سياسة

السيناريو المرعب

عبدالله مكاوي

مدخل (ما بين تمادي مليشيا الدعم الهمجية في ارتكاب الانتهاكات والمجازر، ورفض قيادة الجيش الخضوع لمطلب التفاوض كوسيلة متحضرة لحل النزاعات. يتعرض الشعب السوداني لابتلاء يفوق الوصف، بحيث يتعدى معايشة الحرب المرعبة، ليدخله الي مجاهل النكبة، التي تقتلعه من وجوده وجذوره وهويته، ومن ثمَّ تحوله الي شعب بدون، لا يكترث به احد ويحتقره الجميع او كما عبر ديكنز في اوليفر تويست.)

لا يهولن احد العنوان، ولا نبرة التشاؤم التي تسم السيناريوهات المطروحة للأفق المستقبلي، رغم عدم استنادها علي اي معلومات مؤكدة، بل هي مرعبة وتثير التشاؤم بسبب غياب هذه المعلومات المؤكدة، والغموض الذي يحيط بهذه الحرب وطريقة ادارتها، والتي نشبت بين فصيلين ليس هنالك ما يفصل بينهما، اللهم إلا الاختلاف علي قسمة السلطة المغتصبة والمنهوبات المشرعنة، او بقصد الاعداد لترتيبات مستقبلية، يتم هندستها عبر هذه الحرب العدمية، وهنا تبرز ايادي الخارج الشيطانية. أي لا يمكن ان يُغيب الشعب صاحب المصلحة، إلا إذا كان هنالك ما يستهدف الاضرار به، وحرمانه حقوقه، واستغلال موارد بلاده لخدمة مخططات ومشاريع اجرامية. وبالطبع لا ينقصنا الوكلاء المحليين من حكام وانظمة حكم يلتزمون كامل الولاء للخارج، وإلا لتمت الاطاحة بهم منذ وقت مبكر، طالما الشعب مستبعد من اختيارهم.

وهنا نصل لمربط الفرس، أي رغم تعدد المشاكل والازمات في هذه المنطقة المظلمة من العالم، وتاليا تعدد مسبباتها، إلا ان العلامة الفارقة او العامل المشترك بين كل هذه المشاكل المتراكمة والقضايا المعقدة والمستفحلة مع مرور الزمن، بما يجعلها مستعصية على الحلول. هو وجود نوعية من الحكام، يفتقرون للموهبة والتأهيل والمروءة والانضباط، ويتباهون بالجهل والاجرام، ويجملون واقع في غاية القبح، استنادا على آلة اعلامية وحملات دعائية ضخمة، اقل ما يقال انها فضائح تمشي على رجلين، ولكن كعادتها بقوة عين! وذلك للتغطية على فقر الانجازات وضحالة المطروح من البرامج الجادة والمشاريع الممكنة التنفيذ وعالية الجدودة. والأخطر من ذلك انهم يحكمون منفردين ولا يستجيبون إلا لصوت هواجسهم ومطامعهم، مكرسين في ذلك اسوأ انظمة الطغيان والقهر والفساد. والتي كرست بدورها للفقر والاذلال، وما يترتب عليها من امراض مجتمعية وانحرافات سلوكية، جعلت البقاء في هذه المنطقة من العالم قطعة من الجحيم، ولا يتسنى مغادرتها إلا لذو حظ عظيم.

ويبدو ان هذا النموذج من الحكام السيئين، استن سنته جمال عبد الناصر، او أقلاه ما منح نموذجه نوع من الاشعاع والجاذبية، لكل من حدثته نفسه الامارة بدخول الكلية الحربية. وهي نمذجة تقوم على شيء من التقديس والقدرات الفائقة والامتناع عن الاخطاء والتقصير، والتي في حال الفشل في اخفاءها، تُحال اما للمؤامرات الخارجية او الخيانة والعمالة الداخلية، رغم تحكمهم في كل الاجهزة والمؤسسات والموارد وتوظيفها لخدمة شخوصهم وسلطتهم!

والاخطاء والتقصير السالف ذكرها لا تشكل خلاصة حكمهم وتجربتهم وحسب، ولكنها قادت للدخول في تجارب سياسية واقتصادية واجتماعية مريرة، وحروب خاسرة، وهي سلفا لا داعٍ لها، ناهيك عن مترتباتها على الصعيد المادي والانساني. ومن القلة التي نبهت مبكرا لخطورة هذا النموذج، وقدمت النصح لعبد الناصر والنقد لسياسته القاصرة، يبرز الشهيد محمود كالطود الشامخ، بشجاعته وعمق بصيرته وصفاء سريرته وحبه للخير والانسانية.

في هذا الإطار يمكن تقبل واقعة، ان الغرض الحقيقي من صناعة الجيوش في هذه المنطقة (العربية والافريقية بصفة خاصة) والموبوءة بالعسكرة المنفلتة من عقالها، ليس حماية الشعوب ولا تامين حدود البلاد ولا غيرها من الشعارات المُلفقة، التي تُرفع راياتها عالية خفاقة، لحجب الرؤية عن الغرض الحقيقي من إنشاءها. والمتمثل في حرمان تلك الشعوب من حقوقها الطبيعية، وفرصها في النهوض والتقدم والاستمتاع بخيرات بلادها، بل الاسوأ من ذلك تدمير هذه البلاد واهلاك اهلها إذا تطلبت مصلحتهم ذلك! هل هنالك حاجة للتذكير بما فعله ناصر وصدام والقذافي وبشار والبشير والبرهان وعلي صالح…الخ القائمة، ويضاف لذلك الصبية الاشرار الجدد من قادة المليشيا كحسن نصر الله وعبد الملك الحوثي واسماعيل هنية والجهلول حميدتي، ببلادهم وشعوبهم، من اجل مطامح وقضايا ومشاريع ليس لتلك الشعوب ناقة ولا جمل فيها. والسؤال لمصلحة من يتم كل ذلك؟ والا يشي تكرار النموذج بذات النمط والممارسات الكارثية، بوجود اياد خارجية قذرة تملك خيوط اللعبة؟ وهي خيوط تتعلق اما بالاستفادة من ثروات تلك الشعوب، او حرمانها من الاستفادة منها، حسب ما تقتضي المصلحة.

وصحيح كل هذا يستقيم مع نظرية المؤامرة التي تفسر كل شيء بلا شيء او اقل شيء، او استنادا علي بعض الاستقراءات المفتقرة للوثائق والبراهين القاطعة. ولكن طالما هنالك اصرار على الغموض والعمل في الخفاء من وراء ظهر الشعوب، والعمل ضد مصالحها بأدوات بطش وقهر لأنظمة متسلطة. تظل هذه النظرية هي اصدق ما يتوافر، طالما الثابت ان علاقات الدول تتحكم بها المصالح، ويتحكم فيها الاقوياء.

والحال كذلك هذه الشعوب ليست ضعيفة ولكنها مُستضعفة، بعد ان فُرضت عليها كلاب بل قُل ذئاب حراسة تسلطت عليها بقوة الحديد والنار. ويتفق في ذلك من يرفع شعارات اليسار او يتدثر برداء اليمين (الشفاف وقصير بتعبير حميد). بل حتي الاتجاه الافضل سياسيا، والمقصود الاتجاه الليبرالي (اقلاه حتي التوافر علي ما يفوقه محاسن ويقل عنه مساوئ)، تسلطت عليه الاحزاب الطائفية لتفرغه من محتواه، بعد ان احالت اتباعها الي مجرد حشود تبصم علي ما يريده سادتها.

وصحيح ان القواعد التي يتأسس عليها الحكم الرشيد والنهج الديمقراطي، سواء من جهة التعليم الجيد او مستوي حياة لائق، او مجتمع مستنير او محيط اقليمي ودولي له مصلحة في ذلك، او التزام المؤسسة العسكرية بمهامها الاحترافية، والاهم وجود نخبة سياسية جادة وراغبة في الاخذ بأسباب النهوض للدولة والتقدم للمجتمع، وليس خدمة امتيازات ضيقة. وغيرها من قواعد كلها غير متوافرة، وان توافرت ليس بالقدر المطلوب. ومجمل ذلك يشكل الدائرة الجهنمية التي اعتقلنا فيها من غير فكاك او محاولة مبتكرة للخلاص. والمقصود بالدائرة المفرغة، ان غياب او تغييب العوامل المساعدة علي النهوض يكرس للتخلف، والتخلف بدوره يجعل التوافر علي تلك العوامل ممتنع.

وما يحير هنالك مفارقة غريبة، عند المقارنة بين حكم الجنرالات وحكم الامراء والملوك، وكلها انظمة حكم معادية لأنظمة الحكم الحديثة القائمة علي المسؤولية والرقابة والمحاسبة.

بحيث نجد حكم الجنرالات يتميز بالعنف المفرط والنزعة الصبيانية الجذرية (الاندفاع والتهور والاستهانة بالتحديات والقرارات الفجائية والتجريب من خلال التطبيق، والتجريم للمخالفين وعدم الاستماع لنصح الناصحين)، أي باختصار هو حكم شبيه بحالة مستجد السلطة. عكس الامراء والملوك، ورغم الفوات التاريخي على تلك الطريقة المتقادمة من الحكم، إلا انها اثبتت تفردها علي نظام الجنرالات، سواء بالتطور المتدرج، او المسؤولية تجاه رعاياها (لم يصلوا درجة المواطنة)، او عدم الدخول في مجازفات جنونية تعرض شعوبها ودولها للخطر. وقد يكون السبب عدم غربتهم عن السلطة بامتيازاتها وسلطاتها المطلقة. وصحيح هذه الرؤية المحافظة قد تغضب الكثيرين، ولكن بالنظر حولنا وما تعيشه الشعوب العربية على مستوي توافر الحقوق المادية، نجد شعوب الخليج هي الافضل حالا. ومن يتحجج بالبترول كعامل فارق، فلدي العراق وليبيا الكثير ولكن اين شعوبهم الآن. ما اود التأكيد عليه من هذه المقارنة البسيطة، انه ليس هنالك أشر من الجنرالات ومن يوالونهم ومن يستعينون بهم في حكم الشعوب.

وبما ان الانقلابات العسكرية والانظمة الشمولية خشم بيوت، فان أسوأها بالطبع ذات المنشأ العقائدي، ويزداد السوء من زيادة درجة التقديس والايمان المطلق. وخصوصا الانظمة التي تحاول هندسة المجتمع من جديد بما يتفق مع اهدافها وبرامجها والاصح مصالحها الضيقة. كما تسعي بطريقة حماسية ودعائية لتطبيق برامجها المتعالية على الواقع، ومن ثمَّ تجاهد لضبطه مع تصوراتها المتخيلة، لتزيده تشوه وقبح لا يضاهيه في بشاعته، إلا ما يسببه للمواطنين المغلوب على أمرهم (حقل التجارب) من معاناة وضياع زمن وتدهور مطرد في كل جوانب الحياة. أي باختصار هي انظمة حكم تتفنن في تعذيب الشعوب، والاستهانة بهذه العذابات، والاستهتار بوجودهم نفسه. لدرجة يصح وصف هذه الانظمة ب(ديك العدة)، ومخرجات حكمهم ب(دخول الثور مستودع الخزف).

اما نحن في السودان فكان من سوء حظنا، ان حُظينا بنظام اخذ اسوا ما في اشكال الانظمة السيئة للحكم. فنظام الحكم الاسلاموي الذي ابتلينا به، اتخذ ركيزة الحكم العقائدي، كمرجعية تشريعية وتنظيمية ومؤسسية، لتمرير كل انواع الاحتيال والكذب والاجرام والاستبداد والفساد والانتهاكات وكل ما يخطر وما لا يخطر على بال الشيطان نفسه. وما كان لهذا التنظيم الشيطاني ان ينجح في اقتراف كل هذه الموبقات بدم بارد، لولا تجسيده لأفكار ومخططات وسلوكيات، والاصح انحرافات وتشوهات عرابه الترابي. الذي يتسم بالغرور والاستكبار والاستهزاء والاحتقار لما راكمه الشعب من تقاليد واعراف، وما تحصل عليه من منجزات الحداثة على قلتها. اما ما ترتب علي هذه علي الخلطة السامة، من الهبل التنظيري والتنظيم المافيوي، وقصر النظر السياسي، والجهل بأبسط قواعد ادارة الدولة، والانغماس في ملذات السلطة بإسراف وتهتك، والأخطر من ذلك الاستهتار بمقومات وجود الدولة نفسها. هو ما قاد لما نحن فيه الآن، من تسرب الدولة من ايدينا مع كلفة هائلة في الارواح، كثمن لحرب جنونية لا تبقي ولا تذر، بين مكونات ذات التنظيم!!

المهم، تلك الطريقة الاجرامية والوسائل القذرة التي كانت تدار بها البلاد، قادت لتكوين مليشيا الدعم السريع والاستعانة بها لقمع أي نزعة للتغيير او محاولة لإسقاط السلطة المتعفنة. ومع اشتداد ازمة النظام وانتقال الصراع بين اجنحته لوراثة موقع البشير، تم الرهان على هذه المليشيات من قبل صلاح قوش اولا، ثم البشير (لمقاومة محاولة ازاحته) ثانيا، ثم البرهان (صاحب الدور الغامض في هذه المهزلة المكلفة المتطاولة) لوراثته لاحقا. مما فتح عليها بركات من موارد الدولة المجانية والمساعدات اللوجستية والعلاقات الخارجية، بما يفوق كل عقل او تصور!! وهو ما قاد ذات المليشيا من لعب دور الاداة القذرة، للسعي لابتلاع الدولة بكاملها، بعد ان تحولت الي (جوكر) في لعبة خارجية أكبر منها.

وبما ان أكثر ما يميز هذه الحرب هو غموض اهدافها، وطريقة ادارتها السيئة (المتعمدة) من قبل قادة الجيش. وعطفا على ذلك السرعة الغريبة والمريبة التي تطورت بها مليشيا الدعم السريع، وبمساعدة ومعاونة قادة الجيش، لدرجة انتداب ضباطه لتطوير قدرات هذه المليشيا المنفصلة القيادة! وبامتيازات وتجهيزات وشغل مقرات حيوية ومواقع استراتيجية تقلل من قيمة الجيش وهيبة منتسبيه! ثم بعد ذلك استصحاب هذه المليشيا في التآمر على الثورة ومشروع التغيير، وصولا للانقلاب ضدهما! ثما فجأة تتصاعد الخلافات والتوترات التي لا نعلم حقيقتها من افتعالها، لتتطور لهذه الحرب المدمرة، التي اول ما تستهدف المواطنين الابرياء والبنية التحتية للدولة، وآخر ما يشغل بال قادتها هو ايقافها او الاكتراث لعذابات المواطنين ومستقبل هذه البلاد، الذي يبدو فعليا ان كف العفريت احكمت قبضته عليه.

والحال كذلك، ما هذه الحرب القذرة، إلا امتداد لتكوين وتضخم وزيادة نفوذ وسطوة هذه المليشيا، وانطلاقها في فضاء الدولة بسرعة الصاروخ. وذلك لتهيئة الارضية لمشروع احتلال، وإن بصورة مغايرة للاحتلالات المفضوحة، ولكن بفاعلية أكبر للاستغلال.

في ذات السياق يبدو ان تمدد هذه المليشيا الهمجية بهذه السرعة في كل الاتجاهات، بما لا يتوافق مع قدراتها وامكاناتها الحقيقية (التفوق علي الجيش بسهولة محيرة، كحالة دخول ولاية الجزيرة دون معركة جدية)! وذلك بالتوازي مع ارتكاب انتهاكات وفظائع ليس لها مثيل في الوحشية، بل وتوثيق ذلك والتفاخر به. وكذلك نشر الفوضى والسلب والنهب والمجازر في كل بقعة تصل اليها جحافلها. وبعد كل هذه الاهوال التي لم تجد سوي الادانات الخجولة دوليا، ارتفعت شهيتها لانقاص البلاد من اطرافها، وتخريب ما لم تخربه سابقا ، وإبادة من لم تصله سنابك تاتشراتها، لتتوجه الي حصار الفاشر واقترابها من القضارف وسنار والابيض وتوعدها لسكان ولايتي الشمالية ونهر النيل بانتهاكات لا مثيل لها في التاريخ، وطرد من صدف ونجا من ابادتها بوصفهم غرباء (كما قال كبيرهم البلد دي حقت ابو منو، وتخيل هذا مستوي وعي وسلوك من يريد ان يؤسس لحكم مدني، ويأتي بالديمقراطية من قرونها ام من دبرها لا ادري).

ويبدو ان الفخ الذي تجهله مليشيا الدعم السريع وقادتها، هو وصول هذه الانتهاكات لدرجة تسمح بالتحشيد ضدها (ولذا يطلب رعاتها توثيق الانتهاكات). ومن ثمَّ استنفار الراي العالمي للاصطفاف ضدها، لتتم معاملتها كداعش. أي ككائنات ارهابية وحشية تستحق الابادة، وبغطاء تقديم المساعدة للأبرياء في الداخل! والذين بدورهم على استعداد لاستقبال الشيطان بالورود طالما يحمل خلاصهم من هؤلاء الوحوش الضارية. ومن بعدها تدور الدوائر على هذه المليشيا الهمجية الباغية، وتُطارد قادتها ومستشاريها ولكن من دون وجهة يتجهون اليها، وفي اعناقهم دماء الابرياء وأنين المشردين وآهات المغتصبات، تصرخ ليل نهار منادية من كل مكان، القصاص القصاص القصاص.

اما سيناريو التدخل الدولي الخشن إذا ما صحت هذه الاستقراءات فهو يخدم اغراض عدة منها:

اولا، القضاء علي هؤلاء الاوباش، بعد استقطابهم من دول الجوار، ومن ثمَّ تحويل السودان لمقبرتهم. لأنهم ببساطة ضد الاستقرار والنظام، الذي تتطلبه الاستفادة من ثروات هذه البلاد وما جاورها.

ثانيا، ثمن القضاء علي هذه المليشيا الهمجية، وكسر شوكة الاسلامويين، هو كما سلف، اعادة ترتيب الدولة السودانية بما يخدم اغراض الرعاة الجدد. وبالطبع الدول الاقليمية العدو وما تدعي صداقتنا لهم نصيب من القسمة! وإلا ما هو الحل لمشاكل دول مثل مصر واثيوبيا تعاني الاختناق السكاني وندرة الموارد، إن لم يكن هذه الدولة الهاملة، تحت سلطة قادتها الجبناء وجنرالاتها البلهاء. وإذا صح ذلك تصبح مشكلة سد النهضة زوبعة في فنجان، لإلهاء السودانيين اولا، وتدمير دولتهم ثانيا، كمقدمة لتقاسمها مع الشركاء الخارجيين.

اما المرعب في هذا السيناريو فهو السماح لهذه المليشيا بالتوسع في الانتهاكات وتدمير المزيد من البنية التحتية للدولة! أي بقول مؤلم، العمل على مسح الطاولة من البشر والحجر لإقامة هندسة جديدة، هي قبل كل شيء لا تخدم ما تبقي من المواطنين. وعليه يكون ثمن هذه التضحيات الضخمة، اعادة انتاج الاحتلال بصورة ناعمة. والحال كذلك، إلا يذكر ذلك بإعادة التاريخ بطريقة مأساوية، عندما يأتي قائد جاهل، يمارس السلطة بطريقة عشوائية، ويستعين بقوات همجية، تشكل تهديد للاستقرار الداخلي والمصالح الخارجية. والله يكضب الشينة ويبطل تشاؤمنا ويبدله خيرا.

واخيرا

هنالك عتابان، اولهما لتقدم،

الرك ليس في صحة الموقف السياسي فحسب، ولكن في كيفية ايصاله للكتلة الحرجة والتأثير فيها لكسب قناعاتها ورضاها ومن ثمَّ دعمها. من هذه الوجهة يبدو ان الكيزان للأسف هم من يربحون الجولة، لمعرفتهم بمزاج هذه الكتلة غير المسيسة والتي تأذت من فظائع هذه المليشيا الهمجية، وتاليا يعلمون كيفية استقطابها واستدراجها لأهدافهم القذرة؟ وهذا ليس لشطارة الكيزان، بقدر ما هو للمواقف الملتبسة لتقدم من مليشيا الدعم السريع، والتي لا يمكن مقارنة انتهاكاتها الممنهجة بانتهاكات الجيش، مهما كان رأينا في هذا الجيش! ولا تصديق خطابها السياسي الذي تكذبه الوقائع على الارض. ومع ان الموقف من ايقاف الحرب هو الصحيح، إلا ان طريقة ايقاف الحرب، تجعلونها تمر بمطلب خروج العسكر من السلطة، وهو بالطبع يشكل خصم على أطراف الحرب، فكيف يستقيم ذلك؟ إلا إذا كان مزايدة لإرضاء الجذريين؟! ومعلوم ان هذا الموقف الاخير يتطلب شجاعة الخروج من المشهد، كثمن لإيقاف الحرب، والذي لابد ان يمر بوجود هؤلاء المتقاتلين في سدة السلطة (وإلا على ماذا يتقاتلون؟ من اجل المواطن ام الديمقراطية؟). أي لابد من تقديم حوافز للعسكر لإيقافها، وليس ترك الساحة للسياسيين كما تشتهي تقدم. ومن بعد ايقاف الحرب، على تقدم السعي لإنجاز اهدافها السياسية ولو بعد حين.

العتاب الثاني، للضباط الكفاءات الذين فصلتهم الانقاذ لمهنيتهم، لماذا يصمتون على هذه الحرب الغامضة؟ وعلي الاخص اداء الجيش وكفاءة قادته، ومدي قدرتهم على ادارة هذه الحرب او ايقافها؟ ويتركون الساحة للانطباعيين امثالنا؟ أهي عصبية مهنية، ام ماذا؟ مع ان القضية تتعلق بمصير الوطن وحياة المواطنين. اين نجد المعلومات الصحيحة عن حقيقة هذه الحرب واغراضها ان لم يكونوا مصدرها الامين؟ لماذا يجعلوننا نهب لسيناريوهات مبنية على الاجتهادات الشخصية، والاستقراءات التي تناسب كل من يتصدى للشأن العام؟ يا هؤلاء افتونا في امرنا يرحمكم الله. ودمتم في رعايته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق