سياسة

حرب على النيل تدفع السودان نحو الهاوية

تصوير: إيفور بريكيت

نيويورك تايمز

إعداد الترجمة: حسام عثمان محجوب

أمضى ديكلان والش وإيفور بريكيت ثلاثة أسابيع في السودان، الذي ظل مغلقاً أمام معظم الصحفيين الأجانب منذ بدء الحرب.

5 يونيو 2024

سوق الذهب أصبح مقبرة للركام والجثث التي أكلتها الكلاب، وتحولت محطة التلفزيون القومية إلى غرفة تعذيب. تم تدمير أرشيف الفيلم الوطني في المعركة، وفسدت كنوزه تحت أشعة الشمس.

تحلق القذائف المدفعية فوق نهر النيل وتقصف المستشفيات والمنازل. يدفن السكان موتاهم خارج أبواب منازلهم الأمامية. يسير آخرون في تشكيلات عسكرية، وينضمون إلى الميليشيات المدنية. في جناح المجاعة الصامت، يكافح أطفال جائعون من أجل الحياة، وكل بضعة أيام يموت أحدهم.

تحولت الخرطوم، عاصمة السودان وواحدة من أكبر المدن في أفريقيا، إلى ساحة معركة متفحمة. أدى الخلاف بين جنرالين يتقاتلان من أجل السلطة إلى جر البلاد إلى حرب أهلية، وتحويل المدينة إلى مركز واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.

لقي ما يصل إلى 150 ألف شخص حتفهم منذ اندلاع الصراع العام الماضي، حسب التقديرات الأمريكية. وتقول الأمم المتحدة إن تسعة ملايين آخرين أجبروا على ترك منازلهم، مما يجعل السودان موطناً لأكبر أزمة نزوح على وجه الأرض. وتلوح في الأفق مجاعة يحذر المسؤولون من أنها قد تقتل مئات الآلاف من الأطفال في الأشهر المقبلة، وإذا لم يتم وقفها، فإنها ستنافس المجاعة الإثيوبية الكبرى في ثمانينيات القرن الماضي.

ومما أدى إلى تأجيج الفوضى أن السودان صار ملعباً للاعبين الأجانب مثل دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران وروسيا ومرتزقة فاغنر، وحتى بعض القوات الخاصة الأوكرانية. إنهم جميعاً جزء من شبكة معقدة من المصالح الخارجية التي تضخ الأسلحة أو المقاتلين في الصراع على أمل الاستيلاء على غنائم الحرب – ذهب السودان، على سبيل المثال، أو موقعه على البحر الأحمر.

قال سموأل أحمد وهو يشق طريقه عبر بقايا سوق شهير، مروراً بمتاجر المجوهرات المنهوبة ودبابة مشوهة، إن المأساة الكبرى هي أن أياً من ذلك لم يكن ضرورياً. قبل عام، في الأسابيع الأولى من الحرب، سقط صاروخ على شقته، وأغلق المختبر الطبي الذي كان يعمل فيه إلى الأبد. والآن عاد لإنقاذ ما يستطيع إنقاذه.

قال وهو يحمل مجموعة من الوثائق التي تم انتشالها من حطام منزله: «لقد فقدت كل شيء»؛ الشهادات المدرسية لأطفاله، ومؤهلاته المهنية، وجواز السفر. وعلى الجانب الآخر من الشارع، كانت بقايا ثلاثة مقاتلين ذابلة تحولت إلى عظام متناثرة بين الحطام.

قال سموأل: «إن هذا المنظر يصيب معدتي بالاضطراب. كان من الممكن تجنب كل هذا».

اندلعت الحرب دون سابق إنذار في أبريل 2023، عندما تحول التوتر بين الجيش السوداني ومجموعة شبه عسكرية قوية ساعد الجيش في تشكيلها – قوات الدعم السريع – إلى إطلاق نار في شوارع الخرطوم.

لم يتوقع كثير من السودانيين أن يستمر ذلك لفترة طويلة. فمنذ الاستقلال في عام 1956، شهدت بلادهم عدداً من الانقلابات أكثر من أي بلد آخر في أفريقيا، وكان أغلبها قصير الأمد وغير دموي. ولكن المتنافسين هذه المرة – الجيش الوطني والقوة شبه العسكرية التي كانت تقوم بمهامه القذرة في فترة سابقة – كانا قد استوليا على السلطة معاً في عام 2021، ثم اختلفا حول كيفية دمج جيشيهما.

العاصمة المختالة أصبحت ساحة معركة:

تحدد الخريطة الخرطوم الكبرى، العاصمة المثلثة للسودان، والتي تشمل الخرطوم من الجنوب، وبحري من الشمال، ومدينة أم درمان من الغرب. تسيطر قوات الدعم السريع على معظم الخرطوم وبحري، ويسيطر الجيش السوداني على الأجزاء الشمالية والوسطى من أم درمان، في حين لا تزال قوات الدعم السريع تسيطر على مناطق واسعة من غرب وجنوب أم درمان.

على الفور تقريباً، مزق القتال الخرطوم ومناطق أبعد منها، في موجات متدفقة اجتاحت بسرعة ثالث أكبر دولة في أفريقيا. لقد أذهل الدمار السودانيين، ولكن لا يبدو أن أياً من الطرفين قادر على تحقيق النصر، بينما تتحور الحرب إلى حرب مدمرة مفتوحة.

والآن هناك إبادة جماعية أخرى تهدد دارفور، المنطقة التي أصبحت مرادفاً لجرائم الحرب منذ عقدين من الزمن. وأصبحت مناطق الزراعة في الجزيرة ساحات قتال في سلة غذاء البلاد. النظام الصحي ينهار. وقد انضم إلى القتال عدد كبير من الجماعات المسلحة، بما في ذلك إسلاميون متشددون ومرتزقة أجانب وحتى متظاهرون سابقون مؤيدون للديمقراطية.

ومع تعثر محادثات السلام التي تقودها الولايات المتحدة، تنهار الدولة السودانية وتهدد بجر منطقة هشة معها. فالخبراء يقولون إنها مسألة وقت قبل أن تتورط إحدى الدول المجاورة للسودان، مثل تشاد أو إريتريا أو جنوب السودان في الصراع.

الصراع في السودان له تداعيات عالمية، على الرغم من أن حربي غزة وأوكرانيا طغتا عليه في كثير من الأحيان. فإيران، المتحالفة بالفعل مع الحوثيين في اليمن، تدعم الآن قوات عسكرية على جانبي البحر الأحمر. كما يخشى الأوروبيون موجة من المهاجرين السودانيين المتجهين إلى شواطئهم. وحذر تقييم حديث للمخابرات الأمريكية من أن السودان الذي ينعدم فيه القانون قد يصبح ملاذاً «للشبكات الإرهابية والإجرامية».

لقد أمضينا ثلاثة أسابيع في أنحاء السودان، حيث لم يتمكن سوى عدد قليل من المراسلين الأجانب من الوصول إليه طوال العام الماضي.

سافرنا من بورتسودان، عاصمة الأمر الواقع الجديدة على البحر الأحمر، حيث لجأ ما يقرب من ربع مليون شخص.

قدنا عبر عواصف رملية وعشرات نقاط التفتيش التي يحرسها مقاتلون عصبيون، حتى وصلنا إلى الخرطوم، المدينة المدمرة حيث بدأت الحرب.

مع اقترابنا من العاصمة، دوت أصوات المدفعية، وحلقت طائرة حربية في سماء المنطقة، وعبر نهر النيل، تصاعد عمود من الدخان الزيتي من أكبر مصفاة في السودان – وهي أحدث نقطة اشتعال في معركة مدن مترامية الأطراف. وبينما كانت المدينة مضطربة، نمنا في منزل مهجور، حيث أخبرنا أحد الجيران كيف قتلت قنبلة أخته في مطبخهم.

لقد كانت مجرد منطقة واحدة من بلد أكبر بثلاث مرات من فرنسا. ومع ذلك، كان من الممكن أن نرى، عن قرب، الضرر الهائل الذي لحق بالعاصمة التي كانت تعتبر ذات يوم جوهرة على نهر النيل – وكيف أنه إذا لم يتم التصدي لها، فمن الممكن أن تزداد الأمور سوءاً.

النهر

تناثرت أصوات إطلاق النار وقذائف الهاون في المياه المحيطة بالعقيد عثمان طه، وهو ضابط في الجيش السوداني مصاب بجروح بالغة، أثناء عبوره نهر النيل في ليلة غاب عنها القمر في نوفمبر الماضي. يتذكر أنه كان هناك جنود جرحى آخرون يتحلقون حوله في القارب، على أمل تجنب التعرض للقصف مرة أخرى، ولكن مات عدد منهم.

وصل العقيد عثمان إلى الضفة الأخرى، وبعد خمسة أيام بترت ساقه اليمنى. وحتى بعد ذلك، لم يشعر بالراحة. أضاف أنه أثناء تعافيه في المستشفي العسكري المطل على النيل، سقطت قذائف على جدرانه أطلقتها قوات الدعم السريع عبر النهر. وقام المرضى بتحريك أسرتهم لتجنب التعرض للقصف أثناء سقوط القذائف.

لقد شكل النيل هوية الخرطوم منذ فترة طويلة، حيث يقترن رافداه في وسط المدينة قبل أن يتدفق شمالاً عبر الصحراء إلى مصر. والآن، يقسم النهر العظيم الخرطوم عسكرياً أيضاً، فهو خط جبهة آخر في العاصمة المنقسمة.

يتحصن القناصة على ضفة النهر تحت جسر عملاق، تم تفجيره أثناء القتال (كوبري شمبات). طائرات بدون طيار تحلق فوق الماء بحثاً عن أهداف. يقول السكان إن جزيرة في وسط نهر النيل (توتي)، حيث كان الناس يتنزهون ويسبحون، أصبحت أشبه بسجن في الهواء الطلق تسيطر عليه قوات الدعم السريع.

قالت الدكتورة مناهل محمد لنا «انتبهوا لخطواتكم»، وهي تقودنا إلى الطابق الرابع من مستشفي علياء التخصصي، المطل على النيل، حيث أتاحت النوافذ المحطمة منظراً بانورامياً صارخاً.

في الشارع المهجور في الأسفل، تجمعت سيارات محترقة حول مبنى البرلمان. وعلى مسافة بعيدة كان هناك منظر وسط مدينة الخرطوم: الوزارات الحكومية والفنادق الفاخرة والمباني الشاهقة التي برزت فوق فقر المدينة، والتي تم بناء الكثير منها خلال الطفرة النفطية في السودان في تسعينيات القرن الماضي، والتي تعرضت الآن للقصف أو التهمتها النيران. من بينها كان يقف القصر الجمهوري القديم حيث أطاح أنصار المهدي، رجل الدين، بالحاكم العام البريطاني للبلاد، تشارلز غردون، وقطعوا رأسه في عام 1885. وقد تصاعد الدخان من القصر أيضاً.

من كثير من النواحي، يعتبر الدمار الذي حدث في الخرطوم بمثابة تصفية حساب تاريخي مرير. على مدار أكثر من نصف قرن، شن الجيش السوداني حروباً قبيحة في الأطراف البعيدة للبلاد، وقام بقمع التمردات من خلال نشر ميليشيات لا تعرف الرحمة. بينما تُركت الخرطوم على حالها، وسكانها معزولون عن عواقب الحروب التي تم خوضها باسمهم.

والآن، انقلبت أقوى مصنوعات الجيش – قوات الدعم السريع، التي خلفت ميليشيات الجنجويد سيئة السمعة التي روعت دارفور في العقد الأول من هذا القرن – ضد الجيش وجلبت الفوضى إلى العاصمة.

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نصف سكان ولاية الخرطوم البالغ عددهم تسعة ملايين نسمة فروا من البلاد. المطار الدولي مغلق، والطائرات الممتلئة بالرصاص مهجورة على المدرج. يقول المسؤولون إن جميع فروع البنوك في المدينة البالغ عددها 1060 تقريباً قد تعرضت للسرقة، كما سُرقت عدة آلاف من السيارات – وقد وصل بعضها لاحقاً إلى النيجر، على بعد 1500 ميل غرباً – في حملة نهب من شارع إلى شارع، معظمها وليس كلها، من قبل قوات الدعم السريع.

قال محمد الضو، وهو مصرفي» «مدينة بهذا الحجم، وهذه الثروة، ولا يبقى منها شيء؟ يجب أن تكون هذه أكبر عملية نهب في التاريخ».

في مستشفي علياء، بددت أصوات قذائف مدفعية الهدوء. وبعد أن حذرتنا الدكتورة مناهل من القناصة، حثتنا على العودة إلى الداخل.

وأضافت أن القذائف ظلت تتساقط على مدى أشهر على المستشفى، الذي كان يعالج في الغالب عسكريين، وكثيراً ما اخترقت جدرانه. مع انقطاع الكهرباء، يجري الجراحون العمليات الجراحية على ضوء الهواتف المحمولة.

جاء الفرج في فبراير عندما استعاد الجيش، المسلح بمسيرات إيرانية قوية جديدة، هذا الجزء من المدينة. (على النقيض من ذلك، تستخدم قوات الدعم السريع مسيرات توفرها الإمارات العربية المتحدة).

وسمح التقدم العسكري بإجلاء مئات من الجنود الجرحى جواً إلى بورتسودان، حيث يرقدون في أجنحة مزدحمة بمستشفي عسكري. أصيب رجل بجروح خطيرة في الوجه جراء غارة بطائرة بدون طيار. وعمليات البتر شائعة.

من بين الأشخاص الذين تم إجلاؤهم العقيد عثمان، الذي جلس على سريره ليعرض سلسلة من مقاطع الفيديو التي التقطها خلال معركته الأخيرة. حيث يمكن رؤية الجنود مبتهجين وهم يهتفون ويتعانقون، معتقدين أنهم انتصروا. بينما يرقد مقاتلو الدعم السريع في التراب وهم ينزفون ويتعرضون للركل أو الاستهزاء من قبل الجنود. تنقلب الكاميرا لتظهر العقيد عثمان نفسه، وهو يتصبب عرقاً بشدة، وعيناه تلمعان من ضراوة المعركة.

لكن الجنود غفلوا عن هدف واحد من قوات الدعم السريع؛ مقاتل، قناص يختبئ في مبنى سكني أطلق النار على العقيد عثمان في ساقه. قال العقيد إنه في وقت لاحق من تلك الليلة، نقله المسعفون إلى مصنع للذخيرة بجانب نهر النيل، حيث شرعوا في رحلة عبورهم المحفوفة بالمخاطر.

كان متشائماً من أن الحرب ستنتهي في أي وقت قريب. وأضاف: «لا يمكن للسلاح أن يحل هذه المشكلة، نحن بحاجة إلى الحديث عن السلام».

جناح المجاعة:

بالنسبة لآمنة أمين، الحرب تعني الجوع.

بعد أن اجتاح مقاتلو قوات الدعم السريع المنطقة التي تعيش فيها من أم درمان، إحدى المدن الثلاث التي تشكل الخرطوم الكبرى، لم يكن لدى السيدة آمنة، 36 عاماً، أي وسيلة لإطعام أطفالها الخمسة.

اختفي زوجها، وهو عامل تنقيب عن الذهب في أقصى الشمال. وفقدت وظيفتها كعاملة نظافة. شارك الجيران ما استطاعوا مشاركته معها، لكن ذلك لم يكن كافياً. وسرعان ما أصبح لديها فمان آخران يجب أن تطعمهما: إيمان وأيمن، التوأم المولودان في سبتمبر.

وفي غضون أشهر، بدأ التوأم يفقدان الوزن ويعانيان من الإسهال، وهي أعراض شائعة لسوء التغذية. ضمت السيدة آمنة طفليها بين ذراعيها مذعورةً وانطلقت يائسةً عبر خط المواجهة مستقلة عربة «كارو» يجرها حمار وحافلة صغيرة للوصول إلى مستشفي البلك للأطفال، وهو المكان الأخير الذي يمكن إنقاذهما فيه.

لم تعلن الأمم المتحدة رسمياً حتى الآن عن المجاعة في السودان، ولكن معظم الخبراء يقرون أن المجاعة واقعة بالفعل في أجزاء من دارفور، وبصورة صادمة، في الخرطوم، واحدة من أكبر العواصم في أفريقيا.

تقول الأمم المتحدة إن أكثر من 220 ألف طفل قد يموتون في الأشهر المقبلة وحدها. ويقول مسؤولو الإغاثة إن الجانبين يستخدمان الجوع كسلاح في الحرب. ويمنع الجيش تأشيرات الدخول وتصاريح السفر والتصاريح لعبور الخطوط الأمامية. بينما نهب مقاتلو قوة الدعم السريع شاحنات المساعدات والمستودعات ووضعوا العقبات الخاصة بهم.

قال توم بيرييلو، مبعوث الولايات المتحدة إلى السودان: «إن أحد أفظع الحالات على وجه الأرض ينحدر في مسار أسوأ بكثير».

في المستشفى، كان توأما السيدة آمنة، إيمان وأيمن، يرقدان بأطراف رفيعة وجلد يشبه الورق. لقد تم إنقاذهم، حتى الآن.

لكن أعداداً متزايدة من الأطفال الذين يعانون من الجوع يصلون كل يوم، وينهار النظام الصحي برمته.

قال الدكتور سهيل البشرى، وهو مسؤول صحي حكومي، إن نصف مستشفيات الخرطوم الخمسين مغلقة، والعديد منها دمر أثناء القتال.

المستشفيات التي لا تزال تعمل منهكة إلى حد الانهيار. ويصل كل يوم مئات المرضى الجدد إلى مستشفي النو، بالقرب من خط المواجهة في أم درمان. كثير من أسرة المستشفي يتشاركها مريضان.

تحدث المرضى عن تنقلهم من حي إلى آخر مع تغير خط المواجهة، حيث يواجهون نقاط الارتكاز التي يحرسها مقاتلون يطلبون المال، ويسرقون الهواتف، ويطلقون النار في بعض الأحيان.

هدى عادل، 30 عاماً، أصيبت بالشلل من الخصر إلى الأسفل بعد أن هاجمتها قوات الدعم السريع. أطلق المقاتلون النار على الحافلة التي كانت تستقلها. (على حد قولها مات ثلاثة ركاب).

جلست أمونة الهادي فوق ابنها حسن، البالغ من العمر 14 عاماً، الذي أصيب برصاصة في بطنه على يد المستنفرين، وهم مجموعات شبابية جديدة تقاتل إلى جانب الجيش السوداني. قالت إن كل أحشائه خرجت مع الرصاصة.

أما مجاهد عبد العزيز فكان يبتسم.

لمدة 10 أسابيع، كان يحاول إزالة رصاصة من ساقه. أطلق أحد مقاتلي قوات الدعم السريع النار عليه عند نقطة ارتكاز بعد أن أدت غارة بطائرة بدون طيار على محطة وقود قريبة إلى مقتل العديد من المقاتلين الآخرين. قال السيد مجاهد: «كان الرجل غاضباً».

بالنسبة لمجاهد، طالب الهندسة البالغ من العمر 20 عاماً، كان ذلك مجرد بداية رحلة بحث شاقة عن المساعدة.

قام أحد المستشفيات بخياطة جرحه، لكنه لم يتمكن من استخراج الرصاصة. المستشفي الثاني لم يستطع ذلك أيضاً. عبر النيل ثلاث مرات، ودار حول العاصمة في حافلات مرت عبر الصحاري وحول جبل. وأخيراً، وبعد رحلة طولها 100 ميل، كان من المفترض أن تكون 10 أميال، وصل إلى مستشفي النو، حيث أخرج الأطباء الرصاصة أخيراً.

منذ وقت ليس ببعيد، كان السيد مجاهد يعتقد أنه جزء من مستقبل مشرق. شارك في الاحتجاجات الجماهيرية المفعمة بالأمل في عام 2019 والتي ساعدت في الإطاحة بالرئيس عمر حسن البشير، الحاكم المستبد للسودان لمدة ثلاثة عقود، وكانت تلك لحظة انتصار للبلاد. بعد عامين، عاد إلى الشوارع، متحدياً ضباط شرطة مكافحة الشغب ورامياً لهم بالحجارة في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أعاق الآمال في الحكم المدني.

يدير بعض المتظاهرين الآن مطابخ للفقراء تقدم الكثير من المساعدات المحدودة المتوفرة في الخرطوم.

لكن مجاهد شعر بالهزيمة.

وقال: قبل الحرب، «كنا نحلم فقط، لقد ولت تلك الآمال».

التشبث بالأمل:

رفع مدثر إبراهيم، 50 عاماً، قميصه لتظهر الكدمات على ظهره، وهو دليل، على حد قوله، على قضاء أسبوع محتجزاً في معتقل قوات الدعم السريع داخل مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون القومية السودانية. وقال إن آسريه ضربوه بقضبان حديدية وكابلات كهربائية: «شعرت بالموت ألف مرة».

وفي مقر التلفزيون في أم درمان، رأينا أدلة تدعم ادعاءاته. تم تعليق الحبال والقيود الأخرى من الغرف المزودة بالقضبان في الإدارة المالية، وتناثرت أكوام من البراز الجاف على الأرض، وامتلأت الجدران القذرة بالأسماء والدعوات ومقتطفات من الشعر.

جاء في إحدى الكتابات: «غدار دموعك ما بتفيد».

وعبارة أخرى «أصدقاء للأبد» ضمن قائمة من ستة أسماء.

وكان معظم مجمع هيئة الإذاعة والتلفزيون في حالة خراب. تم حرق المبنى الرئيسي بالغارات الجوية، في حين دمر إطلاق النار أرشيف الأفلام الذي يعود تاريخه إلى الأربعينيات، وهو أحد أكبر الأرشيفات في أفريقيا. قال الجنود إن قوات الدعم السريع تراجعت عبر النهر، لكن بعضهم تركوا وراءهم حكمتهم الخاصة في زمن الحرب.

وجاء في سطر مكتوب على أحد الجدران: «طالما أن الموت مؤكد، فلا تعش كالجبان». (لم ترد قوات الدعم السريع على مزاعم التعذيب وغيره من الانتهاكات على أيدي مقاتليها).

مع احتدام القتال، رفض بعض سكان أم درمان المغادرة. وقال إدوارد فهمي (73 عاماً) وهو جالس في باحة منزله المتواضع في المدينة القديمة، حيث عُلقت صور المسيح على كل جدار: «لقد ولدنا هنا، ونشأنا هنا، وسنموت هنا».

وبقي إدوارد وابنة عمه جانيت نعيم (50 عاماً) في مكانهما حتى مع تساقط القنابل. أصيبت السيدة جانيت برصاصة طائشة أثناء ذهابها لجلب الماء. وقالا إنه عندما توفي اثنان من أقاربهما، قاما بدفنهما خارج باب منزلهما الأمامي، وأطلعونا على كومي تراب محفورين حديثاً.

إدوارد وجانيت مسيحيان أرثوذكسيان (قبطيان)، وهما شاهدان على التنوع الديني والعرقي المتصل لبلد كانت صورته مشوهة في كثير من الأحيان بسبب ثلاثة عقود من الحكم الإسلامي القاسي. وتهدد الحرب الآن بالقضاء على هذا الثراء أيضاً.

في كنيسة مارمينا القبطية الأرثوذكسية، تسللت أعمدة من الضوء المغبر من خلال ثقوب في لوحة جدارية للسيد المسيح، ثقبت أثناء القتال. قال أندروز حنا، وهو رجل أعمال محلي، أن الأسقف فر بعد أن اقتحمت قوات الدعم السريع منزله وأطلقوا النار وهتفوا «أين الدولارات؟».

وعندما وصل السيد أندروز بعد ساعة، كانت الأرضية ملطخة بدماء القس الذي كان يحمي الأسقف من ضربات البندقية. وأضاف أنه بعد ذلك تمت مداهمة مصنعه من قبل المقاتلين الذين استولوا على 8000 دراجة نارية وركشا. وبعد أسابيع، فرت عائلته.

قال أندروز: «نحن نحب هذا البلد. المشكلة هي أن لديها الكثير من الجيوش».

ووفر شيخ الأمين عمر، وهو رجل دين صوفي يتمتع بشخصية كاريزمية في نفس الجزء من المدينة، ملاذاً نادراً من القتال. وقال: «كان علي أن أبقى».

وقال إنه آوى حوالي 1000 شخص في مجمعه المترامي الأطراف في المدينة القديمة لأكثر من عام.

وقال إن الأسر كانت تأكل من مطبخ مشترك وتجلب المياه من نهر النيل. وأخذنا في جولة حول مسجد وصيدلية جيدة التجهيز وشقق. ساعد أتباعه في دفن الموتى، وكانوا يؤدون الذكر في الليل، وهو رقصات تعبدية تمثل تعبيراً عن الروحانية الصوفية، قال عنه شيخ الأمين: «إنه يهدئ نفوسنا».

لا يزال مطبخ الحساء يقدم وجبات الطعام. وقال شيخ الأمين، وهو رجل طويل القامة يرتدي عباءة خضراء واسعة، إنه دفع ثمن كل ذلك من جيبه الخاص. وأضاف أنه بالإضافة إلى إدارته طريقة صوفية إسلامية لها فروع في لندن ونيويورك ودبي، فهو أيضاً رجل أعمال يمتلك منجماً للذهب وشركة لتصدير اللحوم.

قبل الحرب، تعرض الشيخ لانتقادات في بعض الأحيان بسبب خياراته البذخية، مثل استئجار طائرة خاصة لحضور بطولة كأس العالم في قطر عام 2022، لكن عمله الخيري الآن نال الثناء.

وقال سليمان بلدو، وهو محلل سوداني مخضرم: «في وقت الحرب هذا، أصبح الشخصية الأكثر شعبية في البلاد، يحتاج الناس إلى شيء إيجابي للتمسك به».

وفي مكان قريب، مررنا بجدارية عملاقة مثقوبة بإطلاق النار تحمل كلمة «الحرية»، وهي من بقايا احتجاجات عام 2019. وفي الشارع، كان الرجال يتجمعون فوق وعاء من العدس المغلي وهم يستعدون للعودة إلى منازلهم المدمرة – وهي بادرة أمل حذرة مع استمرار الحرب.

قال محمود مصطفى، سائق التوكتوك وهو يمسك بوعاء طعام بلاستيكي: «سيكون لنا مستقبل جميل إن شاء الله».

ولم يتراجع محمود حتى عندما انطلق وابل مدفعي آخر مرسلاً المزيد من القذائف عبر نهر النيل.

المليشيات:

استدارت مئات من الشابات اللاتي يرتدين ملابس سوداء، في انسجام تام، وسرن عبر ساحة مدرسة في أم درمان في وقت مبكر من صباح أحد الأيام، ليكن أحدث المجندين في صراع سريع التوسع.

بدأت الحرب كنزاع بين رجلين – قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان. لكن منذ الخريف الماضي، عندما أثارت سلسلة من انتصارات قوات الدعم السريع قلقاً واسع النطاق، انضمت جماعات مسلحة متكاثرة إلى القتال، ومعظمها يدعم الجيش. هناك متمردون من دارفور، وميليشيات عرقية، وإسلاميون موالون للرئيس السابق البشير، وآلاف من الشباب، نساءً ورجالاً، تم تجنيدهم من الشوارع.

وحتى الشبان السودانيون المثاليون الذين خاطروا بحياتهم ذات يوم للاحتجاج ضد البشير، ثم ضد الجيش لاحقاً، انضموا إليهم.

ومن غير الواضح ما إذا كانت الميليشيات هي التي ستحسم الحرب، أو ستتسبب في خروجها عن نطاق السيطرة تماماً. لقد انزلق الجيش السوداني إلى الحرب لأنه أوكل القتال إلى مجموعة قوية، هي قوات الدعم السريع، انقلبت عليه في النهاية.

والآن، يقول المنتقدون إن الجيش يواجه خطر تكرار هذا الخطأ من خلال تمكين المزيد من الميليشيات.

حتى أن بعض القادة العسكريين يشعرون بالقلق. ففي مارس حذر عضو القيادة العسكرية العليا، الفريق شمس الدين الكباشي، من أنه ما لم تتم السيطرة على الميليشيات، فإن «الخطر التالي سيأتي منها».

وبعد أيام، وبخه قائد آخر، الفريق ياسر العطا، الذي قال إن الجيش «بارك» الميليشيات الشعبية.

وقال: «يمكن تصحيح أي أخطاء ونحن نمضي قدماً».

مخزن الأسلحة:

كانت الصناديق الخشبية متناثرة عبر مستودع الأسلحة الذي قمنا بتفقده بجوار مقر مهجور لقوات الدعم السريع. وقد تم بعناية إزالة أي علامات تعريفية – أرقام تسلسلية أو أدلة أخرى – توضح من قام بتزويد الأسلحة. يبدو أن القوى الأجنبية التي تغذي الحرب في السودان تحرص على محو آثارها.

ومع ذلك تبقت هناك شواهد.

فقد تزايدت انتقادات المسؤولين الأمريكيين لدولة الإمارات العربية المتحدة، أكبر راعٍ أجنبي للحرب. فلديها مصالح واسعة في مجال الذهب والزراعة في السودان، وقبل الحرب وقعت اتفاقاً لبناء ميناء بقيمة 6 مليارات دولار على البحر الأحمر. وذكرت صحيفة التايمز أنها قامت منذ العام الماضي بتهريب الأسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر قاعدة في تشاد، في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

وعلى النقيض من ذلك، دعمت مصر الجيش السوداني. لكن العديد من المسؤولين الغربيين قالوا إن تحول الجيش في الآونة الأخيرة إلى إيران للحصول على طائرات بدون طيار وأسلحة أخرى هو الذي أثار القلق في واشنطن.

ويبدو أن روسيا ساعدت كلا الجانبين.

في وقت سابق من الحرب، قال محققو الأمم المتحدة أن مرتزقة فاغنر زودوا قوات الدعم السريع بصواريخ مضادة للطائرات. وسافر الروس في وقت لاحق إلى الخرطوم، حيث قاموا بتدريب المقاتلين على إسقاط الطائرات الحربية العسكرية السودانية، حسبما قال اثنان من كبار المسؤولين السودانيين قدما أسماء الروس وتفاصيل تحركاتهم.

وقال السودانيون إن ما يقرب من عشرين من عناصر فاغنر لا يزالون في العاصمة اليوم، معظمهم من المجندين الليبيين والسوريين، يشغلون مسيرات ويطلقون قذائف الهاون لصالح قوات الدعم السريع.

حتى أن الوجود الروسي دفع أوكرانيا إلى نشر فريق صغير من القوات الخاصة لمواجهة عدوها في الخارج من خلال مساعدة الجيش السوداني في الخرطوم.

لكن موقف روسيا ربما تغير منذ وفاة مؤسس فاغنر، يفغيني بريجوزين. فبعد زيارة قام بها المبعوث الروسي للشرق الأوسط إلى بورتسودان في أبريل، قال ضابط سوداني كبير مؤخراً إن السودان مستعد للسماح للبحرية الروسية بالوصول إلى موانئه، وهي رغبة قديمة لموسكو، مقابل الأسلحة والذخيرة.

إن التدخل الأجنبي يحبط الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة والسعودية للتوصل إلى وقف إطلاق النار، على الرغم من أن النقاد يقولون إن حتى تلك الجهود لإنقاذ السودان كانت ضعيفة بشكل مخجل. ويحذرون من أن البلاد تتجه نحو صراع طويل الأمد يمكن أن يؤدي إلى الفوضى أو الإقطاعيات المتنافسة، مثل الصومال في التسعينيات أو ليبيا بعد عام 2011.

ومن الممكن أن تمتد الحرب بسهولة إلى خارج حدود السودان. فهي تسبب بالفعل توترات داخل الأجهزة الأمنية في تشاد، وقطعت عائدات النفط الحيوية عن جنوب السودان. والآن تهدد باستدراج إثيوبيا، ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان.

يتهم مسؤولون سودانيون إثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع. وفي الوقت نفسه، وقفت إريتريا، العدو التقليدي لإثيوبيا، إلى جانب الجيش السوداني. وقال مسؤولون وجماعات إغاثة إن آلاف المتمردين من منطقة تيغراي المضطربة في إثيوبيا يتمركزون في معسكر بشرق السودان – وهو جزء من مزيج قابل للاشتعال يهدد بفتح جبهة جديدة في الحرب.

ويريد بعض السودانيين في المنفي بشدة أن يتدخل العالم الخارجي. لكن ، كما يقولون، حتى الآن، أدى هذا إلى تفاقم الأمور.

فقد قال إبراهيم البدوي، وزير المالية السابق الموجود الآن في القاهرة: «إنه جنون محض»، داعياً إلى إرسال قوة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة لإنقاذ بلاده من الانهيار.

وأضاف أن «شعب السودان يطالب بذلك، لقد طفح الكيل».

العنف في السودان:

أدى القتال بين فصيلين عسكريين إلى دخول السودان في حالة من الفوضى، مع تدهور خطط الانتقال إلى ديمقراطية يقودها المدنيون.

• ما يجب معرفته: يتنافس جنرالان – أحدهما مدعوم من الجيش السوداني، والآخر مدعوم من مجموعة شبه عسكرية قوية – على السلطة في الدولة الإفريقية في صراع بدأ عام 2023. وقد فر الملايين من السودانيين، لكن الكثيرين عالقون في مناطق الحرب يكافحون من أجل البقاء.

• أطفال من بين عشرات القتلى: تظهر مقاطع الفيديو قيام القوات شبه العسكرية بفتح النار على القرية الواقعة في المنطقة التي كانت تعتبر سلة الخبز في السودان، مما تسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين في حرب وحشية.

• نحو الهاوية: أدى عام من القتال إلى تحويل العاصمة السودانية الخرطوم، التي كانت ذات يوم مختالة، إلى ساحة معركة متفحمة. والآن تهدد المجاعة واحدة من أكبر دول أفريقيا.

• الخوف من الأسوأ: تصاعدت المخاوف من تجدد المذابح العرقية في منطقة دارفور السودانية، حيث أسفرت أعمال الإبادة الجماعية عن مقتل ما يصل إلى 300 ألف شخص منذ عقدين من الزمن، وسط هجوم وشيك على مدينة الفاشر المحاصرة.

ديكلان والش هو كبير مراسلي صحيفة التايمز في أفريقيا ومقره في نيروبي، كينيا. سبق له أن عمل من القاهرة، حيث كان يغطي الشرق الأوسط، ومن إسلام أباد، باكستان.

إيفور بريكيت مصور فوتوغرافي مقيم في إسطنبول. قام بتغطية صعود وسقوط داعش في العراق وسوريا أثناء قيامه بمهمة لصحيفة التايمز. وفي الآونة الأخيرة كان يعمل على قصص تتعلق بالحرب في أوكرانيا.

رابط التقرير الأصلي باللغة الإنجليزية:

https://www.nytimes.com/2024/06/05/world/africa/sudan-khartoum-darfur-war.html

husamom@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق