ثقافة وفن

فانتازيا الرمز تصوّرات تشكيلية من وحي الواقع

بشرى بن فاطمة

الفانتازيا أو الخيال في الدلالات الرمزية البصرية والتصورات التشكيلية، يعتبر المنحى والمسار والتصوّر العبقري الذي يقع بين الفنان ومفاهيمه والمتلقي وثقافاته حيث يستدرجه نحوه بدهشة التفاعلات الماورائية للصورة وتوظيفاتها الحسية للمواضيع التشكيلية، لذلك فإن الخيال يعتبر سلاح الفنان لخوض معاركه الجمالية واشكالاته مع الوجود والواقع والانتماء لذاته وقضاياه.
فيكون لهذا الخيال أشكال عدّة وقصص متفرّعة تقع تفاصيلها على الواقع لتعيد استنطاقه وتركيزه وتوظيفه حسب المقاصد الأولى بتركيز قد يبدو خاضعا لحكايات غارقة في الغرابة والأسطورة والمخيال الإنساني والشعبي والأدبي.
إذ تستمد الفانتازيا محاورها من المصادر المختلفة في الأساطير والتاريخ والموروث الفلكلوري الذي يعيد الفنان تصوّره ورسمه وخلق عوالم جديدة له يساعده فيها الأسلوب والتمازج الحرفي مع اللون والخطوط والتشكيل العام في احتوائها وتركيزها حتى تلعب مجدّدا دور الفضاء الكامل لتصوراتها ما يساعد المشاهد على تلقيها مجدّدا بأكثر من رؤى تسافر بالوعي أبعد في فهم الفكرة والمحتوى وتفكيك المقصد بما يحيل على واقعه.
للفانتازيا أشكال عدّة في التعبيرات الفنية فهي التي تضيف توليفات الإثارة وتعكس الثقافة البصرية والانتماء للفنان لأنها تعيد ترتيبه بصريا على محمل الحضور الإنساني بلا تكلّف وبكل معايشة.
فالخيال المعتمد يكون امتدادا للواقعية ولكن بشكل يخلق منفذا آخر في إعادة حياكة ذلك الواقع فالخيال هو الذي يحكم على العمل جماليا حتى لا يكون تكرارا مباشرا ومملا بل يعطي للفنان حضوره الكامل الذي يطرح مواقفه وتفصيل التصورات المعاشة حسيا وذهنيا لذلك الواقع.
إن الفانتازيا لا تعدّ هروبا من الواقع بقدر ما هي تحويل غريب وغرائبي التفعيل الرمزي لذلك الواقع وإسقاط لقصص تتشابه في ذلك الخيال معه، خاصة وأنه يكاد يحاكي الفكرة في استمراريتها، جماليا وفنيا وفهميا فالكائنات التي تستفيضها رؤى الفنان في دلالاتها ويرتقي فيها إلى تعابيره ومفرداته التشكيلية تخدم الصورة الغرائبية وتعيد تفكيكها من جديد مع التوجه الفني الذي يختاره التشكيلي ليعبر منها ويصلها بمفاهيمه.
ولعل التجارب المعاصرة لها اختلافات وتنوعات في تناول التمكين الخيالي للمفهوم التعبيري والسريالي الذي يتعامل حسيا وذهنيا مع فانتازيا الرمزي مثل تجربة الأمريكية فانيسا ستاوفورد التي تعالج المحتوى البصري بخيالها المشبع بقصص الشرق والموروث الاستشراقي الذي تستلهمه من حكايات ألف ليلة وليلة وما ينتابها من أحاسيس وصور ورموز وعلامات تتصوّرها وتسقطها على الواقع اليومي الدامي في عالم مليء بالظلم والحروب والصدامات الثقافية والعرقية والدينية لأنها من خلال تلك الفانتازيا تنتشل ذاتها وتروّض حكاياتها حتى يتقبّلها المشاهد، فهي تعيد تشكيلها بتسلسل يحيل على تأثرها بالحضارات السومرية القديمة والفرعونية وحضارات الهند التي تستحيل صورها الأخّاذة حكايات واقعية ولكنها مبالغة وانعكاسية المناحي الحسية في تدافع جمالي يحاكي الواقعي بمواقف إنسانية ترفض الهمجية المقدّمة باسم الديمقراطية والمدنية فكأنها بفانتازيا ملوّنة تقول إن العصور القديمة كانت أكثر رقيا في التعامل مع الكون والكينونة البشرية الخالدة، فهي تحيك مواقفها على محامل السريالية والواقعية السحرية في تفصيل الأحجام والأشكال اللامتوقّعة التي تدمجها مع ألوانها بطرافة.
وفي تجربة التشكيلية السورية فيفيان الصايغ تقدّم حكاياتها متداخلة بين المتوّقع الواقعي وبين الخيالي المبتكر لتجسدّ بشكل جمالي عتمة النور والخيال ولتقدّم أعمالها ببذخ أنثوي الخيال صارخ في عتماته وتكويناته وحسيّاته وتطلعاته بين انعتاق الجغرافيا وأساطير التاريخ وتماثل التكوين الحركي بينهما في المبالغة والتطرّف ما يجعل أساليبها مثيرة الدهشة بين التعبيرية والسريالية تستثير زوايا الخيال والفانتازيا لتعيد لملمة كيانها وكائناتها.
يبدو الخيال المتطرّف في تجسّداته لدى الصايغ جريء التشويه إذ تحجب الملامح عمدا وتقطع رؤوس كائناتها بطريقة تكثّف الشحوب وتشتّت الوجود وتخدش المساحات اللونية بخطوط داكنة تتصادم مع الاكتمال بهشاشة لونية، تركّز على تفكيك الجمود بتحطيم الكمال فتضفي عليها إحساسا عاليا بالخوف بالحيرة بالضياع بالبحث عن الذات المشرّدة في واقعها الخالي من منطق التعايش والمعايشة فتنتفض لمواقفها وتحمل حقيقتها وأحلامها إلى نورها الباقي وأملها المستمر.
أما في تجربة بسيم الريّس التشكيلي السوري فالخيال طافح ويرشح بألوانه وغرائبيّته الدافقة والمتدفّقة الحسية والذهنية التعبيرية والرمزية التي تتماثل مع الشخوص وملامحها في اختراق بؤر السواد الواقعي والسوداوية التي يتمرّد عليها بمحاوراته التشكيلية في اتساع المساحات والمسافات حتى تجد اتساعها الباحث عن المكان الآمن بكل الاحتمالات.
فلا يمكن للمتلقي وهو يستقبل لوحات بسيم الريّس وأعماله باختلاف أحجامها ومستويات التعبير فيها والأساليب وتجريبياتها إلا أن ينصاع إلى دهشة الصورة بين سريالية المشاهد وعبثية التجريد وغرابة التعبيرية في توظيف فانتازيّ الشخوص واستحضارها الخيالي من عوالمها وفضاءاتها الغارقة في حضارات ترشح بعمقها في ثبات الأرض والانتماء تترنّم بتوازنات ابتكارية مع اللون وقدرته الحيوية على تحريك جمود الأشخاص واستنطاق حواسها.
ثابتة هي القيم الإنسانية التي يعبّر عن تفاصيلها العميقة والساذجة وهي ترتّب مواعيدها على توقيت الحروب وأحداث الموت والخراب فدون إلغاء لإنسانيتها يترجل بأبعادها الجمالية الطافحة بالأمل رغم غبار التراكمات الحسية لواقع سوداوي الأفق يحاول أن يدمجه مع الألوان الحارة النابضة من عمق داكن في سواد العمق بكل حرفية وجرأة في اختياراته اللونية التي تكاد تتراءى عبثية لولا مسحة العقلانية التي تبدو حكيمة في ترتيب التحكم في المساحة ودور الشخوص التي يرتّب حركتها ويختار أدوارها الحيوية في محاكاة ملاحم الوجود.

*الأعمال المرفقة:
متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية
Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق