ثقافة وفن

ما لم يقله الكاتب … حوار عن الكتابة

حوار مع الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن

في لحظةٍ ما؛ قال لي عبد العزيز بركة ساكن إنه يفكر في كتابةِ كتابٍ عن الكتابة في العام المقبل 2024، قلت له إنه سيكون الكتاب الأكثر أهمية في كلّ رصيده. وبشكلٍ خاص لفتَتْه هذه العبارة ليسألني عمّا وراء رأيي هذا. لم أكن أعلم أن هذه العبارة ستدفعه للشروع في الكتابة في أعقاب هذه المحادثة، وإنهاء الكتاب قبل دخول العام 2024. قلت له ببساطة لأنني أحبّ هذه النوعية من الكتب، أحاديث الكتّاب عن تجاربهم في عالم الكتابة، إضاءاتهم للكواليس التي أعدّوا فيها نصوصهم، كشفهم عن المطبخ والأدوات والوصفات والمقادير. باختصار كل سِيَر الكتّاب فأنا شغوف بها، غير أن ما يميّز هذه الكتب أنها تصبح أدلّة وكشّافات للكتّاب الناشئين، أي أنها تأخذ بيد الكاتب الذي يخطو الخطوات الأولى في الكتابة. وفيما يتعلّق بالتجربة الخاصة بعبد العزيز بركة ساكن، فهي سيرة كتابة الروايات التي أحبّها جمهور عريض سيبحث بلا شك في هذا الكتاب عن كواليس هذه الأعمال. قلت له: إذا وجدت كتابك عن الكتابة ورواياتك وقصصك، ولم أكن قد قرأت أيًا منها، فشخصيًا سأترك كل ما كتبتَه وأعمد إلى كتابك عن الكتابة.

ورغم أن هذا اختيار شخصيّ محض، فقد كان هذا الرأي كفيلًا بأن يعيد بركة ساكن ترتيب أولوياته، ويبدأ مباشرة في كتابة الكتاب. هذا عادي فكثيرًا ما نرتب أشياءنا وفق استبصار جديد ومعطيات طارئة، ولكن، بطريقة جارفة تختزن كثيرًا من الشغف، انكبّ بركة على الكتابة لمدة اثنتي عشرة ساعة يوميًا، وكان يرسل في بريدي شوطه اليومي، وإذا غاب يومًا فيرسل شوطين في اليوم التالي. هي تلك الحالة من اندفاعِ وحمّى وهوسِ الكتابة. كيف لا؟ هو الكتاب الأهم. أظن أنني بشكل لم أقصده جعلت الرجل يخصّص نصف يومه لنقر الكيبورد إلى أن انتهى. وتشكّلت ساعات جانبية من الأحاديث المطوّلة تدور كلها عن الكتابة بالطبع، وعن أمرين تحديدًا: عمّا أرسله في بريدي وكنت أقرأه على الفور، وعمّا يرغب في كتابته لاحقًا. لكن عليّ أن أشهد بصدقه حين ذكر أنه يكتب في أي مكان، وأن كل ما هو يحتاج إليه هو فقط: كرسي وما يكتب عليه.

لأنني في هذه الأحاديث اليومية، والتي كان موضوعها الكتاب، كنت أتلقّى اتصالاته كلّ مرّة من مكان مختلف، من باريس، وبرلين، وزيورخ، وسالفلدن، وفرانكفورت، ومدنٍ نسيت أسماءها ولا أعرف أين تقع، غير أنها في أوروبا التي يتجوّل في أنحائها ببطاقته كلاجئ فضّل ألا يتقيّد بأوراق دولةٍ بعينها. ليست الغرابة هنا، بل لأن الكتاب انتهى من الغلاف إلى الغلاف في شهرٍ واحدٍ فقط، وهذه الأسفار تجعل منه بعثًا معاصرًا لابن بطوطة الكاتب الرحّالَة. ومهما يكن، فقد انتهى الكتاب. وجدته في البريد وقد أضاف إليه الفصل الأخير وذيّل اسمه في الصفحة الأخيرة وتاريخ فراغه منه. حادثته: «لقد كتبتَ اسمك!». قال: «نعم، انتهيتُ من الكتاب». أظنني كنت مُحبِطًا حين قلت: «لا يمكن طبعًا، أين ذهبت أحاديثنا عن الكتابة؟ والقصص التي قصصتها عن الكتابة؟!».  واقترحت أن يذيّل الكتاب بحوارٍ يغرفُ فيه من تلك الأحاديث، بعضها أقصد، وابتهج للاقتراح.

كوني شاهدًا على تلك النوبة الكتابية التي استخرجت كتابًا في شهرٍ واحدٍ من بطن الكاتب، فأستطيع تفهّم أن الخمود الذهني الذي يعقب حالة التوهج الذهني التي تلازم الكتابة يفرز حالة من الإحباط، أو الاكتئاب المزاجي الخفيف، لأنه بحسب د. عبد الستار إبراهيم، الأديب والطبيب النفسي، فهي حالة طبيعية بعد فراغ المبدع من أي عملٍ إبداعي، لأن الاشتغال الإبداعي بشكل ما هو علاجي ويفرّغ طاقات المبدع النفسية، وبانتهائه يُحبَط، ومن ثمَ يبحث عن إنشاء إبداعي جديد، وهكذا دواليك في رحلة الكتابة. وحين استنكرت انتهاء بركة ساكن من الكتاب فأظن أنني دفعت إليه بجرعة إضافية. ولكن كانت تلك الأحاديث هامّة، نعم لا يمكن إيرادها كلها بحذافيرها، كما لا يمكن تجاهلها تمامًا، لأنها أجزاء رأيت أنها مهمة من سيرة الكاتب والكتابة معًا.

في البدء، وعندما كان الكتاب فكرة تجول في رأس الكاتب، حكى لي قصته مع طلّاب الفصل بمدرسة فرنسية في حصة «تعليم الكتابة»، وكانت الحصة الأولى. طلب منهم الخروج من الفصل والذهاب إلى دورات المياه، وبعد أن عادوا كان واجبهم الأول الكتابة عن دورات المياه المدرسية! هناك فلسفة في اختيار الموضوع وتطبيقه منذ الحصّة الأولى، تتعلق بالتفاصيل التي يجب على الكاتب أن يلاحظها ويلتقطها من الواقع ثم يراكمها في نصّه ويصفها. فهذه إذن هي الكتابة، ليست المواضيع بل ملاحظة التفاصيل مهما كانت مُهْمَلَة أو غير هامّة أو لا تستحق الكتابة عنها. وعلى طريقة الكاتبة العراقية سلام خياط: «كتابة الأشياء المألوفة بطريقةٍ غير مألوفة».  وذلك لا يكون إلا من لدن الراصد الكبير، الذي: «له أربع عيون وأنف ضخم وأذن ثالثة وحاسّة سادسة وإهاب سميك، ولا بأس إن اِحتفظ بلسانٍ واحد والذي قد لا يحتاج له إلّا للضرورة القصوى!».

وكان عليّ أن أسأل حين ذيّل بركة ساكن اسمه كقفلة غير متوقعة للكتاب: «أين قصة الطلّاب الفرنسيين؟ وأين، وأين، وأين؟». حكايات كثيرة سمعتها ولم ترد. وهكذا، بشكلٍ ما، أظنني كنت محققًا بوليسيًا يفتّش في جيب الكاتب عن القصص المسروقة من الكتاب! ولكن ما ذلك إلا لأنها قصص رائقة، وأحببتها. مثل هذه القصة وهي مصادفة، أو هي قصة ومصادفة معًا: عندما فرغ بركة ساكن من الفصلين الأولين قال إنه سيكتب في الفصل الثالث عن محن الكاتب الستة. «جميل!». وهي كذا وكذا. «اوكي!». وفي اليوم التالي أرسل لي أول ما خطّه، وهكذا كالمعتاد. حتى وصل إلى الجزء المتعلّق بـ «محنة النشر». وهنا تكمن المصادفة. تلقيت في البريد هذا الجزء، ومعه رسالة أخرى محوّلة من بريد بركة ساكن، وصلته في نفس اللحظات التي كان يكتب فيها عن محنة النشر، من أحد الناشرين. باختصار أرسل إليّ ما كتبه عن محنة النشر، بمعيّة المحنة ذاتها!

سأفصح عن فحوى رسالة الناشر، بدون زيادة أو نقصان. طالب الناشر الكاتب عن طريق مستشاره القانوني بتعويض قدره 50 ألف دولار، وذلك لأنه انتهك حقوق الناشر. وكيف ذلك؟! في الحقيقة فالكاتب نفسه لا يدري، فآخر ما يذكره عن ذلك الناشر أنه أعفاه من تنفيذ بنود العقد المالية التي تساوي أكثر من نصف هذا المبلغ، أي تنازل له عن حقوقه المالية التي يفترض أن تعود إليه من مبيعات أكثر من عشرين كتابًا، لعامين، بعد أن طلب منه فقط: ألا يعيد طباعتها وتوزيعها، وكفّى الله الكتّاب والناشرين شر القتال! وفي اليوم التالي أكمل الفصل بعد أن أورد هذه القصة، وفي يوم آخر حذفها من ثنايا الفصل، لأنه حسب رؤيته لم يقرّر الكتابة للتشهير بأحد. وأُحيل الأمر إلى القضاء حيث تُحلّ مثل هذه الأمور. مع اتهامه لهذه القصة بأنها هي من أقحمت نفسها في الفصل بعد أن تسلّلت من الأحداث اليومية التي رافقت الكتابة، لتطلّ برأسها في فصل مِحَن الكاتب!

عم سيد؛ الورّاق في شارعٍ ما بأسيوط؛ في فترة الدراسة بجامعة أسيوط، هو حالة إنسانية مبهِرَة، محبّ للمعرفة ومانح لها أيضًا بلا مقابل. في سيرة بركة ساكن وهو في تكوينه الأولي ككاتب، أي في مرحلة القراءة وإعداد القاعدة المعرفية اللازمة للكتابة، لم يكن يمتلك ثمن الكتب ولكن لم يكن ذلك ضروريًا، حيث يمنحه عم سيد كرسيًا بجانب بسطة الكتب، وكوب شاي، وليقرأ ما شاء وقتما يشاء. عندما زار بركة ساكن القاهرة لاحقًا مرّ لرؤية صديقه القديم، ولمّا لم يجده سأل عنه، فقيل له إنه توفي. سأل عن عنوانه ليزور أبناءه ويعزيهم في فقدهم. وهكذا سافر إلى قرية بعيدة بالقطار، وقدّم تعازيه لأهل عم سيد، وحكى لهم أنه كان يغدق عليه العطاء بالكتب ليقرأها حين كان فقيرًا لا يقدر على شرائها. سألته: «لماذا ذيّلت اسمك قبل أن تكتب عن عم سيد؟!». أظنني أشعرته بالذنب وكرّهته اسمه الذي كتبه في الفصل الأخير، قبل أن أذكّره كل لحظة بهذه الجريرة.

الجنقو؛ الرواية الأشهر لبركة ساكن، كتب عنها في فصل الإلهام. أعتقد أن الضروري من قصة كتابتها قد ورد في الفصل، أي الإلهام. ومع ذلك فالرواية المروية على لسان الكاتب فيها من التفاصيل الكثير والمثير. هي قصة الكاتب الذي يعيش مع أبطال روايته لسنوات وذلك لهدف واحد، الكتابة عنهم، فالمدّة والتجربة نفسها والمشاهدات وكل التفاصيل من الصعب حشدها لأنها هي ذاتها تتطلّب كتابًا كاملًا. لكن هناك قصص وتساؤلات ليس ثمة إجابة عنها إلا في بطن الكاتب. من هو ود أمونة؟ الإجابة الشائعة بين الكثيرين أنه شخصية وزير حكومي بعينه، أو فلان بعينه. ولكن، ببساطة هو شخصية رآها الكاتب في تلك البيئة، وفي رحلة البحث عن الرواية، نسج حولها خيوط الخيال، ولا نستطيع أن نلومه بالطبع إن شابهت هذه الشخصية شخصيات واقعية. وهكذا هي كواليس الكاتب تتضمّن من أسرار الكتابة بحيث تفصح عن الأقل وتحتفظ بالكثير المؤسِس للنصّ.

على أي حال، كان ما سبق تمهيدًا لحوار من تسعة أسئلة، ربما جنح للسيرة الغيرية لأن الكاتب لم يقل كل شيء، أو لم يكتب كل شيء بتعبيرٍ أدقّ. لكنه تمهيد للحوار أراد أن يكون سيرة للكتاب في هامش سيرة الكاتب. ما أحبّ ألا يفوتني ذكره، أن بركة ساكن وهو صديق الرقيب الدائم كما هو معروف عنه، يتعامل مع الأمور، وهذا الأمر تحديدًا، بطريقة غير نمطية أو معتادة. ليس لديه غبن تجاه الأمر، ولا يختزن لمن منعوه من النشر غلّا في صدره، وهو يعرفهم بل ما زالت علاقاته معهم طيبة، كأنهم كانوا يصادرون حقّ أحدٍ غيره. في الحقيقة وجدته يومًا يكتب تعليقًا لأحد الروائيين عن روايته الجديدة التي أرسلها إليه، طبعًا لم أستوعب لماذا يفعل ذلك وهذا الكاتب بالتحديد كان ممن يكتبون التقارير لمصادرة كتب بركة ساكن! وليس لديه مانع أن يقول لأحد هؤلاء الذين حاربوه كثيرًا؛ في آخر المحادثة: «اتصل بي في أي وقت، لنحكي عن ذكرياتنا الجميلة». وإذا صُودرت كل كتبه سيقول ببساطة، إذن لأغادر البلاد وأبحث عن مكانٍ صالحٍ للكتابة!

أُعدّ الحوار لإضافته كملحقٍ لفصول كتاب «الجِنّيُّ الذي قالتْ أُمِّي مريم إنَّهُ يُملِي عليّ القصصَّ»، أحدث كتب عبد العزيز بركة ساكن والذي سيصدر قريبًا عن دار تكوين الكويتية، وسطّر فيه سيرته الذاتية وورشة عن مهارات الكتابة وأشيائِها الأخرى.

حاوره: زياد مبارك

> في ضفيرة الإبداع والقهر يجد الكاتب نفسه في مواجهة ثالوث الذات والزمان والمكان، ويبدو منجزه الإبداعي كمجسّم يشيّده من تجاوز هذا الثالوث النفسيّ المعقّد، فحيث القهر وتجاوزه ثمّة الإبداع إذ لا ينشأ الإبداع إلا بذلك. تتضح في خماسيّتك الروائية التي تصبّ في الهجرة والأمكنة (الغراب الذي أحبّني) المحاولةُ لتجاوز قهر المكان لك كمبدع، وبتوصيف أكثر دقّة كمبدع مهاجرٍ أمضى تطبيعًا مع عدم الاستقرار في مكان بعينه، هذه المحاولة في الخماسية تناولت المكان البعيد في أوروبا، والمكان القريب المُستدعى سرديًا من مسقط الرأس كما في رواية (وفي الليلة السابعة استراح، سيرة خشم القربة السرديّة)، وهذه المدافعة مع المكان، لقهره، باعتبار أن القراءة هنا ليست للنصوص بطريقة محايِثة وإنما بقراءتنا للكاتب والنصوص معًا، تختلف عن المحاولة في رواية الجنقو، وهي رواية من سرود المكان بامتياز، ومكمن الاختلاف في أنك في هذه الخماسية تظهر بمقادير متفاوتة في شخصياتك الروائية المهاجرة. مما يستدعي السؤال: ما الذي يمثّله المكان في روايات الهجرة في الخماسية؟ بالنظر إلى أنك حزمتَ خمس روايات في كتاب واحد بخلاف ما اعتاد القراء منك، فهل يستدعي قهرك للمكان كل هذه النصوص؟ ومن منكما سيقهر الآخر في النهاية؟

< هي محاولة عقد صلح مع المكان، أو تنظيم هدنة ما، أكثر مما هي معركة علاقة بين قاهر ومقهور؛ مع العلم أنه لا يمكنني الادعاء بأن هذا المستوى مفقود، فالصلح والهدنة يأتيان بعد معركة قد تكون حامية الوطيس.

منذ أن غادرت السودان، غادرت لغة المكان التي أعرفها وأجيدها، وطوال ترحالي، ربما في لا وعيي، كنت أبحث عن مكان أعرفه أو يسهل التعرف على لغته، ولكن دائمًا ما أجد الأبواب مؤصدة، فأحزم أمري وأمضي في رحلة أخري.

فيما يخصّ خماسية الغراب الذي أحبني؛ لقد بدأت كتابة أول نص منها في العام 2013، أي في السنة الثانية منذ وصولي للمهجر، وتلك كانت «رواية الرجل الخراب»، هل أعدّها مقاومتي الأولي ضد قهر المكان؟ أم هي مغازلة له. تحضرني وصية الروائي عيسى الحلو «يكتب جيدًا من يكتب عمّا يعرف جيدًا». بالتالي يصبح المكان ضمن الشخصيات السردية التي في النص، وعلى أن أبنيه بمعرفة، مسترشدًا بذاكرته، ومهتديًا بتحوّلاته التي تقابلها التحوّلات النفسية للشخصية، وحياته، فالمكان يُولد وينمو ويشيخ ويموت. إنه مثل الإنسان تمامًا. وعندما تمرّ بالمدن القديمة المندثرة التي أصبحت مزارًا للسياح، أول ما تلاحظه هو قبور الأمكنة. ولمن هو أكثر أهبة أن يسمع صراخ الأرواح ويشاهد الأشباح الشاحبة وهي تقفز بين هنا وهناك، ويشمّ رائحة الحنوط. يحدثُ ذلك حتى في القصور التي تم تحديثها وتجديدها وطليها بألوان باهية من الزيت. فما هو تحت قناع الموتى الفرعوني المرصع بالذهب، ليس سوى جثة.

فللمكان أسراره أيضًا، وهو لا يفصح عنها إلا بالتدرّج في سلم المعرفة والحب أو الكره. تحتاج معرفة أسرار المكان لنوع من العاطفة. فرواية «وفي الليلة السابعة استراح» التي وسمتها بذاكرة خشم القربة السرديّة، تفضح علاقتي بالمكان، بل عشقي لكل صخرة وشجرة وكوم تراب به. كنت أتحايل على المهجر بدعوة الأصدقاء لأخذ أدوار مفترضة في النص. إنه تعويض عن الأُنس الطبيعي، الذي مكانه القرية نفسها، بين جدران بيوتنا البسيطة ووسط أسرنا وفناجين القهوة. تلك كانت مؤانسة، إنها فكرة ضد التوحّش والغربة وضيق لغة الأمكنة التي أرتادها يوميًا.

ويصدق ما كتبته عن «وفي الليلة السابعة استراح»؛ على رواية «سجين البرزخ» التي استعدتُ فيها شخصيات ونصوصًا من رواياتي السابقة، مثل ود أمونة وصلاح سعد ومستر جين ومسز جين وألم قشي وغيرهم. ولكن، الفكرة الكبرى من وراء ذلك، كانت التجريب، أو ما أطلقت عليه كولاج ذاتي  Self-collagلأن الرواية تتكون من نصوص وحكايات وشخصيات وأمكنة وأزمنة متجزئة من روايات لي، تم إنجازها ونشرها في سنوات سابقة، وهذه المجزئات تكوَّن نصّاً روائيًا جديدًا. وتعود كلمة ذاتي هنا، كما هو واضح، في أن المتجزئات هي نصوص للكاتب ذاته، لم تؤخذ من مصادر أخرى، كما في الروايات التي اُسْتِخْدِمَتْ فيها تقنية الكولاج من قبل.

> الرواية هي فن بناء الشخصية، دعني أمضي معك من خلال شخصية ود أمونة، الشخصية التي اتخذت طابعها الخاص كأيقونة دالةّ على كتلة بنائية معيّنة من الصفات الانتهازية. هذه الشخصية نجحت في اختراق الوعي الجمعي لتستقرّ كأيقونة مثل شخصية مصطفى سعيد وكل الشخصيات الروائية التي شكّل بناءُها السردي حاجةً معيّنة لدى الجمهور المتلقِّي وأشبعها من تلك الناحية. حاولت في رواية (سجين البرزخ) من الخماسية إعادة استثمار ود أمونة وبعثه من جديد في هذه الرواية. هل تخشى على هذه الشخصية من الموت والنسيان؟ أم هي حالة نوستالوجيا سردية؟ أم ذلك ضمن لعبة المغامرة السردية والقفز في حقل التجريب؟ أم يمكن للكاتب أن يتعلّق بإحدى شخصياته وبشكلٍ ما يحاول ألا يدعها تفلت؟ وأخيرًا، استدعيتَ شخصيات أخرى من أعمال سابقة ربما كان هذا الاستدعاء جواز عبور لشخصية ود أمونة، هل هي فرضية وجيهة؟

< ود أمونة هو شخصية سرديّة، وعليه أن يظل شخصية سرديّة، بعيدًا عن رغبة القراء الذين يفضّلونه حيّاً يمشى على الأرض ويتسكع في الشوارع والخمارات ويتبادلون معه بعض الأقاويل ويسألونه عن علاقته برواية «الجنقو مسامير الأرض»، أو كاتبها أو يتحرشون به جنسيًا ما استطاعوا لذلك سبيلاً. وعودة ود أمونة في رواية «سجين البرزخ»، هي عودة فنيّة جماليّة بحتة، أي كنوع من التجريب وكسر الصندوق السرديّ التقليديّ، مثل عودة شخصية صلاح سعد، أو أحمد زكي، أو ألم قشي، أو غيرهم.

أظن، أن أيقنة شخصية ود أمونة، تدين لبُنْيتها السرديّة الإشكاليّة. غني عن القول، إن الشخصية في السرد تُبنى كما القلعة، لها أساس متين، ثم مواد جيدة توضع عليه ثم بَنّاء يتفهّم نظرية المعمار، ولا تكتمل إلا بأن تصبح صالحة للاستخدام ويمكن هدمها، لأنه دون هذا الهدم لا يمكن بناءها من جديد، إذن نستطيع أن نقول إن استدعاء شخصية ود أمونة في نص جديد ذات فعلين متناقضين، أولهما الهدم ونزع ثوب القدسيّة عنها، والآخر هو البناء وإعادة التشكيل، وذلك النوع من الالتباس، كما ذكرتُ سابقًا هو نمط من التجريب.

ويجب عليّ تسجيل ملحوظة أخرى؛ من المعروف هو أن العمل الفني في مجمله عمل غير مكتمل، وهذا الافتراض يشمل كل الفنون، حتى الموسيقى ابنة الطبيعة، لذا تظل كتاباتي في حالة بناء وهدم متواصلين، حتى بعد النشر لا تنجوا النصوص من البناء وإعادة البناء والهدم وإعادة الهدم. ليس على مستوى الشخصيات السرديّة فقط، بل على مستوى النص السرديّ ككل. والمتتبع لسيرة أعمالي يجد أنني كتبتُ رواية «الخندريس ومن يخاف عثمان بشري» في نسختين في زمنين مختلفين، حيثُ وسمتُ الثانية بعنوان «ولائم النُخس»، كما أنني أضفتُ شخصية أو أعدت تشكيل دورها في النص الجديد. وسيلاحظ القارئ الشيء نفسه في معظم قصصي القصيرة والنُصوص الحُرة أيضًا. عدم الرضاء عن النص المنجز، هو الذي يدفعني لكتابة نص جديد أو العمل في النص القديم، وهكذا لا يكتمل مشروع الفنان إلا بموته البيولوجي. وأعني بالاكتمال هنا، النجاة من معاول الفنان ومحاولاته المتكررة الفاشلة في مجملها من أجل أن يصنع نصًا مكتملًا. كتب غابرييل غارسيا ماركيز رواية «لعنة الغواية»، ثم بعد أن أوحت إليه عفاريت البحث عن الكمال بأن يهدمها ويعيد تشكيلها؛ فأصبحت بعد إعادة كتابتها رواية «مئة عام من العزلة» وتلك أعظم جثة لرواية في العالم. الجثةُ التي كانت أكثر حيوية من جسدها الحي، وقادت صانعها إلى وكر جائزة نوبل، ونِعِم ما يفعله القرين «البعاتي»!

> لطالما كانت الرواية الناجحة هي رواية المقولة، التي تهب نموذجًا سيّارًا يشتهر كأنه الجزء الأكثر وهجًا في النصّ. نلمس ذلك في الاقتباسات الأشبه بالمحفوظات من أعمال الطيب صالح ونجيب محفوظ ودوستويفسكي، وكذلك في الشعر والنثر العربيين اللذين نضحا كثيرًا من مقولات الأمثال والحِكم وغير ذلك. وعن أعمالك، فيمكن الإشارة إلى تصدير رواية (مسيح دارفور):  «أهون لجملٍ أن يلجَ من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله»، الذي صار مقولةً سائرةً يعرفها كثير ممن لم يقرؤوا الرواية. وكذلك رواية (الجنقو مسامير الأرض)، وفي هذا النموذج لم تقدّم الرواية مقولةً بقدر ما قدّمت مسمًّى أو اصطلاحًا لفئة كبيرة من السودانيين المهاجرين إلى أوروبا بسبلٍ غير شرعية –كما يصفها الأوروبيون- إذ أطلقوا على أنفسهم «الجنقو» حسب مواقعهم في رحلاتهم الطويلة عبر البلدان (جنقو ليبيا، جنقو تونس، جنقو فرنسا، جنقو إيطاليا…إلخ). وبهذا المعيار لنقل إن الرواية التي تنجح بجدارة تجتاز إلى الوعي الجمعي وتترك آثارها في هيئة مقولة.  وهذا يستدعي السؤال عن رواية المقولة، باعتمادنا لهذا التعبير، كيف تُكتَبُ رواية المقولة؟ أو كيف تكتِبُ المقولة نفسها؟ وإذا تساءلنا عن الجنقو كما هم في الرواية وعنهم كما هم في نسختهم الواقعية من المهاجرين، من أين ورد هذا الاستدعاء أو وجه الشبه بين الجنقو الذي يتعلّق بالأرض ليستقرّ ويزرع، والجنقو المهاجر، بمعنى كيف اجتاز هذا النموذج كجماعة روائية إلى وعي المهاجرين بكونهم مثل جنقو عبد العزيز بركة ساكن؟

< بالطبع لم أتعمّد تلك المقولات، ولكن النص هو الذي ينتج مقولاته، وهو أيضًا الذي يؤكد وجوده في المجتمع أو فناءه.

في ديسمبر من العام 2023، اتصل بي مخرج سينمائي اسمه David Fedele   أُسترالي الأصل، وهو فنان يقوم بصنع أفلام قصيرة في موضوعات مختلفة ذات صفة إنسانية. بينما كان يعدّ فيلمًا تسجيليًا عن المهاجرين السودانيين في المغرب العربي، عرف أنهم يطلقون على أنفسهم اسم الجنقو، وعندما استفسر عن مدلول الاسم، أخبره المهاجرون أن ذلك الاسم مأخوذ من رواية لكاتب سوداني. لذلك اتصل بي، واستأذنني في أن يطلق على الفيلم «حياة الجنقو Jungo Life»، وعندما اكتمل الفيلم كنت أول من شاهده، وتلك كانت رغبة ديفيد. ولدي اتصال أيضًا بجنقو ليبيا وجنقو فرنسا وغيرهم، وأظن أن الرواية هي التي هيأت لنفسها هذا الموقع الاجتماعي.

يحضرني أيضًا، ذلك المقاتل الذي أطلق على نفسه مسيح دارفور، وأوصل لي رسالة مفادها أنني عندما كتبتُ رواية مسيح دارفور كنتُ أقصده هو بالذات، وأطلق على نفسه اسمًا اشكاليّاً وهو «عيسى المسيح»، في حقيقة الأمر أنا لا أعرفه من قبل، كما أنني عندما كتبت تلك الرواية، كان هو تلميذًا بالمدرسة. وقد تمّ تداول مقولات رواية «مسيح دارفور» بصورة واسعة أثناء الحرب، ربما لأن الرواية وصفت ما حدث في دارفور من قِبل الجنجويد، وتنبأت بأن الجنجويد سوف لا يتوقفون عن فعل الحرب والهدم وأنهم شرٌ خالص. ولكن لسوء قراءة البعض، تم حظرها. وهناك أمثلة أخرى، ولكن ينهض هنا سؤال، هل العمل الفني يقلّد المجتمع أم أن المجتمع يقلّد العمل الفني، أم أن العملية فيها تبادل أدوار ومواقع؟ وهل سيحدّثنا ناقدٌ في يوم ما عن «موت القارئ»، كما «مات المؤلف» من قبل برشّاشِ الناقد الفرنسي رولان بارت؟

إذن، بالعودة لأصل السؤال، فالكاتب لا يتعمد المقولة، ولكن يتم إنتاجها من خلال العملية السرديّة، وقد يُفَاجأ بها الكاتب نفسه. في ظني، يتم خلق العمل الفنيّ فيما بين الوعي واللاوعي، القصدية والحدس. في أحيان كثيرة يكون دور المبدع هو دور توفيقيّ بحت، وكلما قلّ تدخّله كلما أصبح العمل أكثر رشاقة، وأقرب للاكتمال الذي هو مستحيل. حسنًا، ماذا أعني بذلك؟ ماذا تعني قلة تدخّل المُبدع؟ نعم، المقصود هنا هو الالتزام بخط سير المُنتج. قبل الإنتاج يعدّ المهندسون خط سير عمليات المُنتج، وهذا الخط من الصرامة بحيث إنه لا يقبل إضافةً أو نقصانًا، وإلا يُعاد التصميم أو يفسد المُنتَج. أثناء الكتابة قد تخطر في ذهن الكاتب بعض الأفكار، في غالب الأمر هي أفكار قديمة مترسّبة في مكانٍ ما من وعيه ولا وعيه، كما أنها تطلّ برأسها كلّما شرع في الكتابة، تلك الأفكار والموضوعات المحبّبة لديه، التي تفسّر قول بعضهم بأن الكاتب طوال حياته يكتب نصّاً واحدًا، تلك الأفكار والموضوعات هي الكاتب أو الفنان، وهي المعنيّة بالاقتصاد من تدخل الكاتب.

> سأضع خطًا تحت جزء مقتبس من رواية الرجل الخراب:  «إن الراوي شاء أن يهتمّ بحدثٍ تافهٍ عابرٍ وقع بينما كان درويش في طريق عودته إلى سالفلدن بقطار الرابعة والدقيقة الثامنة بعد الظهر. ومن جانبي رفضت تضمينه في الرواية؛ لأن ذلك سيقودنا لمحور آخر غير مخطط له، وغير متفق عليه من قبل، كما أن ذلك سيورّط النصّ الأدبي فيما يسميه بعض النقاد الكلاسيكيين الحَرفِيين: (الخروج المريع وغير المبرر فنيًا عن الخطّ العام للتحقّق السرديّ). في السودان يندفع الكثيرون من المتمرنين في النقد بتقديم بعض النصائح للكاتب في ذلك الظرف بالذات، وأنا لا أريد أن أدخل في أية مشاداّت أدبية. وهذه الحادثة حصلت لي من قبل في روايتي الموسومة بـ(الخندريس) على ما أذكر «. في هذا الاقتباس من الرواية، أي الرواية بوصفها خطابًا يتولّى فيه الراوي مهمة تحويل الحكاية إلى الرواية المسرودة، فنحن أمام تضمين لرسالة موجّهة إلى النقاد ضمن تضاعيف هذا الخطاب السردي. ربما يقال إنك تضع الألغام في طريق النقاد أو تحاول تطويعهم تجاه مغامرات التجريب التي تشتغل عليها، والتي قد لا تروق لهم. ما رأيك؟ وهل تتفق مع رونان ماكدونالد الذي أعلن موت الناقد الرسمي الأكاديمي الأرستقراطي المتسلّط، بظهور موجة الدراسات الثقافية في عصر العولمة الذي أدخل الجميع في مهرجان النقد، ما عدا المتخصصين الذين حسب رأيه يجب أن يحصروا أنفسهم في أروقة الجامعات والمجلات العلمية؟ خصوصًا وأنت، من طريق آخر، تعتبر أن النقد مِحنة من مِحَن الكتابة.

< ربما أردت أن أذكِّر الناقد بموضعه، وهو أن مكان الناقد الطبيعي خلف النص، أي أن النص هو الذي يخلق النقد، بمعني أوضح، الناقد هو صنيعة الكاتب، فلا يوجد ناقد دون مبدع، وهذا بالطبع مفهوم ولا جدال فيه: فالنقد نقد لأفكار أو نصوص مُنتجَة قبلاً. إذا تم قُبول هذا الافتراض، فانه ليست من مهمة النقد التقويم أو التقييم، بل مهمته هي التحليل والتفسير واكتشاف الآليات الإبداعية التي ابتكرها المؤلف أو أنتجها النص، بالتالي يصبح النقد عملية إبداعية أكثر مما هي حُكمية أو إرشادية.

في الذاكرة الناقد العربي العظيم واضع ومؤسس علم العروض، الخليل بن أحمد الفراهيدي، مؤلف كتاب «العروض» و»قاموس العين» وكتبًا أخرى مهمة. فقد قام بدراسة الشعر العربي بدقة، ليكتشف آلية البناء التي اتبعها الشعراء أو أنتجتها النصوص. فقد كان يعرف دور الناقد جيدًا وهو التحليل والاكتشاف. ولكن جاء نقاد بعده، كان همّهم أن يحافظوا على ما كان سابقًا، أي نقاد «قياسيون»، يحملون مسابرهم ويقيسون الشعر، أو يوزنونه، وربما هم ضمن من قصدهم فرلين بقوله: «وزنتُكَ يا وزّان الشعر فكنتَ خفيفًا في الميزان».

فالنقد عمل إبداعيّ عظيم؛ تلك هي سيرته الآن في الغرب، وسيرة الكثير من النقاد العرب المتميزين، وأقصد الأكاديميين. أما النقد الشعبي- «في الوسائط مثل يوتيوب وتكتوك، وفيسبوك، وقودرييد، أو التعليقات الشفاهية، أو في الصحف السيارة الخ» – هو عبارة عن انطباعات شخصية، ولكنه مقبول بهذا الوصف، ليس مُلْزِمًا، لأنه لا يعبر إلا عن شخصية القارئ نفسه، وليس عن النص، بل لا علاقة له بالنص أو الكاتب ولا حتى العملية الإبداعية برمتها، إلا في الحيّز الذي يمكن تسميته أو وصفه بأنه  «انعكاس صورة القارئ في النصّ النقديّ»، طبعًا هذا من الجانب الفنيّ البحت، ولكن من جهة أخرى للنقد الشعبيّ قيمة كبيرة سلبية أو إيجابية في النواحي الاجتماعية، حيثُ في كثير من الأحيان يشكّل الصورة النهائية لحياة النص والكاتب في المجتمع المعين، أقصد يؤطر قبول أو تجنّب المجتمع للنص، مخاوفهم أو إعجابهم؛ رفضهم أو تمثّلهم به، وهو أيضًا يحرك عصا السُلطات الحاكمة في أزمنة الشمولية، مما قد يقضي على حياة الكاتب أو يستودعه غيابة السجن، مع إقامة ولائم لحرق كتبه. فالحياة الفنيّة للنص، يظهرها النقد التحليلي الصارم، أما الحياة الاجتماعية الشعبية، يتكفّل بها النقد الانطباعيّ القيميّ الشعبيّ.

أنا لست مع فكرة موت الناقد في مجتمعاتنا، بل أنه يعيش بيننا بكامل عنفوانه، وهو حيّ يُرزق ويتكاثر، نحن هنا تعني الذين هم خارج مركزية أوروبا وأمريكا والعالم الذي سيستغنى عن الناقد قريبًا بموته، طالما هناك مؤسسات تقوم بدوره. لأن النصوص الإبداعيّة العظيمة التي تُنتج الآن، لها آليات وقوانين جديدة تحتاج لفراهيدي حقيقي ليكتشف جمالياتها وميكانزيم عملها، فراهيدي أكاديمي عُصامي يقدّمها للقراء والطلاب والجماهير الذين سوف يعملون عليها بآليات النقد الانطباعي الشعبي ويعيدون إنتاجها بقراءة تخصّهم، بل بإعادة تدوير النقد الأكاديمي نفسه؛ لها شعبيًا. ويحدث ذلك عندما يكون النص النقديّ نصّاً إبداعيًا أصيلًا، كما تمَّ وصفه سابقًا. فموت الناقد الآن ترفٌ نحن في غنى عنه، ولكن ربما سنقتله في السنوات القادمة هو والقارئ.

> يمكننا أن نُحقَّب أعمالك في حِقبتين، أو في حقيبتين إن شئت. مجموعة الأعمال (ما قبل الهجرة) و(ما بعد الهجرة)، أي هجرتك إلى أوروبا. تتسمّ المجموعة الأولى بتناول المهمشين والمركونين في الزوايا القصيّة من المجتمع، لنقل إنها روايات العمق السوداني المحلي. بينما جنحتَ في الحقبة التالية، بعد الهجرة، إلى إضاءة أشياء الهجرة، أعني ليست إضاءة الهجرة ذاتها وإنما تسليط الضوء على الإشكاليات التي تفرضها على الشخصيات، وخصوصًا إشكالية الهُويّة. طفرت في المجموعة الجديدة غير المنشورة من أعمالك، الشخصية المعقّدة بشكل كبير، ومستعصٍ أيضًا. النوع من الشخصيات التي لا تبحث عن حلول لإشكالياتها بل تكتفي بقتلها مثل درويش في (رواية الرجل الخراب) ووصمه بالرجل الخراب الميؤوس منه الذي لا يمكن علاجه أو إصلاحه. ومن ثم شخصية زكريا في رواية (العالم الآخر لزكريا) الذي يتضح بالنظر لبناء الشخصية بأنه نهج متشظٍ متوتّر ابتداءً من المستوى النفسي وحتى المستوى الوجودي. وإذا اتفقنا ألا ننحو في هذا الحوار إلى المفهوم البنيوي الذي يقرأ النصوص بنهج محايث، أي يقتل المؤلف ويُعمِل أدوات تشريحه على النصّ ليس غير، فيمكن القول أن عبد العزيز بركة ساكن الكاتب المهاجر، الذي يسمّي نفسه بالمسافر المتوحّش، يعبّر في هذه الشخصيات بلبنات من «لا وعيه»، فهل تطلّ على قرائك بواسطة هذه الشخصيات الروائية وتطرح إشكاليات تشغل حيّزًا منك في الواقع؟

< هذه مسألة في غاية الأهمية. كتابة المهجر معقّدة بتعقّدِ حالة المهجر. هنا لا شيء كما كان في السابق، وأعني بالنسبة لي، ككاتب لم يمت، وظلّ حيًا رغمًا عن أنف نظريات موت المؤلف، وإذا متّ أيضًا، فأنا ذلك الشبح الذي يعود للحياة ليتقلّب على تابوت السرد شاكيًا من أثر المسافة، واللغات، والأمكنة، والبشر ولا ينجو من مُسائلة القارئ. عدتُ معقّدًا ومشحونًا بالأسئلة. استأنس بنظرية موت المؤلف، ولست في كامل التناقض إذا قلت إن المؤلف يموت في أوروبا وأمريكا وربما اليابان والصين، ولكن المؤلف في بلادنا لا يموت. حتى اليوم، لا يقرأ الناس ود ضيف الله إلا عبر سيرته الذاتية. ويسأل القراء بصورة متواترة: هل مصطفى سعيد هو الطيب صالح نفسه أم هو صديقه المرحوم الأستاذ علي أبو عاقلة أبو سن؟ ذلك المثقف الموسوعي، الذي عاش حياته كما يجب. ولا أدري كم مئة من القراء الذين يستفسرونني عن ود أمونة وألم قشي، وهل ألم قشي هي زوجتي؟ وهل بطل رواية الجنقو هو أنا شخصيًا، أم أنا ود أمونة نفسه؟ فالكاتب في بلادنا يا صديقي لا يموت، وعليه أن يبقى حيّاً إلى أن يرث الله الأرض ولا يقرأه الجمهور دون نبش سيرته الذاتية، بينما تلاحقه أسئلة ولعنة وحب القراء، سيكون موضوعًا للدراسة والمسائلة بصورة دائمة: حيًا وميتًا. من الجهة الأخرى، أفضل أن يتناول النقد الأكاديمي المنتج الأدبي من وجهة نظر موت المؤلف، ويتركون تناول غير ذلك للنقد الشعبي.

فيما يخصّ التحقيب؛ أفضّلُ أن تُزمّنُ أعمالي كما يلي: ما قبل قراءة مهدي عامل، وما بعد مهدي عامل. هذا من ناحية زاوية التناول والمنظور. وفيما ذكرت سابقًا يوجد شرح كافٍ.

عندما يجد الشخص نفسه بين ليلة وضحاها لاجئًا، تلك صدمة ستؤثر على فكرته عن الحياة ونظرته للعالم وظنونه حول الإنسان والمكان. عملتُ سنوات عددا مع اللاجئين الإرتريين والأثيوبيين في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي أثناء الحرب الأثيوبية الإرترية. كنتُ بنّاءً شيّدتُ المراحيض في معسكر الشقراب، ثم معلمًا للتلاميذ والطلاب في مدرسة الصمود بخشم القربة ودرّبتُ النساء اللاجئات على إدارة المشروعات الصغيرة. لم أتخيّل للحظة أن أصبح بدوري لاجئًا في يوم ما، ولكن لحسن حظي تعلمتُ من اللاجئين الكثير، وتلك المعرفة ساعدتني عندما أصبحتُ لاجئًا في مصر ثم في أوروبا، أدين بهذا الصبر وتحمّل المهجر للاجئين.

الآن أنا أكتبُ كلاجئ، واللاجئ شخص غير مستقر، بالتالي أفكاره أيضًا غير مستقرة، والشخصيات التي يبنيها في أعماله لها الصفات نفسها، فقدان الوطن ليس بالشيء العرضي، بل قد يُصيب البعض بالجنون. أتفقُ معك تمامًا فيما وصلت إليه؛ أنا لست سوى مسافرٍ متوحّش.   

> حينما أُخبرتَ أن رواية سامهاني قد تمّ مصادرتها وحظرها في معرض مسقط الدولي للكتاب، قلتَ: «تبًّا لي!». ليس الخبر مصادرة الكتاب فهذا صار معتادًا تجاه كتبك، ولكن ألا ترى أنك صرت تكتب ما لا يتفق مع مقاسات الرقيب كأنك تستدعيه ليقوم بواجبه. هل نستطيع أن نلومه؟ وإذا كانت الحادثة أول حظر لعملٍ لك خارج السودان، فهي حُظرت في سلطنة عمان التي تناقش الرواية فصلًا من تاريخها. إذن كيف تفسر رفض السلطات منح ترخيص لنشر النسخة الفارسية من رواية (مسيح دارفور) التي ترجمها الأستاذ الجامعي المعروف الدكتور عاطى عبيات رغم محاولاته مع الرقيب في إيران لمدة عامين؟ ومع أنك تعتبر أن الرقابة من مِحَن الكتابة فنلاحظ أن الكُتّاب لا يولون الرقيب كل هذه الاهتمام ولا هو يوليهم كذلك. ما هو السرّ؟ كيف تثور ثائرة الرُقباء تجاه أعمالك، بتبريرات يتجاهلونها في كتابات كُتّاب آخرين؟ بتعبير آخر، ما الذي يستفزّ الرقيب في عبد العزيز بركة ساكن؟ ولم لا تعقد صلحًا مع الرقيب لتنعم بكتابة هادئة بلا منغصات؟ وهناك سؤال سيأتي وحده لمناسبة الحديث، هل تستمتع بإغاظة الرقيب، خصوصًا أن الكتب التي يمنعها هي التي تنتشر أكثر وتدخل قوائم الأكثر مبيعًا؟ وأيضًا، عندما تفوز رواياتك بالجوائز الأوروبية –بصراحة- هل تمدّ لسانك للرقيب؟

<  تعجبني فكرة مدّ لساني للرقيب، أظنني سأفعلها لاحقًا. ولكنني بلا شك قد أشرتُ إلى الرقيب مرارًا بالإصبع الوسطى. وحدث ذلك بعدما مُنعت كل كُتبي من العرض، وقمت بنشرها مجانًا على الشبكة العنكبوتية لمن يريد القراءة. فالرقيب في عصر الانترنت لا يراقب سوى أفكاره هو بالذات.

فيما يخصّ سماهاني: منعَتها سلطات الرقابة العمانية، وهذا ظلم كبير أصابني بخيبة أمل، فسلطنة عمان لها باع كبير في دعم الأدب والثقافة، وبها كتاب عظماء احترمهم، ولي أصدقاء منهم مقربون، مثل محمد الشحري، وليلي البلوشي وسليمان المعري، ونشرتُ فيما سبق على صفحات مجلة نزوى الشهيرة. والرواية، لا تتناول عمان الحالية، إنها تلك السلطنة التي كانت قبل قرون، والرواية لا تتحدّث عن التاريخ، بل عن الإنسان، وهي تسائل الإنسان، فالجراح التي صنعها الغُزاة في جسد إفريقيا، لا يجب أن تُنسى، وحان الأوان لأبناء إفريقيا إعادة النظر في كل ما حدث في عصور الظلام، أليس ذلك من حق جدودنا علينا؟ فرواية سماهاني، فرصة لقراءة الوضع الاجتماعي والاقتصادي الآن في زنزبار، لماذا هو كما نراه الآن، من حيثُ الإض والإنسان. أما بالنسبة لعدم السماح بنشر رواية «مسيح دارفور» في جمهورية إيران الإسلامية، فالأمر مفهوم، وخاصة إذا علمنا أن إحدى ناشرات الكاتب وصفته في بيان عام بأنه «فاسق».

فما هو السر؟ الفن، كما قرأت لأحدهم، مستفز، أو يجب أن يستفز، أو أن يكون مستفزًا. في ظني؛ على الفن أن يحرّك السواكن، ويزعزع اليقين، ويُربك، ويُخجل ويخدش، ويخربش، ويعضّ الحياء العام. وإلا ما هي وظيفة الفن؟ في الحقيقة أنا لا استمتع بإغاظة الرقيب وحده، بل بإغاظة نفسي أيضًا.

> أصدرتَ بعد مسيرة حافلة في كتابة القصة كتابك الجامع (الإنسان) وهو محصولك القصصي في الفترة ما بين 1989 إلى 2020، واشتغلت على إعداد وترجمة أنطولوجيا للقصة القصيرة تضمّ كتابًا من السودان وجنوب السودان وإريتريا وجيبوتي. ليكن هذا مدخلنا إلى عنوان هذا الكتاب: (الجني الذي قالت أمي مريم إنه يملي عليّ القصص)، والعنوان نفسه مدخلنا إلى شخصية الجني. ما هي قصة هذه الشخصية؟ القصة الأخرى التي لم تقلها. في إهداء (رواية الرجل الخراب) ذكرته ضمن المُهدَى إليهم، ولكنك وصفته بالشيطان الذي يشاطرك المسكن في القضارف وله فضل كبير فيما تكتب. هل يمكن الادعاء أنه هاجر معك إلى أوروبا؟ أم أنه شخصية من ضمن شخصياتك الروائية وفضّلت أن تؤلف قلبه على السرد وتصحبه معك في مغامراتك السردية؟ وبعيدًا عن الجني، وقريبًا منه: كيف تتعامل مع القصة في عصر الرواية؟ وهل أشرف عصرها على الزوال مع إعلان جابر عصفور عن عصر الكتابة الروائية؟

< عنوان مثير: الجني الذي ألّفَ كتاب الإنسان! لا أستطيع أن أروي كل ما حدث لي، أو أدعي أو أتخيل أنه حدث لي في حياتي من غرائب الأمور؛ مع ملاحظة أنني أصدقُ كل الوقائع: تلك المُدعاة، والمُتخيّلة والتي حدثت بالفعل. ولكن الفيصل في كل ذلك أمي، فإذا قالت أمي مريم إنّ الجني هو الذي يكتب نيابة عني، فهذا دليل كافٍ بأن هناك جني تعرفه أمي وهو يكتب لي، فالأمهات كُلهن نَبيات، ويُوحى لهُن فيما يخصّ من ولدنه. فهذا الشيطان دائمًا معي، أعرفه ويعرفني ونؤازر بعضنا على مقاومة مَكْر وشرور بني البشر.

فيما يخصّ الرواية: في فرنسا، لا يميلون لقراءة القصص القصيرة. يعشقون الرواية. ومن الصعوبة أن تجد ناشرًا لمجموعة قصصية. ستنشر لي دار «زولما» مجموعة قصصية هذا العام بعنوان «ميلاد»، وقد نُشرت من قبل بالإنجليزية والأمهرية. قام بترجمتها إلى الفرنسية البروفسير اجزافييه لوفا وهو عميد كلية اللغات والاتصال في جامعة بروكسل الحُرة والدكتورة الإيطالية مرشيلا روبينو، أستاذة الأدب العربي بمعهد اللغات الشرقية والآسيوية في باريس. على الرغم من السير الذاتية الجيدة للمترجمين، إلا أن الناشرة، كانت متردّدة: «لا سُوق للقصة القصيرة في فرنسا». ولكنها تراجعت لاحقًا عندما اتفقنا على اختيار القصص التي تربطها وحدة موضوعية، وتجعلها تُقرأ وكأنها نصّ سرديّ واحد مُشظّى. ولا يميل الجمهور الأوروبي أيضًا لقراءة الشعر، يعشقونه ملحنًا ومغنًى يرقصونه جيدًا، أظن الشعر يودّ إلى منبعه الأول وهو الإيقاع.

الآن، هو عصر الرواية، حيثُ تُطبَع في فرنسا في الموسم الثقافي الواحد أكثر من خمسمائة رواية، أي أكثر من ألف رواية في العام. هذا الرقم يشمل الروايات المترجمة من اللغات الأخرى إلى الفرنسية أيضًا، وهي عادة لا تزيد عن الخمسين رواية. نصيب العربية منها يعدّ بأصابع اليدين.

وقبل أن أتفرّغ للكتابة مارستُ وظائفَ كثيرة: كنتُ عاملَ بناء مع عم الدود عليه الرحمة، ثم بنّاء. عملتُ تلميذًا للخيّاطين «جمعة» و»إليا» من جنوب السودان، وعملتُ مساعدًا في شاحنة تشطفُ الخُراء من المراحيض في خشم القربة. عملتُ معلمًا بالمدارس الثانوية وجهاز التعليم الإرتري، وعملت موظفًا بالضرائب في خشم القربة لبضع ساعات ثم تمت احالتي للصالح العام. ثم موظفًا في منظمة بلان سودان، ثم مستشارًا لليونيسيف ومنظمة رعاية الطفولة السويدية في دارفور، ثم مديرًا لمشرعات البنك الدولي بالنيل الأزرق CDF. وفي النمسا عملتُ مشرفًا ليليًا على اللاجئين اليافعين، ثم عاملًا في بيت كبار السن، ثم عاملًا لثلاثة أيام كاملة في ماكدونالد بمدينة سالفلدن، وتلك أسوأ وظيفة أشغلها في حياتي، أسوأ من وظيفة عامل الخُراء التي مارستها سابقًا، وبعدها تمردتُ متفرغًا للكتابة، ضاربًا بمقولة فرلين عرض الحائط.

> نويتَ أن تدرس المسرح وكتبت المسرحيات، ومسرحياتك الآن تُمثّل على الخشبة في أوروبا. دون أن نقع في الفرضيات ولكن بالنظر إلى مسيرتك مع الرقابة، فهل لديك تصوّرات عمّا لا يريد الرقيب الأوروبي طرحه؟ قرأت في مسرحيتك الأخيرة محذورًا من محاذير الرقيب الأوروبي والذي هو أشدّ على الكتاب والإعلاميين ونجوم المجتمع من الرقيب في دول العالم الثالث لأنه يملك وسائل الإعلام القادرة على الإزاحة. لن أكشف سرًا إن ذكرت أنك تعرف كيف تثير الرقباء، تعرف خصائصهم وأجنداتهم وروائحهم، وتكتب خصيصًا لكل رقيب ما يناسب ذوق حضرته في الممنوعات والمحظورات. ألا تخشى من الرقيب الأوروبي، وهو رقيب عالمي في كوكب القطب الواحد، وذو أنف أكثر حساسية ومخالب أكبر. لأقل مباشرة ما الذي فكرت فيه حين كتبت عن الهولوكوست في مسرحيتك الأخيرة؟

< نعم، أنت تتحدث عن مسرحيتي التي لم أنشرها بعد الموسومة «بالمحجر» التي تتحدث عن «ماوتهاوزن Mauthausen» ذاك المُعتقل النازي سيئ السمعة. بصراحة، لا أرغب في أية معركة مع الرقيب الأوروبي، لأنني أجهل نوع الأسلحة التي سيستخدمها ضدي. قرأت قصة قصيرة في مجلة الأدب الصيني، وأنا طالب أيام الدراسة بجامعة أسيوط، وهي من القصص التراثية الصينية، التي تُسمى الأحاجي: «بينما كان يتجوّل راهب في معية تلميذه في بادية، إذا بهما يعثران على نمر شرس جائع، ويهمّ النمر في مهاجمتهما. لم تكن لديهما أسلحة لمقاومة النمر، سوى عصا التلميذ المرافق التي شرعها في وجه النمر، ولكن لم يخفْ النمر، بل أخذ في التقدّم بثباتٍ نحوهما. فقام الراهب بشرع كتاب كان يحمله في يده في وجه النمر، فتوقف النمر عن التقدّم، بل تراجع عن الهجوم. فسأل المرافق النمر:

> لماذا لم تخفْ من عصاي، التي ربما ستعوقُك، وخفتَ من كتاب الراهب؟

فردّ النمر قائلًا:

< أما عصاك، فهي سلاح خبرته، وأعرف كيف أقاومه. أما الشيء الذي واجهني به الراهب، سلاح لا علم لي به ولا خبرة لي بتجنّبه.

ولكن، هل يعني ذلك أنني سأضع حسابًا للرقيب الأوروبي عندما أكتب؟ بالطبع لا، فقط أتمنى ألا أدخل في مواجهة معه الآن إلى أن أخبر نوع أسلحته جيدًا. على كلٍ، ستُنشر المسرحية قريبًا ولنرى!

> الكتابة؛ هل هي نعمة أم نقمة؟ وصفها الطيب صالح بأنها لعنة وأنه يفضلّ لو ظلّ قارئًا، ومع ذلك استمرّ في كتابة الرواية والقصة والمقالة. وأنت تصف الكتابة بأنها مهنة، وعندما استنكرت الموظفة النمساوية بحثك في قائمة الوظائف عن مهنة الكتابة حملت كتاباتك في طرد وذهبت إلى فرنسا حيثُ اعترفت بك مؤسسة الكتاب الرسمية ككاتب CNL. فإذا كان الخبز خير من الشعر كما قال فرلين، فيبدو أنك استطعت استصلاح العلاقة بين الشعر والخبز، فهل يمكن للكتاب باللغة العربية أن يصلوا إلى مثل هذه الوضعية المثالية، أي الكتابة الربحية؟  وطالما ذُكر الربح، فكثيرًا ما تحامل الكتاب على الناشرين مع غض النظر عن الإشكالات البيروقراطية التي تواجه دور النشر في العالم الثالث ما يجعل من أنشطتها أشبه بالنشر في كهوف العصر الحجري. فلماذا تنظر إلى العاملين في النشر كمحنة لا ضوءً في هذه الكهوف؟

< ربما الهدف من هذا السؤال هو أن تقضي على علاقتي بالناشرين، التي في الواقع تلفظ أنفاسها الأخيرة الآن. على كلٍ، الكثير من الناشرين في بلادنا ينظرون إلى الكاتب كديكٍ عازبٍ يبيض ذهبًا ولا يتغذى غير بالريح، وهذا الديك ملك لهم، هم من صنعه وهم من يجنون ثماره. وإذا توقف الديك عن التبييض، فمن حقهم ذبحه وأكل لحمه ووضع ريشه على خوذاتهم. ولكنهم لا يعلمون، فقبل أن يموت الديك، قد يبيض قنبلة موقوتة، أو يفوخ سمّاً كيماويًا، من يدري!

نعم، الكتابة وكل الفنون عمل، وعلى الكاتب أن يعيش من ريع عمله ولا تكون وظيفة أخرى عنده. نعم، قد يصبح دخله قليلًا، وهذا هو الحال الآن، ولكن الحرمان -كما يُنسب للسيد علي بن أبي طالب- أقل منه. ولكن في حالة ألا يكون دخل لديه، أو أن أحد الناشرين سطا على حقوقه، فعليه بحكمة الشيخ فرلين: الخبزُ خيرٌ من الشعر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق