ثقافة وفن

الفلسفة الجمالية «التشكيلية – الشعرية» في تجربة الفنانة ياسمين… استلهاماً لنصوص درويش

د. إسماعيل حسن

* ثم يجيء غريبان، مثلي ومثلك، قد يكملان ِ الحديث عن الفن، عن شهوات بيكاسو ودالي وأوجاع فان غوغ والآخرين. (درويش)

يسعدني مرة أخرى الكتابة حول تجربة الفنانة ياسمين بجريدة الحداثة في الملف التشكيلي الذي يشرف عليه الاستاذ طارق عثمان (مكتبة التشكيل السوداني) بملف ثقافة وحياة  الذي يهتم بكل الحقول الثقافية والإبداعية والمعرفية.

ياسمين عبدالله أحمد، مواليد دولة قطر في العام 1992م، تخرجت من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية قسم التلوين بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في العام 2014م، وهي من مؤسسات مجموعة زولة الفنية، شاركت في العديد من المعارض الجماعية ولها معرض فردي بالمركز الثقافي الفرنسي.

الفنانة ياسمين عبدالله من التجارب الحديثة والمميزة علي الساحة التشكيلية السودانية المعاصرة، وبرغم حداثتها إلا أننا أحياناً قد نجد التأثير التلقائي بين الأجيال موجود في عدد من التجارب، ولكن هذا التأثير توقف عندها فقد إتخذت ياسمين طريقاً واسلوباً جديداً بصمتِ أبهرت به من سبقها في المجال، عملت علي إستلهام جزءاً من نصوص الشاعر الفلسطيني محمود درويش فخلقت علاقة حميمة ووطيدة بين المفردة الشعرية والعمل التشكيلي وبرغم المحاولات الكثيرة من فنانين عملوا على المزاوجة بين النص الشعري واللوحة، ولخبرتها البصرية دور كبير في تلك العلاقة تكون قد أسست مشروع جمالي يساهم في الحراك التشكيلي السوداني المعاصر،

وياسمين عملت أيضاً علي إختلاف التكوين بين أعمالها، واعتمدت علي الكائن البشري بصراعاته، مزجت بين الرسم الأكاديمي والأشكال المجردة وقدرتها علي الإحتفاظ بفكرتها الأساسية التي اعتمدت عليها في بداية العمل الفني.

اخترنا تجربتها كنموذج لوصف حالة تعبيرية جمالية عميقة، ولا شك في أن كافة أعمالها يتضح فيها أسلوبها المعروف، ومن ضمن الأعمال المرفقة إختارت ياسمين نصاً لدرويش «لو كنت غيري لصرت انا، مرة ثانية» ويذكرنا هذا العمل رسومات عمر خيري في اسلوب الرسم المباشر ولكن المعالجات اللونية أضافت طابعاً جديداً، ويعد هذا العمل مهما في حياة الفنانة فقد شكل نقلة كبيرة في تجربتها.

وحيثما كانت بدايات الشاعر العظيم محمود درويش الشعرية تتسم بالبساطة في الأفكار والمعاني للرقة والحب والوطن والنضال، نجد توازياً له اعمال ياسمين في مرحلتها الأولى خصوصاً الحب في استخدامها البنفسج والأصفر الوهاج،

وقد مر الشاعر درويش بثلاث مراحل لتجربته الرومانسية والإنسانية والوجودية والفلسفية فاختصرت لنا ياسمين مسافات التلقي والدلالات المبهمة التي يصعب على القارئ فهمها بسرعة الا بعد التدقيق والتكرار.

ماذا لو شاهد درويش لوحات ياسمين وماهي الرؤية التي ستتخلص بعدها في تحويل هذه اللوحات مرة أخرى لنصوص شعرية موازية، ومن هنا أعتقد أن التجربة الفنية لا تقف عند مرحلة محددة بقصد من الفنان أو دون قصد، فيمكن إنتاج العمل الفني بطرق مختلفة ومعالجات مختلفة ومفردات متجددة، وتبقى البصمة الفنية هي الشاهد للزمان والمكان والمؤثرات القريبة من تلك التجربة.

لقد ركَّز درويش في مواضيع الصراع مع الذات والأنا، ولكي نتعرف أكثر على استلهامها لنصوص درويش والأثر الشخصي المباشر عليها تقول الفنانة ياسمين (غالباً الاستلهام يكون من النص بمعنى عند قرائتي للنص بحس انو النص يمكن رؤيته بشكل واضح، ولدرويش لغة عالية و وصف خرافي واللون يكون حاضراً بشدة) وهنا تكشف عبقرية درويش في التصوير الشعري وخياله العميق في تحويل المفردة أو الجملة لصورة مرئيّة أجبرت الفنانة ياسمين على معالجتها لونياً لتعيد قرائتها المتلقّى بزاوية أخرى، فهي تتمنى في تجربتها أن تكون قد اضافت للنصوص ولم تخصم منها. ونحن اذ نتمني أن يشاهد درويش أعمالها لتكون تجربة زوجية ممتدة في الشعر والتشكيل المعاصر، ولقد مر درويش بثلاثة مراحل الرومانسية والانسانية والوجودية الفلسفية فكانت الانسانية الأقرب للفنانة ياسمين وهي دائماً تقول (فني مرتبط بالانسانية أكثر من أي شئ آخر) ومن خلال فني أخاطب الانسان بكل تعقيداته ومشاعره واحاسيسه وأحاول أن أضيف للمتلقين بعد ثاني أعمق من السطح الملون من خلال لوحتي، وهذا يحدث بحمدالله المتلقين يخاطبوا مباشرة مع الفكره الأساسية أو جوهر اللوحة).

يقول درويش: (لو كنت غيري لصرت انا، مرة ثانية)، فهذه العبارة لها صدى كبير لجمهور درويش وللفنانة ياسمين بمعنى إعتزازها بنفسها وبخياراتها وبأخطائيها بمعنى أن تكون مقتنعة تماماً بالانسان الذي تبدو عليه حالياً.

وتحاول ياسمين أن تكتشف الروابط الخفية بين الكلمة واللوحة، فالاثنان مكملان لبعضهما البعض ويكونا أكثر عمقاً وبالتأكيد أي عمل فني له قيمته.

في معرضها الأول ( انا الآخر) كان الجمهور يحكي قصصاً من خلال لوحاتها وغالبيتهم لم يقرأوا النصوص. وبعض زوار المعرض كانوا يفسرون العمل الموجود أمامهم بطريقتهم الخاصة، ولَم يحتاجوا لأن يقرأوا النصوص التي كانت قريبة جداً من تفاسيرهم. بمعنى آخر أن نصوص درويش لياسمين كانت دافع وملهم اساسي في انتاج العمل، لكن وفي نفس الوقت العمل الفني مستقل، فهي تحب ان يكون في عملها قصة ودراما لكي تجبر المتلقي بالتفكير في العمل الفني، ولابد أن تكون اللوحة هي جزء من روح الفنان لتصل للمتلقي بسرعة وبعمق، ومن ايجابيات معرضها الأول التفاعل المباشر مع الجمهور، كان هدفها أن تجبر الجمهور ليحكي  قصصه من خلال اللوحات وحدث هذا بالفعل وتفاعل الجمهور كان فوق المتوقع، حتى الذين إقتنوا لوحاتها بدوافع وقناعات شخصية.

هنالك ثنائية أخرى مثل اللون والقصة، او اللون والموسيقى وأمثلة كثيرة لعلاقات التشكيل بالفنون لم تتطرق لها ياسمين في بدايتها فقد ركزت على تجربة درويش أولاً ولها بعض الشعراء ستعمل على معالجة نصوصهم تشكيلياً رغم تفكيرها الكثير في ثنائية اللون والموسيقى.

يأتي سؤال الهوية في تجربتها ومن خلال أعمالها فهي تريد أن تخرج من نمطية (حصر السودان في مفردات تشكيلية محدودة)، بدوافعها وإيمانها بأن الثقافة والهوية السودانية يمكن أن تظهر في اللون الذي تستخدمه في شكل الشخوص، فهويتها حاضرة في العمل الفني وتجربتها وجهة اخرى للهوية السودانية التي تعتز  بها وبالانسانية والمعتقدات والمشاعر السودانية المميزة والمثالية. والفنانة ياسمين من جيل يمتاز بالمثابرة والإصرار على وضع بصمة في الوسط التشكيلي وبالأخص التشكيليات،

ويظهر هذا الجيل بشكل واضح وتحديداً بعد ثورة ديسمبر المجيدة التي أوضحت دور الفن والفنانين في المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق