ثقافة وفن

قراءة في رواية الثلوج الغاربة

فضيلة الفاروق

أريد أن أشيد أولا بملتقى النساء الأفريقيات، و النادي السوداني الذي ينشط في الغالب بفضلهن، مع حفظ الألقاب و الفضائل و ما بعدهما من لواحق.

و أريد في البدء أيضا أن أشكر جميع صديقاتي و أصدقائي السودانيين في بيروت و على رأسهم صديقتي سمر خيري لأنها أهدتني نسخة من هذه الرواية التي جمعتنا اليوم لكاتبها الفاتح كامل و التي تحمل عنوان : « الثلوج الغاربة»

و هي كما لم أتوقع أبدا رواية بديعة جدا، و جميلة جمال الزمن الجميل الذي نذكره كأطلال نحن إليها و لا نظير لها في حاضرنا.

أيها السيدات و السادة أنا لا أبالغ، و الكاتب لا تجمعني به سوى لغة نصه و تفاصيل روايته، و شهادتي اليوم شهادة من أجل إرضاء ضميري لا غير،  و أقول لكم بكل ثقة أنها رواية تستحق أن تقرأ، و هي كما كل الأشياء الثمينة التي تزخر بها أفريقيا المعرّبة و تغطيها غبائر اللامبالاة التي عادة ما تهب علينا من هذا المشرق الذي نحب و نقدّس. 

و أصدقكم القول أني حين بدأت بقراءتها تضايقت، من طول المقدمة و الكلام الذي لم يخدم الرواية عن الروائي السوداني الكبير الطيب صالح رحمه الله، و كان يمكن إدراج كل ذلك الكلام إن كان ولابد في نهاية الكتاب لا في بدايته، لكن هذه لم تكن مهمة الكاتب بل الناشر. و الناشر لم يقم بدوره كما يجب و سأذكر النقائص التي لمستها و كان يجب تفاديها.

أدركت شغف الكاتب بما أبدعه يراع إبن بلده الروائي الكبير الطيب صالح، و الذي التقيته العام 2005 في القاهرة و اندهشت أنا الأخرى بمقدار التواضع الذي جبل به، حتى أن عظمة إسمه و عظمة روايته الشهيرة  « موسم الهجرة إلى الشمال» لا تأثير لهما على سلوكه، و ترحابه بالجميع من محبيه و معجبيه. بسيط بساطة أهل السودان الذين عرفت بعضهم هنا في بيروت، مدينة الأقنعة الأقنعة و الكرنفالات الدائمة …

لا علينا فالمدن تتلون بأمزجة أهلها، و نحن القادمون إليها لا حول لنا و لاقوة سوى تقبلها كما هي و التأقلم معها. أما بيروت تحديدا فهي رغم كل فجورها –خاصة بعد الحرب –  تبقى قبلتنا الأولى نحن الكتاب و لهذا أعتقد جئت إليها و جاءها أخونا الفاتح و نشر روايته فيها ، و إن لم يقدم كتابه كما يليق به فالعتب على « مزاج ناشره» الذي لم يهتم لا بالغلاف و لا بتقديم الكاتب في كلمة صغيرة في الغلاف الأخير، و لا بتصحيح النص من أخطائه المطبعية .

الحق الحق أقول لكم لو أن هذه الرواية نشرت في نفس الدار و لكن على أيام مديرها السابق بشار شبارو لجعلها شمسا تشرق بين شموس الأدب العربي، و لأني قرأت الكثير من الأدب العربي  و خاصة الرواية فإن الثلوج الغاربة تشريح دقيق لمرض الأمة العربية و ليس مجرّد حالة سودانية رواها الكاتب في صيغة قصصية.

و مقارنة مع « موسم الهجرة للشمال» للطيب صالح، فإن الرواية تدور في الأفلاك نفسها، و هذا لا يعني أن الكاتب كاتبنا الفاتح تأثر بمعلمه الطيب و لكن أعتقد أننا جميعا عالقون في هذه العلاقة الصدامية مع الغرب من روسيا إلى أميركا مرورا بأوروبا. و عيوننا المكحلة بمفاهيم شرقية محضة معادية لهذا الغرب سواء كان قاسيا أو حنونا علينا.

حتى أن الفضاء المكاني الحاوي لأحداث الرواية يمكن تغييره، فيبقى مسار السرد نفسه. و سواء كان هذا الفضاء بريطانيا كما عند الطيب صالح أو موسكو كما عند الفاتح كامل أو فرنسا كما عند أغلب الكتاب المغاربة فإن الراوي الذي يمثل ثقافتنا حانق من تلك الإختلافات الثقافية التي تجعلنا أكثر حرارة من غيرنا، مازجين كل عواطفنا في علاقات متنوعة و مختلفة و نريد أن نعامل بالمثل.

التهميش الذي صنعه الغرب الإستعماري، و من بعده الإدارة السيئة لإستقلالنا عنه ، نعوّضه في نصوصنا الأدبية بالجنس و الفحولة الذكورية التي تهزم نساء هذا الغرب الفاجر المتكبر المغرور الذي يسعى لسحقنا حتى بعد سحقنا مرات و مرات…

و هذا الإسقاط ليس بجديد على الأدب، لأنه لبنة حياتية أسستها الطبيعة و ليس نحن، لكن من الكتاب من ينجح في توظيفها و من الكتاب من لا ينجح و كأنه « طفل أنابيب» ولد في مختبرات و أوعية من زجاج و برادات  و لم يعرف معنى الجنس لا من بيئته و لا من تجاربه، فتجد التركيبات التي يقدمها هؤلاء مثيرة للسخرية و سخط القارئ العربي.

بالنسبة للثلوج الغاربة حبكة القصة مدهشة، و تلاقي أفرادها حتى العمق الحميمي كانت جميلة و جارحة تماما كما الوقائع التي تركها التاريخ خلفه دون إكتراث.

أيها الحضور الجميل…

عادة ليس من حقنا أن نفكك العمل الروائي ثم نقدمه للقارئ، لأننا نصنع خلفية تسيء لذائقته الخاصة. و ليس من حقنا أن نضع أصابعنا على ما نراه مخالفا لأذواقنا، لأن لكل كاتب منظوره الخاص لرؤية الحياة و قراءة معالمها، لهذا أكتفي بهذا القدر مما قلت، و أشجعكم جميعا على اقتناء الرواية مع توقيع الكاتب لأنها رواية جميلة و بعد أن تقرأوها أمطروا الكاتب بتعليقاتكم و امنحوها حيوات جديدة و بثوا فيها من أرواحكم ما يكفي لجعلها في واجهة الأدب العربي لأنها تستحق، و لأن القارئ المحترم يستحق نصا ناضجا و جميلا وسط هذا الركام الذي يحيط به من كل الجهات .

و أخيرا و ليس آخر إن شاء الله دعوني أشد على يراع الكامل و أتمنى أن يتحفنا بالمزيد المشابه لهذه الرائعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق