ثقافة وفن

القصة القصيرة في العالم العربي … الإنتاج المعرفي

د. محمد بوزكري

تتبدى مكانة العديد من النصوص النقدية أثناء محاورة مقولاتها ومفاهيمها، في قوتها المعرفية المتميزة التي تقف عند ما ينتسب للعلم وما ينتسب لغيره. إن ما سنتطرق إليه في هذا المحور سيوضح -لا محالة- الحمولة المعرفية التي يتضمنها النص النقدي والإضافة النوعية للفكر النقدي العربي، تجاوزا للتصورات النقدية السابقة التي قوضت قراءة الخطاب القصصي، وحصرته في رؤية ضيقة، لم تفتح عوالمه النصية، بل سلمت بالمعنى الأحادي للنص، فكسرت بذلك امتداده التاريخي وراهنيته، ونسفت ما جاءت به نظرية التلقي ذات التصور المبنى أساسا على تعدد القراءات للنص الواحد.

     انطلاقا من هذا المعطى النقدي القائم على حصر النص في معنى واحد نهائي، أضحت ملحاحية الحاجة إلى الـتأويل والتحليل تكبر، لتتخذ النصوص موقعها الفني والجمالي بله التاريخي، ضمن سيرورة الحركة النقدية، واستمرارها المواكب للتطور في تجلياته المختلفة، ومرافقتها  للإنسان كذلك في أبعاده الكونية. وبما أن الخطاب السردي بشكل عام يمتح مادته من الحياة والإنسان، فإنه لا ينفك يخفي أكثر مما يظهر من حقيقته، على اعتبار أن المرجعية النصية البانية له، تقوم على فعل التخييل، ومادام الأمر كذلك، فالرموز والعلامات والأكوان السيميائية الأخرى، هي الخيط الناظم التي تصل النص بتحققه الخارج النصي، لكن فهمها يظل مستعصيا إلا إذا استدعينا الـتأويل الذي يحفر في كيانات النصوص، مستجليا دلالتها المتحققة والممكنة.

قبل الدخول في تفاصيل معطيات هذا النص النقدي، يؤشر حميد لحمداني أن هذا الكتاب الصادر حديثا في طبعته الأولى سنة 2015، كان سيولد ولادة قيصرية قبل عشرة أعوام من تاريخ الإصدار، لكن مسار الاهتمام بالمشاريع الكبرى للبحث العلمي كان وراء هذا التأخر حيث تم تكليف الناقد بتسيير مشروعين أكاديميين الأول في مجال «النقد الأدبي المعاصر» والثاني في موضوع «البحث النقدي ونظرية الترجمة».

هذه المدة ما بين فكرة إصدار الكتاب بالقوة إلى الإصدار بالفعل، كانت كافية لإعادة النظر في تحليل العديد من النصوص القصصية، لأن واقع البحث في الإنسانيات متجدد وفي تغير دائم. إن الرحلة التي قام بها حميد لحمداني بين ثنايا الكتب والنظريات، قراءة وتحليلا وترجمة، أكسبته خبرة جديدة في مجال الكتابة والتأليف، كان صداها جليا في كتبه المتأخرة بانهيار مبدأي للمسلمات والخطط الجاهزة بناء على ما استحدث واستجد في العلوم والمعارف.  يقول الناقد «وأخيرا رجعنا قبل حوالي ثلاث سنوات إلى تقليب أوراق ملف هذا الكتاب بعد أن تزودنا في هذه الرحلة العلمية الطويلة بتصورات متعددة ومناهج وآليات تحليلية جديدة، ولذا كان لا بد من إعادة النظر في الكتاب، واستكمال ما كان من الضروري استكماله، وخاصة محاولة انتقاء عينات قصصية متنوعة من دول عربية أخرى».

يضمر هذا القول فكرة معقولة تتناسب مع خيارات الناقد المبنية على المحو والتحويل وإعادة الصياغة، وهي الانفتاح على تجارب إبداعية أخرى غير التي كانت مقررة للنقاش والتداول، مبينا لنا بشكل غير معلن، التأثير الذي يمارسه علينا فعل التراكم القرائي في توجيه مسارات الاشتغال النقدي ولعله هو الأمر الحاصل في هذا المؤلف الذي أرغم صاحبه على التفكير في رؤية منهجية موحدة تجمع ما بين ما كان وما هو كائن معبرا عن ذلك بقوله «ولقد كانت المهمة الصعبة هي كيف يمكن تحويل الكتاب إلى وحدة منسجمة بعد مرور هذا الزمن، وكيف يتم تحيين جميع الوسائل المنهجية في تحليل ومعالجة النصوص القصصية المعتمدة».

أما في مدخل الكتاب الذي خصص لتحديد مفهوم « النص» ومفهوم « القص» فيتضح لنا أن سلطة القارئ كانت موجها كتابيا للناقد حميد لحمداني انطلاقا مما أسماه في إحدى حواراته « بتليين المعارف « وهذا لا يعني شيئا سوى أنني ضد التعالي على القراء في تقديم المعرفة أو رفع سقف التعبير  إلى مستوى يصبح فيه ما بقي في ذهن الباحث أكثر بكثير مما سمح بمنحه للقراء». لكن ألا يمكن القول إن ما اعتبره الناقد تليينا للمعارف يخل بفعل الكتابة باعتبارها إبداعا «وادعاء كونيا يفوق الذات الفاعلة ويتمدد من فوقها متجاوزا إياها وكاسرا ظروفها وحدودها. ويكون النص هنا أكبر من صاحبه وأقوى وأخطر، ويتحول الكاتب من فرد عادي إلى نموذج ثقافي يتسم بصفات وجودية وصور ذهنية وهيئات تخيلية تتجدد فيه وتتولد له مع تقلب حيوات النص» ما تؤكده محمولات هذا العمل، الذي برهن على خصوصية الفعل (الكتابة) بما هو إبداع منظم منهجيا ونظريا، وفي الآن نفسه فعلا مخصوصا موجها لفئة لها حد أدنى من المعارف المتعلقة بالسرد والثقافة والمنهج تكسب الوجه الثاني (القراءة) حيويته وفعاليته.

تؤمن هذه الإضاءة المبدئية لسياق إنتاج هذا النص، الطريق لممارسة معرفية جادة قائمة على تمثل اشتراطات الابستمولوجيا بناء على نتائج النظريات النقدية واقتراحاتها المنهجية. بل إن تحقيق ذلك مرتبط بشكل مباشر بناقد النقد، ثقافته وموسوعيته ورؤيته الكلية للأشياء والظواهر، لأنه لا يمكن «أن يؤدي وظيفة الابستمولوجي من ليس له اختصاص علمي ضيق».

إن مهمة الابستمولوجيا ستكون في هذا الجانب هي متابعة أثر المعارف النظرية والمناهج الأدبية في إنتاج (النقد الأدبي)، وهذا التحديد يتضمن تعريفين للإبداع والنقد مخالفان تماما لما نادت به التصورات التقليدية التي تعتقد بنص قار الدلالة «تستخرج منه في كل العصور بشكل ثابت، إنه بنية لغوية تتأثر بالتغيرات الطارئة في الحقول الثقافية خلال الحركة التاريخية، ولذلك يأخذ النص في كل زمن دلالات ومعان مختلفة كما يفقد أو يأخذ قيما جمالية متفاوتة الدرجة تبعا لنوعية القراء في مسار التاريخ»، كما يمكن في الآن نفسه، «اكتشاف جملة العوائق التي تعوق عملية إنتاج المعرفة والتي يمكن تسميتها بالعوائق النقدية». وحري بنا أن نشير في معرض حديثنا عن مهام الابستمولوجيا أن التحديد الذي أقاماه  كل من باشلار وبياجي يمكن اعتباره عطف بيان وليس عطف نسق، بل لأن الباحث الابستمولوجي الذي يقتفي أثر المعارف العلمية في بنية الفكر سيجد نفسه لا محالة يبرز تطور المفاهيم وطريقة بناءها.

ينتزع نقد النقد الأدبي إذن، باعتباره ممارسة ابستمولوجية -لأنه يجمع بين ما تفرق لدى الفيلسوفين-  وبناء على الاستنتاجات المنهجية المتوصل إليها- أحقية الانتساب إلى معرفة المعرفة كما هو مبين في الخطاطة الآتية:

مهام الإبستمولوجيا

تتبع أثر المعارف العلمية في بنية الفكر                البحث في تطور المفاهيم العلمية        (غاستون باشلار) (جان بياجي)

مهام نقد النقد

تتبع أثر المعارف النظرية والمنهجية في النقد البحث في تطور المفاهيم ومرجعياتها

وحدة منهجية متماسكة ومنطقية

يخلص حميد لحمداني في مدخل الكتاب الذي خصصه لتحديد مفاهيمي لمفهومي النص والقص، إلى القول الآتي: «مع هذا التعريف المنفتح لم يعد النص مستودعا قارا للدلالة تستخرج منه في كل العصور بشكل ثابت، إنه بنية لغوية تتأثر بالتغيرات الطارئة في الحقول الثقافية خلال الحركة التاريخية، ولذلك يأخذ النص في كل زمن دلالات ومعان مختلفة كما يفقد أو يأخذ قيما جمالية متفاوتة الدرجة تبعا لنوعية القراء في مسار التاريخ»

ويقول أيضا: يتبين لنا أن مفهوم القص «مفهوم فضفاض يتسع لجميع أشكال الحكي التي عرفها التاريخ الإنساني، مرورا بالحاضن الأكبر وهو التأريخ وما يتضمنه من أخبار وكل أشكال التعبير التي جاءت موازية أو ظهرت مع تطور حياة الإنسان مثل الأساطير والحكايات والخرافات والملاحم والروايات والقصص القصيرة والومضات القصصية».

تقودنا هذه الإضاءة التي قدمها الناقد حميد لحمداني لمفهومين شائكين كانا مدار نقاشات أكاديمية وحلقات معرفية عند ثلة من المبدعين والنقاد غربين وعرب، أمثال، رولان بارت وتوماشوفسكي، وامبرتو ايكو، وإيزر وفلاديمير بروب وكلود بريمون ومحمد الخطابي ومحمد مفتاح …إلخ، إلى الاعتراف بالحصافة المنهجية التي يتمتع بها الناقد في إثارة انتباه القارئ المفترض والمحتمل لموضوع الكتاب ولطريقة قراءته. فإذا كان مفهوم السياق يحيل على القرائن الدالة وعن المقصود من الخطاب وأثره في تحديد المعنى، فإن الاشتغال به  في هذا الموضع يمكن عده خيارا منهجيا لدى الناقد، انفرد به لتأمين المسافة ما بين القارئ والمقروء تفاديا لأي لبس قد يسيء لعملية القراءة.

ينتقل الناقد بعد هذا التحديد المنهجي والمفهومي إلى الحديث عن اشتغال منطق القصة القصيرة، آخذا بعين الاعتبار التصويبات التي قدمها كلود بريمون لعمل بروب في كتابه منطق الحكي»، الأمر الذي سيمكننا من تتبع أثر المعارف النظرية والمنهجية التي انطلق منها حميد لحمداني.

عند تأملنا للتحليل الذي قدمه الناقد « لقصة المؤامرة» لأحمد بوزفور، تبين لنا أن مسعاه قاده إلى اكتشاف عناصر جديدة، تشكل جوهر منطق اشتغال القصة، و أن ذخيرة المتقبل وأفقه التأويلي نهائي ومحدود، الشيء الذي جعله يفكر في إعادة تشكيل وعي نظري عند القارئ بما يمكنه من إدراك بنية وظائف السرد وخصائصه، بهذا المعنى يمكن القول «إن الكتابة الفنية القصصية، رغم كونها محكومة في خطها العام بقانون منطقي يحدد الاختيارات الرئيسية، إلا أن هناك هامشا فنيا ومنطقيا يبقى في حوزة الكاتب وحده، بحيث يتعذر على القارئ مهما تسلح باليقظة أن يكتشف المفاجأة الفنية التي يحتفظ بها المبدع عند اللحظة الأخيرة». فالكاتب يحاول جذب اهتمام القارئ باستبعاد القراءة المسترسلة من خلال مضاعفة المثيرات الضرورية لفك مجمل النص.

يطرح هذا الاستنتاج الجزئي، أطروحة كلود بريمون (منطق الحكي)، للتقييم والمساءلة من جهة التأويل الرياضي للحكي (1+1=2)، وإخراجها إلى (اللامنطق) أي أنه لا يمكن للمتلقي أن يتوقع نهاية أي قصة، وأن عليه أن يعيد تأويل جميع العناصر السابقة لبناء المعنى.

إن «هذه الحقيقة تدعونا إلى تسجيل ملاحظة أساسية بصدد فكرة بريمون فهو ينطلق من مبدأ أن العناصر المدروسة قبل حصول النتيجة في أي قصة، تحمل في ذاتها جميع الدلالات والاحتمالات الممكنة لتوقع ما سيحدث لا حقا، وعليه فكل ما يأتي بعدها إنما هو شيء مكمل وتابع، ومن ثم فهو لا يحدث أي تغيير على فهم العناصر السابقة، والحال أن الدراسة التطبيقية التي أنجزناها تبرهن أن النتيجة نفسها باعتبارها لاحقا يمكن أن تجعلنا نعيد النظر في تلك الأجزاء السابقة من الحكي التي كنا قد اتخذناها وسيلة لوصف شبكة الاحتمالات الممكنة».

منطق الحكي عند بريمون

الانطلاق من العناصر المدروسة                             توقع ما سيحدث لاحقا

قبل حصول النتيجة        

الانطلاق من العناصر المدروسة                                 عدم توقع ما سيحدث لاحقا

قبل حصول النتيجة

منطق الحكي (المكتشف) حميد لحمداني

يبدو أن الناقد في إطار تحليلاته لنماذج من القصة القصيرة في العالم العربي، والتحقق أيضا من بعض الفرضيات النظرية (منطق الحكي مثلا)، يقوم بالمتا سرد، أي بعدم حصر قراءة النصوص القصصية في جانب تمثل المنهج وأدواته، بل يتعدى ذلك إلى التنبيه إلى الفجوات التنظيرية الموجودة في الخطاب، والعمل على اقتراح بدائل ممكنة كما وضحنا أعلاه.

استنتاجات عامة:

نستنتج مما سبق تحليله، أن ممارسة النقد الأدبي يتخذ أشكالا وتجليات، وأن تأويل الإبداع الأدبي، شعرا ورواية وقصة، يخضع لمتغيرات وتحولات النظريات المعرفية، كما يخضع في الآن نفسه إلى شروط سوسيو ثقافية متغيرة على الدوام، تشتغل باعتبارها ثابتا إجرائيا.

إن الرجوع إلى تجربة الناقد حميد لحمداني في مجال الكتابة النقدية، يتبين لك أن هذا الفعل متمرحل زمنيا، بمعنى أنه لم يكن يبحث عن شرط إمكان وجود مقاربة منهجية صالحة وممتدة، بقدر ما كان الرهان على المساهمة الفعالة في بناء تجربة نقدية وفق خصوصية محلية، تنضبط فيه الأنساق التأملية، أفكارا ومنهجا وبنية مفاهيمية لعنصر الملاءمة والإنتاج.

لقد بدأ الناقد حياته العلمية بإصدار علمي موسوم « من أجل تحليل سوسيوبنائي للرواية». هذا النص النقدي الذي شكل فرصة للناقد لحميد لحمداني، لاستثمار معطيات الفهم السوسيولوجي للرواية استثمار أبان فيه عن قدرة إبداعية  في الخلق والتجديد والتموقع.

لكن ما إن أثبتت الدراسات البحثية قصور المناهج السياقية في معالجة المادة الأدبية وظهور بدائل نظرية مثل «نظريات القراءة» حتى تحول الحديث إلى الاهتمام بالقارئ ودور هذا الأخير في إنتاج المعنى. ومن ضمن الأعمال التي اهتمت بهذا الجانب نجد « القصة القصيرة في العالم العربي ظواهر بنائية ودلالية» التي تبدت بالنسبة إلينا وحدة شمولية تناسبية، تنم عن إدراك متقدم لجوهر النقد وآليات اشتغاله.

إن هذا الكشف وهذه المساءلة للنقد في إطار ممارسة ابستمولوجية مفتوحة تقوم على المنهاجية العامة لنقد النقد الأدبي، هي ما تدفع الباحثين إلى المزيد من الاقتراب إلى الموضوع الأدبي، اقترابا علميا مبنيا على مستجدات الدرس النقدي وخلاصاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق