفين المتقاتلين أو العفو سواء للشخص أو لجهة اعتبارية كالمؤسسات العسكرية مثلاً حسب الاتفاق المبرم بينهما .
6 / القياسات الفقهية في القانون الوضعي ليست أصلاً هنا ، إنَّما الأصل من نص الآية لقتلى الأسير في أي مكان بإعتبار عنصر الإنسان موضع عين الله من حيث هو إنسان فقط بغض النظر عن لونه أو دينه أو جنسه أو قبيلته أو وطنه أولغته وما إلى ذلك .
7 / تسقط في تقديري الشخصي أي معاوضة تحت أي نسمَّى لأي بند متفق عليه في المفاوضات السياسية بين الأطراف المتحاربة في أي مكان وبالذات في السودان حيث تدار رحى الحرب بين فئتين عسكريتين الآن على حساب جميع قتلاهم وهنا موضع المراجعة في هذه الكلمة الطويلة .
8 / الإنفاذ الفوري بدفع التعويضات المناسبة حسب الاتفاقات المبرمة لأولياء الدم من الطرفين بعدالة القانون السماوي أولاً ثم القانون الوضعي لأي بلد كان .
9 / إرساء دعائم العرف الاجتماعي في الحالات المشابهة لأي مجتمع بشري كائن .
10 / إرساء وإلزام الحقوق القانونية التي تحفظ كرامة وقيمة الإنسان الأسير حسب اتفاقية جنيف ومعاملته المعاملة الكريمة من حيث هو إنسان دون أي تمييز عنصري بأي شكل كان .
أكتفي بهذا القدر في إبداء طرح هذه الكلمة التي كان أساس مرجعيتها القرآن الكريم حسب ما جاء أعلاه والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق