ثقافة وفن

الكاميرون روعة الوجود السوداني التاريخي والمعاصر

الزين ابراهيم حسين *

في يوم جميل من ايام السودان بالكمرون عام ٢٠١٨م ، زارنى صديقي الكمرونى ريقوبير سونق بهانق نجم الكرة وكابتن منتخب الاسود غير المروضة فى عصره الذهبى واحد نجوم الملاعب الاوروبية .رحبت بضيف السودان تحت علم السودان الخفاق (آنذاك ) فوق سارية سفارة السودان بالعاصمة الكمرونية ياوندى جميلة الروابى الاستوائية الخضراء .زيارة كابتن ريقو تاتى فى اطار التحية والمجاملة وخدمة لاهداف الرياضة .كان ذلك فى خضم تحرك السودان لمشاركات قارية .وكانت ضالتى نسج علاقات مع الوسط الرياضي حيث تشتمل الخطوة التالية استضافة نجم النجوم روجر ميلا ايضا .انصتت للكابتن الذكى الانيق ريقوبير سونق يتحدث وعلى وجهه ابتسامة مشرقة . واطلالة اكثر ما يميزها شعره المفلل على طريقة  البجا  وبشرة مشوبة بكل الوان  السودان . حكى لى عن مشاهداته فى الخرطوم التى زارها من قبل فى سانحة كروية وكيف انه وجد شعباٌ رائعا مضيافاٌ زاد من احساسه بالانتماء لافريقيا .استحسنت له دور جيلهم وبلادهم فى رفعة اسم افريقيا فى كاس العالم وعندما جرى الحديث عن البنيات والامكانات فاجانى بملاحظته المهمة .وهى ان اندية السودان تمتلك دور واستادات خاصة بها وهو امر لا يتوفر فى دول افريقية عديدة .العزيمة والادارة الراشدة اذن هى سر النجاح فى الكرة.كان حديثنا على ايام تعثر اكمال البنيات الفخمة التى تاوى منتخبات  من عموم افريقيا فى عرسها الكروى بالكمرون  اليوم  .

لقد حركت إطلالة كابتن ريقو بملامحه تلك فى دواخلى مكامن البحث عن نظرية تفترض وصول هجرات سودانية منذ عصر الممالك النوبية القديمة الى الكمرون ومن هناك الى غرب افريقيا . وقد علمت قبل ان يغادرنى الضيف انه من قبيلة الباسا Bassa الكمرونية وهى ذات الاثنية التى ينتمى اليها روجر ميلا وصمويل ايتو بحسب الموسوعة .ما سر علاقتها بالرياضة ؟. تاملت فى سر اسم بهانق الذى لا يشبه فى مخارجه مجموعة اللغات البانتوية التى نسمعها حيث ينطق بهاء صائتة اقرب الى العين … ؟ .اسئلة كثيرة تجول فى الخاطر تستدعى دور علم اللغة الاجتماعى المقارن بل علماء وصف الانسان كما يروق لجمال محمد احمد .

ادرت محرك البحث خاصة فى المناطق الناطقة بالفرنسية ويا للمصادفة .شعب الباسا تكثر الدراسات حوله . بعضها اطروحات  فى جامعات فرنسية واخرى كمرونية .وكتابات لقساوسة ورهبان  وبحاثة .يقول الباسا فى ادبهم الشفاهى انهم انحدروا من ممالك النوبة القديمة فى السودان

La Nubie Antique

وان الباسا هم طبقة من العشائر الحكامة الملوكية يحرسها الباسو basso من الجند .تقول اوديسا هجرة الباسا انهم عبروا النهر هروبا من بطش فرعون ثم ساروا غربا  واحتموا بجبال حصينة .ثم وصلوا الى الموقع الحالى بوسط وجنوب الكمرون واشادوا ملكا .وتلك روايات تتداولها الالسن عبر الاجيال .واليوم ينتشرون فى دول الجوار مثل توقو وليبيريا وحتى غانا والسنغال .راجعت الذاكرة السودانية المعاصرة عبر المتاح فى الموسوعة والكتابات القليلة .الباسا جبل فى منطقة الباسا القريبة من مروى .وان جبل باسا عبارة عن معبد آثارى متحلل تم بناءه للاله اباداماك فى عهد امانى خابالى .شعب الباسا الكمرونى الذى انحدر من ممالك سودانية قديمة وكذلك مجموعات اخرى من ذات الجذور كتب عنهم الباحث الدكتور آنديجى اوم فى اطروحة الدكتوراة لجامعة ليون الفرنسية عام ١٩٩٧م.وحول الجذور الكوشية السودانية لشعوب الكمرون هناك كتابات للبرفسور ديكا اكوا  Dika Akua وبعض اوراق بعثات التبشير التى تهتم بكل تاكيد بالابعاد التوراتية حول المسالة وتبحث عن قبيلة مفقودة تاهت فى مجاهل افريقيا لتتخذها مدخلا لتاطير العلاقات الثقافية خدمة لتحركها الدبلوماسي وتلك ابعاد معلومة  .

لقد انتبه الراحل السفير عبدالهادى صديق فى كتاباته التى حملها عنوانه المميز (السودان والافريقيانية ) لتلك الابعاد .واكد ان سودان وادى ارض الحضارات كان منبعا للهجرات القديمة الى مجاهل افريقيا حيث ذهب الانسان الى هناك بثقافته وصناعته وطرائقه فى ادارة شؤونه.ولكن انتباهة عبدالهادى لم تتلوها اهتمامات بحثية فى جامعاتنا !  .وتحدث الآثاريون عن ذلك دون تفصيل .وكان اكثرهم حماساٌ البرفيسور الراحل شيخ انتا ديوب من السنغال صاحب نظرية الاصل الاسود للحضارة المصرية القديمة .وكانت الهجرات لاسباب قسرية منها الحروب فى عهد الفراعنة والغزو الاكسومى ثم دخول العرب ثم حروب الممالك الاسلامية حول منطقة حوض بحيرة تشاد فضلا عن عوامل الطبيعة الاخرى .

انفاس التاريخ السودانى القديم لا تتوقف فى الكمرون فهذا صديق آخر هو البرلمانى والسياسي الكمرونى المعروف روجر دانق الذى تولى رئاسة برلمان عموم افريقيا فى ميدراند بمقاطعة جوهانسبرج منذ عام ٢٠١٥ م يحدثنى عن جذوره  النوبية القديمة !.وروجر دانق من حملة مشعل الوحدة الافريقية عبر منظومة الاتحاد الافريقي وظل منافحا ومدافعا عن قضايا القارة والسودان فى المنابر الدولية وهو احد رموز المشهد السياسي الكمرونى المعاصر وصديق للسودان .

ان شعب الكمرون بلد الروائى منقو بيتى والبرفيسور فام اندوقو ديناصور السيميولوجيا كما يسميه تلاميذه بالجامعات الكمرونية ، شعب يختزن ذاكرة شعبية تاريخية ثقافية واجتماعية لا انفكاك لها عن تاريخ السودان القديم والوسيط لتلك الاسباب . وهذا صاحب السعادة جبريل كافاى رئيس الجمعية الوطنية الكمرونية والبرلمانى الافريقي العريق واحد شهود عهد الرئيس احمدو اوهيجو وبول بيا يحدثنى عن جذور سودانية لمجموعات اثنية لها وجدان لا زال يمسك باهداب التاريخ .وان العلاقات الدبلوماسية بين السودان والكمرون انما هى قصة شعوب وهو ما يجب ان تسعى الحكومات لتاطيره لصالح البناء الثنائى .

تلك افادات من افواه ابناء شعب يعتقد البعض انه بعيد وما هو بذلك . قصدنا رصدها على عجل آملين فى التوسع فيها مستقبلا .وما يجعل التقارب كبيرا ان الكمرون او بلاد كميروس كما سماها البرتغاليون يطلق عليها ابناءها اليوم صفة افريقيا المصغرة

Afrique en Miniature

لتميزها بالتنوع البشرى والطبيعى مثل السودان تماما حين يُطلق الواصفون على( بلد الخير وافريقا مكانى ) بانه مكنون افريقيا

A Microcosm of Africa.

الهجرة السودانية لم تتوقف بل ظهرت موجة اخرى فى التاريخ الحديث بدات فى فترة امبراطورية السودانى رابح فضل الله الذى اسس ملكا اواخر القرن التاسع عشر سيطر فيه على شمالى الكمرون  وسائر دول حوض بحيرة تشاد .  استشهد رابح امام الغزو الاوروبى الفرنسي عام ١٩٠٠م. واليوم يرقد ضريحه فى مدينة كسرى الكمرونية شاهدا على عصره  وآثاره  .وهناك اسر كثيرة انحدرت من تلك الفترة.يلى تلك المرحلة وصول السودانيون عقب حركة اللواء الابيض ١٩٢٤م .وما نزح الى الاراضي الكمرونية من قدامى المحاربين فى قوة دفاع السودان من برقة وفزان .ثم تاتى الجالية السودانية الحديثة باجيالها الثلاثة .بمفارزها التى وصلت من اجل التجارة منذ قبل الاستقلال ثم جيل ما بعد الاستقلال ثم الجيل الثالث الحالى والذى انحدر بعضه من امهات كمرونيات . ولان الحديث عن الجالية يحتاج لكتاب  نكتفى فى هذه العجالة بالاشارة لاسم احد الآباء الروحيين للجالية السودانية الحديثة وهو الشيخ الراحل عبدالكريم محمد الحسن والذى دخل جيله  الكمرون قبل الاستقلال تاجرا ثم مستقرا. وينحدر عبدالكريم من منطقة الزومة ومارنجان وقد رحل قبل ان يرى علم السودان يرفرف فوق سارية السفارة لطالما كان احد المطالبين باقامة تمثيل دبلوماسي مقيم للسودان فى الكمرون .ما ان فتحت السفارة ابوابها عام ٢٠١٧م حتى صدمت الجالية والاوساط الكرونية بقفلها فى عام ٢٠٢٠م  …والمجال لا يتسع للحديث هنا حول ذلك . السودانيون الذين تشرأب اعناقهم لمؤاذرة صقور الجديان او اى نادى زائر من بلادهم ينتشرون فى سائر التراب الكمرونى المضياف فى مدن مثل ماروا التى تقول عنها بعض الكتابات ان اسمها مستلهم من مروى السودانية .ولا زال الكمرونيون يحتفظون بتسجيلات نادرة للراحل محمد وردى الذى غنى فى حفل زواج كريمة الرئيس الكمرونى الراحل احمدو اوهيجو فى ماروا فى اواخر السبعينات .وفى قاروا بالشمال .وينتشر السودانيون فى نغاوندرى و ياوندى العاصمة وبيرتوا وبيرتوا وبافوسام . لتشكل الجالية الوجود الاكبر فى مدينة دوالا الميناء المعروف على ساحل الاطلسي عند خليج غينيا .عشرات الاسر والافراد يتقدمهم الوجود الذى لا تخطئه العين لمجموعة شركات النفيدى فى استثمارات  هناك .

حديثنا بشي من التفاصيل عن الجالية والوجود السودانى المعاصر واهمية كوريدور دوالا -بورسودان نتركه لحلقة قادمة ان شاء الله .فالى لقاء قريب.

      * (سفير سودانى سابق بالكميرون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق