
محمد المنتصر حديد السراج
وعدنا في الحلقة الماضية أن نناقش أقوال جاك مايلز في (سيرة الله)، ولكن و مع صوم رمضان و بلوغنا لعيد الفطر المبارك الذى نهنئ به كل المسلمين عبر (المدائن)، نقف مع القرآن الكريم في شهره الذي أنزل فيه (بينات من الهدى و الفرقان).
و نقرأ في فصل كتبه الأستاذ (العقاد) رحمه الله في كتابه (الله) عن الإسلام، ونهديه لقارئنا، يقول العقاد :
مضى على مولد السيد المسيح نحو ستة قرون قبل ظهور الإسلام. تشعبت في خلالها المذاهب المسيحية بين قائل بطبيعة واحدة للسيد المسيح و قائل بطبيعتي اثنتين: هما الإنسانية و الإلهية، وبين مؤله للسيدة مريم و منكر لهذا التأليه، و بين مفسر لبنوة السيد المسيح بأنه ابن الله و لكنها بنوك على المجاز بمعنى القرب و الإيثار على سائر المخلوقات، وقائل بأن السيد المسيح هو ابن الله على الحقيقة التي يفهمها المؤمن على نحو يليق بالذات الإلهية.
و تسربت هذه المذاهب جميعا إلى الجزيرة العربية مَقرونة بالبراهين الجدلية التي يستدل بها كل فريق على صحة تفسيره وبطلان تفسير معارضه، و كان كثير من تلك البراهين مستمدا من الَمنطق و مذاهب حكماء اليونان…….
و تسربت مذاهب اليهودية قبل ذلك إلى أنحاء الجزيرة العربية، و لم تزل تتسرب اليها بعد ظهور المسيحية و احتكاك اليهود بالنصارى في جوانب الدولة الرومانية، و كانت لليهود مذاهب في الدين تمتزج بالفلسفة حينا و التأويلات اللاهوتية حينا آخر، على مثال الإمتزاج بين مذاهب المسيحية و أقوال الفلاسفة و اللاهوتيين.
و كانت جزيرة العرب على اتصال لا ينقطع بالفرش و من جاورهم من أمم الشرق ولا سيما في بلاد البحرين و بلاد اليمن على الشواطئ و في داخل الصحراء، فنقل الفرس إلى الك الأصقاع هياكل النار و عبادة الكواكب و غيرها من بقايا الديانة المجوسية.
و لم يتلق العرب النصراوية من مصدر واحد أو من مصدر الشمال دون غيره. فقد كانت للحبشة نصرانية ممزوجة بالوثنية التي تخلفت من عقائدها الأولى، و كان يهود الحبشة على شئ من الوثنية يختلط بعقائد المجوس و عقائد الأحباش و العرب الأقدمين.
و دان قليل من العرب بهذه الديانات على أوضاعها الكثيرة التي يندر فيها الإيمان بالوحدانية الخالصة و عقيدة التنزيه و التجريد. أما الأكثرون منهم فكانوا يعبدون الأسلاف في صور الأصنام أو الحجارة المقدسة، و كانوا يحافظون على هذه العبادة السلفية كدأب القبائل جميعا في المحافظة على كل تراث من الأسلاف، و لكنهم كانوا يعرفون (الله) ويقولون إنهم يعبدون الأصنام ليتقربوا إلى الله.
فلما ظهر الإسلام في الجزيرة العربية كان عليه أن يصحح أفكارا كثيرة لا فكرة واحدة عن الذات الإلهية، و كان عليه أن يجرد الفكرة الإلهية من أخلاط شتى من بقايا العبادات الأولى و زيادات المتنازعين على تأويل الديانات الكتابية.
فإذا كانت رسالة المسيحية أنه أول دين أقام العبادة على (الضميرالإنساني) و بشر الناس برحمة السماء… فرسالة الإسلام التي لا التباس فيها أنها أول دين تمم الفكرة الإلهية و صححها مما عرض لها في أطوار الديانات الغابرة.
فالفكرة الإلهية في الإسلام (فكرة تامة) لا يتغلب فيها جانب على جانب، ولاتسمح بعارض من عوارض الشرك و المشابهة، و لا تجعل لله مثيلا في الحس ولا في الضمير. بل له (المثل الأعلى) و ليس كمثله شئ.
فالله وحده (لاشريك له)… (ولم يكن له شركاء في الملك)… (فتعالى الله عما يشركون)… و( سبحانه عما يشركون).
و المسلمون هم الذين يقولون : ( ما كان لنا أن نشرك بالله)… (ولن نشرك بربنا أحدا).
و يرفض الإسلام الأصنام على كل وضع من أوضاع التمثيل أو الرمز أو التقريب و لله المثل الأعلى من صفات الكمال جَمعاء، و له الأسماء الحسنى. فلا تغلب فيه صفات القوة و القدرة على صفات الرحمة و المحبة، و لا تغلب فيه صفات الرحمة و المحبة على صفات القوة و القدرة. فهو قادر على كل شئ وهو عزيز ذو انتقام، وهو كذلك رحمان رحيم و غفور كريم… و قد وسعت رحمته كل شئ.. و (يختص برحمته من يشاء) وهو الخلاق دون غيره و (هل من خالق غير الله).
فليس الإله في الإسلام مصدر النظام و كفى، ولا مَصدر الحركة الأولى و كفى، ولكن (الله خالق كل شئ)… و (خلق كل شئ فقدره) و (أنه يبدأ الخلق ثم يعيده)… و(هو بكل خلق عليم).
و من صفات الله في الإسلام ما يعتبر ردا على (فكرة الله) في الفلسفة الأرسطية، كما يعتبر ردا على أصحاب التأويل في الأديان الكتابية و غير الكتابية.
(يتبع)




