ثقافة وفن

التشكيلي علي صادق

يبتدع الأمل في مقامات لونية

بشرى بن فاطمة
كأن الفنان التشكيلي علي صادق يواجه رحلة اللون بالهندسة يبحث في حقولها عن مبادئه التي يعكسها في شكل مواقف بصرية ذات تفاعلات حسية واقعية.
يرتّبها ويحييها بتماسكات اللون وموازينه الثقيلة والخفيفة في كرّها وفرّها وتصعيدها وجمودها أمام حدود الخط والأشكال، ليعيدها أكثر جاذبية في مقاماتها المعقولة وأفكارها اللامعقولة في تصورات المتلقي الباحث في تفاصيلها.
فبين التريث والركض في تفاصيل الفكرة التي يريد تمريرها، يتوحّد في الألوان مع مساحات يختارها ويمرّغها عبر حدود تجتاحه وتتعمّق معه ليقدّم مفاهيمه الحسية وتبادلاته التناغمية، فتعبّر عن رؤيته الوجودية وحضوره التفصيلي في أرضه مرتكزا على مبادئ إنسانية حقيقية تحاكي واقعه التاريخي والحضاري في أرضه.
يحاول صادق أن يثبت بفنّه واجبه الأساسي بفرض حقه المشروع في الدفاع عن أرضه من خلال تفصيل فكرة المقاومة والنضال، فهو يستعير صور الشهداء في ملاحم النور التي يبتدعها من الموروث الشعبي والحكايات البطولية التي تنتهي عند البحث عن كرامة الأرض والانسان.
فهو يستوحي من التراث الشعبي والمخيال الأدبي تفاصيله التي تذكي رؤاه وتتبلور في ملامح التضحية والذود والجهاد والتمازج بين الأرض والدم في قصة عاشوراء برمزياتها التي يسقطها على الواقع دون مبالغة في تطييفها أو تصنيفها ولكن كمتابعة حسية وفنية وبصرية حداثية لها التزاماتها الفكرية والتعبيرية من خلال تجسيد حكايا التضحيات التي منها بدأت الفكرة وإليها عادت ضمن تسلسل واقعي متكامل مع الأرض في غبارها الملوّن وإيقاعاتها المتفاعلة معه بين تصعيد وأفول بين تماس وتخيّل يخلق حيرته مع حيرة التلقي في ربط اللون بالفكرة والتجسيد بالحكاية.
تبدو الألوان في لوحاته حيّة ذات ابتداعات معاصرة لا تقف عند الفكرة ولا تعبر نحوها فهو يقدّمها في شكل زخرفات ملونة وكأنه ينمنمها في توقيعات تراثية ملحمية الوقع والوقائع تتعاصف في عمقها الحسي وتوزيعها الهندسي لا تقف عند منعرج واحد بل تضمن تلوناتها على واقع المقاومة وضرورتها الإلزامية لضمان الكرامة الباقية.
تضع الألوان التي اختارها علي صادق المتلقي مكتظا بين دهشتين دهشة الاقتناع بمداها الحسي ودهشة التلوّن الذهني لفكرتها الغارقة في تكاملات الموت والحياة أو الموت من أجل الحياة وهي جدلية التضحية والاكتمال معها، فالملامح التي يحاكيها تبدو في شخوص مبهمة ولكنها معلومة يعرفها المتلقي رغم غموضها الرؤيوي الذي ينقاد نحو واقع من التشريد والظلم والمخيمات والشتات والصراع الدائم من أجل البقاء على الأرض والإبقاء عليها وكأن الطبيعة البشرية اقترنت بمنطق البندقية وحكمة المقاومة التي تطرح معها الأمل في تكامل اللون وتجانسه وتضاذه المشرق.
يجسّد صادق المرأة أم الشهيد كأيقونة “أم الأرض” وكأنها نقطة العبور من الرحم إلى الأرض إليها متجدّدة رغم مشاعرها الثكلى والمثقلة بكل التقاءات الفقد والنصر والبدايات والنهايات، فهي الباقية الصامدة بين الأشلاء والأجساد تزف قوافل الشهداء وتنجب المقاومين لتكون نقطة العبور الأولى من الأرض وإليها كعلامة وحضور ورمز واستمرار.
وفي تشكيلات المقاوم تبدو الصورة مثل حركة هندسية متكاملة ومتبادلة من يد إلى يد تسلّم بندقيتها ومع البندقية تفرض السلام والأمان وتكتمل أبعد في تعميق الفكرة الباقية في مفاهيمها وكأنه يحيل النضال إلى فعل تضحية مقدّسة تضحية نبيلة الحضور والمعنى من أجل الحياة والبقاء.

*الأعمال المرفقة:
متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية
Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق