ثقافة وفن

أول جدارية فنية من أطفال سورية إلى أطفال غزة

بشرى بن فاطمة


“لنا الحياة” هو عنوان جدارية فنية نفّذها قرابة ألف طفل من طلبة المدرسة الوطنية السورية الخاصة تضامنا مع أطفال غزة ورسالة منهم للعالم أن كل طفل يستحق الحياة وأن الطفولة هي انتصار الحياة القادمة وزهور الأوطان وأن أطفال فلسطين وغزة لهم الحق في الحياة مثل كل أطفال العالم، وهي رسالة أرادها أطفال سورية صرخة حياة في وجه العالم رفضا للحروب ونبذا لكل عدوان واعتداء.
يصل طول الجدارية التي تعدّ المبادرة الأولى التي تنفّذ خلال هذا العدوان 10 أمتار بارتفاع أربع أمتار ونصف وهي مشتغلة بألوان اكريليك شكّلها الأطفال على مراحل بصرية بين المساحات بإشراف الفنان التشكيلي غسان عكل والفنان جمعة نزهان، وهي فكرة ومبادرة مديرة المدرسة السيدة رنا بيتموني التي ساعدت في تهيئة الجوانب المادية والمعنوية لإنجاح تنفيذ هذه الجدارية.
وتعدّ الجدارية من مقتنيات مجموعة متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية والتي تأتي ضمن مشروع متكامل ومتواصل لتنفيذ سلسلة جداريات دعم لغزة فلسطين من سورية والعراق والأردن ولبنان عنوان هذا المشروع “غزة في كل الأماكن والأشياء”.
ويقول الفنان التشكيلي غسان عكل “إن الجدارية كتصميم أوّلي قدّمناه للطلاب وقمنا بتوجيههم حتى يشكّلوها وفق رؤيتهم الخاصة التي حاولنا فيها أن نترك لهم المساحة والفضاء الحر للتعبير بالألوان والخطوط والتوقيع كرسائل دعم وتضامن تعدّدت واتّفقت على أن لكل طفل الحق في الحياة.”
تبدو الألوان والخطوط والحركة والضغط والفراغ والتدريجات والجمود والعمق التي عبّر عنها الطلبة علامات تكوينية لهذا المنجز التشكيلي، حيث عبّر الطلبة بلغة فطرية ساذجة في سطحها عميقة في مدلولاتها الحسية والذهنية وفي توجيهها الفكري.
فقد نفّذها الطلبة بأساليب بعيدة المدى في عمقها الحسي والتعبيري وفي فكرة التنقل بها من عوالمهم إلى عوالم أكبر قد تشفي إحساسهم الداخلي بالآخر ورغبتهم في التعبير عنه وملامسة أحاسيسهم وأوجاعهم وهو التفصيل الصغير في التوجه الكبير نحو التعبير الذي قاد الطلبة إلى تقديم جدارية فنية مليئة بالإحساس والتعايش مع آلام أطفال غزة ورفضا للحروب والعدوان.
فاللون مقصود والخط الذي يخترقه في العمران والبنايات وأحجامها وتشكلاتها ودمارها وتصوراتها قربها وبعدها وانسجامها في المساحة ونفورها، يماهي بين الأطر كلها كتعبير داخلي يفسّر العالم الواسع وكيف يراه الطفل وكيف يخترقه ليصل إلى إرضاء نفسه وتخفيف هلعه وإعادة تجسيد ذاكرته التي خزّنت تلك التفاصيل الدامية والبشاعة المروعة والصرخات التي لم تجد تجاوبا دوليا للتخفيف عنها.
إن التصور الأول الذي يصمّمه الطفل هو الذي يستشعر به مدى قبوله للحالة العامة والخاصة أو تداخلها ووصولها حد الفصل وهنا يكون الفارق، فالرسومات التي قدّمها الطلبة بتفاوت أعمارهم ودرجات استيعابهم للحرب تعبّر عن مدى رسوخ المعاناة وعمق المشاهد التي أفزعتهم ليكون الرسم حقيقة لتخطيها من الواقع رغم مراراتها لأن الطفل لا يتعامل مع الأحداث والواقع بنفس ما يتعامل به الانسان الناضج وبالتالي فهو يخزّن تلك المشاهد بذهن حسي وعاطفي.
إن الرسم هو حالة تعبيرية استطاعت أن تستوعب أحاسيس الطلبة وتحوّلها من الإحباط والحزن إلى الأمل والقدرة على المشاركة والحركة وكسر الجمود وهو ما يشدّ الانطباع الأول في درجة العنف أو الهدوء والسكون وهو ما يفسّر أيضا دور الألوان التي تأتي لتملأ بعشوائية الفراغ الحسي المبهم والمعلومات الخفيّة التي يسعى المشاركون لإبقائها في ثنايا علاماتهم وهم ينسخون تواقيعهم التي تقول للعالم نحن من نعبّر ونحن من نريد السلام والأمان والحياة لأهل غزة وأطفالها.
إن التعبير بالرسم لدى الأطفال في وقت بدت فيه صور العدوان مفتوحة ومشاركة ومنتشرة على أكثر من مكان ومحطّة تلفزيونية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي لا يعتبر بالأمر الهيّن لأنه لا يأتي كموضوع مخطّط ومقصود بل هو اتباع لأثر المشهد الراسخ الذي يطبع الذاكرة الأولى للطفل حيث يخزّن فيها أحاسيسه ويكتم التعبير عنها بعد صدمة ما رآه وبحثه عن فهم ما يحدث ولماذا يحدث مع فقدان الأمان،
فبالرسم يخرج الطفل عن صمته ويتواصل مجدّدا مع عالمه ومحيطه وهو ما من شأنه أن يصقله فيُعبّر بقوة شخصيته عن مواقفه بصريا أو الإجابة عن تساؤلاته حول كل ذلك الدمار والعنف لذلك فإن الرسم من شأنه أن يخفّف الإحساس بالصدمة والخوف منها ويقدّم رسالة حقيقية للعالم تعبّر عن الطفولة والحياة.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق