ثقافة وفن

التشكيلي السوري بسام ناصر

بين التعبيرية والتجريد حوار اللون والرمز

بشرى بن فاطمة

تختلف التعابير البصرية في التشكيل السوري وتتنوع تفاصيله الباحثة عن التفرّد لكل أسلوب وتجربة تخرج من حكايات الانتماء وتفاصيل المعايشة وتجارب البقاء الأجمل والأكثر دلالة حسيّة وفنية بطابعها الخاص، وللتشكيلي بسام ناصر تجريبه المميّز الذي يقدّم تجدّده الحسيّ ومفاهيمه الإنسانية المتعدّدة في صورها التي يشكّلها من التعبيرية والتجريد في توافق يحاور اللون بالرمز.
تبدو الحالات الإنسانية التي يقدّمها بسام ناصر محور لأسلوبه، فهو يركّز على الرمز المختلف الذي يتعايش مع تفاصيله في تماثل ملوّن يتكاثف وتمازج ويتنوّع حسب الفكرة والحالة والموقف البصري من الواقع المعاش، فيحاول أن يعبّر عن بأسلوبه وأن يخلق التماس بينه وبين الشخوص التي يعبّر عنها او تشاركه رحلة التفصيل العام للحالة.
ومن تلك الرموز التي يحاكيها يقع تجريبه محاورا فكرته بين الوردة والسمكة وتفصيل هذه المحاكاة يتجاوزه تجريديا وتعبيريا فيكثّف رحلته البصرية مع الخطوط والألوان.
في اللوحة التي يقدّمها، يبدو الوجه الإنساني الذي ينطبع في الذاكرة الحسية لناصر مندغما مع اللون والخطوط في رحلة عميقة وغارقة في تفاصيل معتمة ومضيئة تواجه تناقضاتها بالهدوء الطافح في تكويناتها المتوازنة داخل اللوحة وهو ما يجعلها ثابتة ومهيبة في تكوينات شخصياتها وبالتالي يعيد البصمة الفنية التي تعطي المعنى التشكيلي والمفهومي حسياته التي ترتبط بالفكرة والموقف.
وهذا الموقف يتآلف مع تطلّعات المتلقي وتقدّمه نحو الشخصيات في خلاصات حسية تؤثّر على بناء دوره داخل اللوحة التي تجمع مع العمق العفويّة.
إذ يرى ناصر أن كل المفردات تحمل صدق الإحساس وموقف التعايش مع فكرة الانتماء واقعا وتاريخا من خلال الأساطير والتراث، فالوجه الإنساني في لوحته وملامحه تحيل على حالاته المعمّقة في الوصف والقراءة البصرية بين الانكسار والحزن والألم.
ويخصّص ناصر لهذه الوجوه تفاصيله الكامنة في التكوينات الحسية والشعورية والروحية التي يسقطها من غموضها المبهم حتى يكون قادرا على أن يعيد سرد قصصها وحكاياتها بحسب الحالات والتفاعلات التي يكوّنها وينضجها، فيما بينه وبينها، حتى أنها لا تقف عنده بل تتمادى منه أبعد نحو التماهي المندغم مع تلك الأخيلة والمواقف التي يحاول التمازج فيها ومعها ومنها بين المبالغة في الدراما الحسية والأمل الإنساني النابع من الفكرة ومن الأرض من كل ما يقدّمه الفنان لتلك الرؤية العامة التي يفرضها الفضاء والمفهوم.
التجريد الذي يخوضه بسام ناصر يحيل على معبر تعبيري يتلخّص في التكوين على الوجوه والملامح تلك الملامح التي كسرتها قضاياها وشتّتها البحث الدائم عن الأمان فتكّسرت مراياها وانعكس عليها كل ما حولها، لذلك أصبحت بدورها مثل رموز متداخلة لا تمتلك إلا ملامحها التي يقدّمها ناصر في عمقها وتمازجها الملوّن المتوازن.
إن الرموز الملوّنة التي يعتمدها تكاد تستنطق الواقع وتغوص به في ثنايا الروح فتستعيد الحنين وتحوّل الكآبة إلى تفاصيل حسيّة وتماس ناضج الأسلوب والتقنيات، وهنا يستمّد ناصر من التراث المادي واللامادي تكويناته ورموزه ليحيلها إلى تفاصيل فنية قادرة على التماهي والتداخل المستمر في تفعيلاته الحاضنة لفكرة انتمائه وهويته الفنية.
إن تجربة ناصر تعتبر امتدادا حسيا وتكوينا بصريا له تضمينه الحضاري وانتماؤه لأرضه وبيئته وتاريخه فهو يحاول إظهار جذوره المرتبطة ارتباطا وثيقا بالأرض التي يعكسها في تكامل الأنثى والأرض لأنها تكوّن الاستمرار والاستمرارية.
اعتماد اللون الذي قد يبدو في تشكيلات لوحات ناصر بسيطا يشتغل عليه في تفرّد واضح بين الدلالة والتوازن بين العمق والسطح، لأن الحالات الحزينة تستحيل في مزيجه للألوان الباردة والظلال التي تتراكم فيها الغصات والانكسارات، ولكنه رغم كل شيء يحافظ في الملامح على الشموخ والثبات والأمل والكبرياء.
إن درجات اللون السائدة بين الحدة والبرود لا تبدو مسقطة الحركة والتحريك الفني في عناصر اللوحة بل تعيد تكاملها معا بشكل وارد ومؤسّس على التوازن بين العناصر وبين العمق الجوهر والسطح فالفكرة اندماج والاندماج مشاركة تقع بينه كفنان انسان وبين محتوى لوحاته وشخوصها.

*الأعمال المرفقة:
متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية
Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق