ثقافة وفن

(عن دار بدوي ومنشورات دار عندليب – الطبعة الأولى ٢٠٢٤)

سجينة ... دانا حنّا

سيرة امرأة مخطوفة لربع قرن

مقدمة قصيرة

أنا لا أقرأ المقدمات ولا أكتبها، ولكن هذا الكتاب بالذات يحتاج تقدمة. إنها سيرة ذاتية، لسيدة سورية، أنا شخصيًا لا أعرف اسمها الحقيقي، فهي تستخدم اسمًا مستعارًا، وتعيش في مدينة صغيرة بالنمسا تحت مراقبة الشرطة. كتبتها باللهجة الشامية وفي بعض المواقع بالفصحى أو لغة وسطى، أعني أنها كتبتها باللغة التي تعرفها، ببساطة وتلقائية حيثما أخذتها الحكاية وكيفما.

التقيت بها صدفة. عندما عرفت بأني كاتب، طلبت أن تحكي لي شيئًا خاصًا جدًا، ولأنني، كما هي العادة دائمًا على سفر، قلت لها: اُكتبيه وأرسليه لي بالبريد الإلكتروني. قالت إنها لا تعرف كيف تكتب على الحاسوب، وليس عندها بريد إلكتروني.

علَّمتها كيف تفتح ملفًا، وكيف تحرِّر النص. لم يأخذ الأمر سوى أسبوعين. قبل أن أسافر مرة أخرى. وذات مساء وجدت في بريدي الإلكتروني بعضاً مما كتبتْ. قرأت الصفحات الأولى. حسنًا، لم يكن الأسلوب الذي كتبت به جيدًا، وهذا طبيعي حيث لا خبرة لها في الكتابة الإبداعية أو كتابة السيرة الذاتية. كانت تستخدم أسلوب الاختصار، شرحتُ لها أسلوب المباشرة، وأعطيتها أمثلة، وعندما أرسلت لي فقرات أخرى، بعد شهور قلائل؛ كانت قد فهمت الدرس: كل هذا ليس مهمًا. المهم هو ما كتبته. تلك التجربة الغريبة والمدهشة التي عاشتها سجينةً في بيت عشيرةٍ سورية لمدة 24 عامًا، أنجبت فيها عددًا من الأطفال.

عندما نشبت الحرب في سوريا، استطاعت أن تهرب، وفي معيتها أربعة أطفال، من بينهم طفلتان اغتصبهما الأب نفسه. ولسوء الطالع، لحق بهم الأب السجّان المغتصِب، الذي اختطفها وهي طفلة في طريقها للمدرسة. بلَّغت عنه. حُكم عليه بالسجن مع وقف التنفيذ، والآن هو حر، يبحث عنها مرة أخرى.

إنها قصة سيدة تعيش في دوامة من الرُعب. دون اسم، دون عنوان، ودون طمأنينة. ولكنها كتبت بحريةٍ ودون قيد. الكتابة أصبحت ملجأها الوحيد.

لم أغيِّر شيئًا في هذا النص، تركته كما كتبته السيدة، بالعامية الشامية أو بما شاءت. أردت له أن يظل وثيقةً إنسانية طازجة، طبيعية وأصيلة. ما قمتُ به هو ليس سوى إرشادٍ فني وبعض التحرير الضروري. لظروف نفسية معقدة، استغرق إنجاز هذه السيرة الذاتية ثلاثة أعوام ونيف، ولأسباب أمنية بحتة، لا أفضِّل كتابة اسمي أنا أيضًا، واكتفي بالتوقيع أدناه.

الدمباري

22.1.2023

مقدمة المحرر

بدت الحكاية التي سردها صديقي الدمباري على مسامعي عبر أثير الهاتف نسيجاً من الخيال. ظننت أنه يبالغ في الأحداث التي تدور عن صديقته لما أعلمه عن خصوبة خياله واتقاد ذهنه عندما يشرع في سرد الأقاصيص.

انتهت المحادثة لأظل أفكر، لوقت قليل، فيما اجترحه خياله هذه المرة. أسندت كل ما سمعته منه إلى روايته الجديدة التي حدثني عنها من قبل. قلت لنفسي أنه يحاول بعث حكايته في جوِّ المؤانسة بأجنحة المبالغات المعروفة عنه في رواياته. هو روائي معروف ومشهور، وملعون أيضاً كما يحلو له أن يصف نفسه. لم أصدق كلمة مما قاله واعتقدت أنه يمازحني بإحدى شخصياته الروائية ليرى تأثري بأحداثها المختلَقة. توصّلت إلى أنه يختبر أمراً ما، ثم نسيت الأمر برمته بعد أن قادني فكري إلى هذه النتيجة.

بعد أيام تذكَّرت ملحوظته لي بمراجعة الرسائل، لأطلع على الملف الذي قام بإرساله. تفحصّت الرسائل وبالفعل وجدت الملف وفي أول صفحتين وجدت تقديمه لكتاب صديقته، وقد غيَّر اسمه متخفيّاً وراء اسم مستعار (الدمباري)!

بحق السماء فيم كان يفكر حين اختار هذا الاسم الأسطوري الذي يُعبَّر به عن سائس الجراد في بادية غرب السودان. هكذا تساءلت، استيقنت من صحة ما ذهبت إليه منذ البدء. وفكرت أن مهارته في الاختلاق قد وصلت حداً فائقاً. لم يخالجني شك في أن الملف يحوي روايته الجديدة، وأنه يمارس لعبةً سردية ما. ركنت الملف ومنيت نفسي أن أعود له في وقت لاحق.

لم تمض أيام قلائل، وكنت قد نسيت ما حكاه لي عن السيدة دانا، وهذا اسم شخصيته التي حدَّثني عنها.. حتى وردتني مكالمة فيديو منه على غير العادة، فهو ليس من النوع الذي يتصل بالآخرين كثيراً لانشغاله بكتاباته في غالب وقته. رددت على المكالمة، طالعني وجهه وبعد سلام سريع سألني عن الملف. وقبل أن أجيبه قطع تفكيري الباحث عن إجابة مناسبة بقوله: «أنا مع السيدة دانا».

كان أول ما طرأ بذهني: الرواية الأولى التي قرأتها له. إنه معروف بتلاعبه بالقارئ. شعرت بأني مقبل على حالة ما ذات خصوصية وغرابة، ربما تقمّص شخصيته الجديدة أو حدث تداخل من نوع ما! خصوصاً أنه ومنذ سنوات لم يتصل بي. كل ما يفعله للتواصل هو أن يفلت رسالة قصيرة، باقتصاد شديد في كلماتها، ولضرورة ملحّة. حرصه على وقته يشعرني أنه يقيسه بالثواني الضوئية! كل تلك الأفكار تبدّدت من رأسي حين أزاح الكاميرا إلى يساره وملأ وجه دانا الشاشة. وفعلاً، اتضح أنه توجد دانا في الأمر!

ما جعلني لا أصدق ما ذكره الدمباري عن دانا، هو غرابة القصة التي حكاها عن سجينة ومن سجنها هو زوجها. وأن زوجها هذا قد قام بخطفها ثم تزوجها. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ وإنما اغتصب الرجل وتحرش بأبنائه من سجينته. كل ما ذكره في حكايته، لغرابته، هو ما شكَّل موقفي السابق وإن كنت لم أصرح له بذلك، ولكن ها هي دانا تطل من الشاشة، وكما قال الدمباري، لتحكي لي قصتها بنفسها.

والمطلوب مني ببساطة، أن أُعين السيدة دانا على تحرير قصتها وإخراجها في كتاب، أعني الملف الذي أرسله الدمباري. يعتقد الدمباري أنه ساعدها على الكتابة لسنوات وفي المرحلة الأخيرة من العمل لم يعد لديه ما يكفي من الوقت فاقترح على السيدة دانا الاستعانة بي للتحرير النهائي للكتاب. وبعد أن انتهت المحادثة معهما، والتي سأتطرق لجزء منها، رجعت إلى الملف الضخم وقرأته مرتين. يمكن أن نصف السيدة دانا بالكاتبة الجيدة التي تحتاج إلى القليل من الدعم والملاحظات والتوجيهات اللازمة لإخراج الكتاب بحلةٍ جيدة. وهكذا اتفقنا على أن أكمل مع السيدة دانا ما بدأه الدمباري، ليفرغ نفسه لعجن الطين والتفنّن في خلق جديد.

     هذه القصة من سيرة حياة السيدة دانا مأساة حقيقية، ولكن في دانا نفسها روح قوية، وطريقة تمتاز بها في حكاية سيرتها تُشعِر من يسمعها أن ما يسمعه أمر عادي. تقول إنها تجاوزت بالكتابة مرارة التجربة كأنها أفرغت آلامها على الورق وحلقّت بخفةٍ من أرضنا هذه المليئة بالبشاعة والفوضى واللامعقولية.

في محادثتنا تلك، استمرت دانا في سرد قصتها في مدة قاربت أن تكمل ساعتين اثنتين. تحكي ويعلِّق الدمباري على بعض الأحداث أحياناً، وكنت أسأل، سألت كثيراً لأن ما كنت أسمعه منهما يدرُّ الأسئلة، بل يحصدها حصداً ويلقي بها إليهما عبر الأثير من السودان إلى النمسا. وفي كل مرة كان أحدهما يجيب. أُقسم أن الدمباري برهن ساعتها أنه يعرف تفاصيل سيرة دانا ظاهراً وباطناً!

المدهش في كل ذلك أن دانا كانت تحكي أبشع الأحداث وأكثرها بعداً عن الإنسانية، وعلى وجهها تحطُّ ابتسامةٌ واسعة، مراراً، كفراشةٍ في نزهة. هي جميلة جداً، أعني دانا. بمعنى أنني لمّا سألتها «لماذا قام الرجل بخطفك؟» كان ذاك السؤال الذي طرحته وإجابته واضحة أمام عيني في الشاشة. وأجاب عنه الدمباري.

دانا لبنانية حسناء فائقة الجمال، وفي جمالها كانت تكمن نكبتها. هام بها شخص سادي مختل عشقاً وقرر أن يختطفها من طريق المدرسة. كانت وقتها في الرابعة عشر من عمرها. وانحرف مسار حياتها إلى حياة جديدة مريعة، وقاسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

أنهينا المحادثة بعد أن اتفقنا على تبادل أرقام التواصل، باقتراح من الدمباري. وعندما رجعت للملف علمت أن لدينا عمل كثير. هناك كثير من الأحداث التي ذكرتها دانا في المكالمة ولم يرد ذكرها في مخطوطة الكتاب. وهناك فراغات زمنية تدفع للتساؤل عما جرى فيها من أحداث. وهناك حشو كثير رأيت أنه لا يهم القارئ ولا يؤثر حذفه في تفاصيل السيرة الذاتية.

تواصلت مع دانا وقررنا أن نتحدث مساء كل يوم للعناية بكل الملاحظات واستدراك كل ما ينقص الكتاب، وحذف كل ما يزيد بلا ضرورة تستدعيه. اتفقنا أن نفرغ من صياغة الكتاب من الغلاف إلى الغلاف في خلال عشرة أيام. أستطيع أن أجزم بفرادة هذه التجربة الكتابية. التي اضطرتني للتوغل في أكثر المناخات الإنسانية حلكةً وسواداً ولكن كما ذكرتُ فدانا بالطريقة التي تقود بها من يستمع إليها قادرة على تلطيف المأساة.

ولكن لا يعني ذلك أن الوجع في داخلها قد زال، هو موجود وإنما تسيطر عليه في ركن من نفسها. عندما كنا نتحدث وثالثنا الدمباري ذكرتْ عبارةً ارتطمت في ذهني برنّةٍ مختلفة. قالت: «إني حمدتُ الله على الحرب لأنها خلَّصتني من سجني».

فهل يمكن أن نقارن بين بشاعة وبشاعة، وكارثة وكارثة، ونكبة ونكبة، إلا في سيرةٍ كهذه! لاحظت أن دانا في سيرتها انشغلت بسرد الأحداث وتفاعلها الوجداني مع كل حدثٍ، ولكنها أهملت تماماً ذكر أسماء أفراد عائلتها، فكانت تكتفي بالإشارة إليهم بصفة القرابة: أمي، أبي، جدي، جدتي، خالتي… الخ. فاقترحت عليها أن نصبغ على هؤلاء أسماء مستعارة لتُتاح للقارئ قراءةً سلسة ومتابعةً ميسورة. لم تمانع ذلك، فوضعنا لكل شخصيةٍ اسماً لها، ولها منه نصيب كما أرادت.

ولكنها بصورة صارمة، رفضت أن تغيِّر الاسم الذي كَنَّتْ به عن زوجها وخاطفها. فهو المغضوب عليه. وطوال هذه السيرة لم تدعه إلا بالمغضوب. وهكذا صار للجميع أسماءً، وواحد فقط لا يستحق اسماً. وسيطلُّ على قارئ هذه السيرة بهذا الاسم: (المغضوب).

زياد مبارك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق