ثقافة وفن

الفيلم الوثائقي «سودان يا غالي» للمخرجة هند المدب

الطيبة لها حدود، مدنية لا عسكرية

يوسف الخيدر – تصوير: أحمد عقيل مكاو

اختارت المخرجة التونسية هند المدب، المشاركة في المسابقة الرسمية للدورة 21 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، بعملها الوثائقي الأخير «سودان يا غالي»، الذي تنقل فيه أحداث الثورة في الشارع السوداني.

ينقل الفيلم الوثائقي الذي ينافس على «النجمة الذهبية» للمهرجان، نضال الشعب السوداني الذي رفع شعار «مدنية لا عسكرية»، ذلك أنه اختار الخروج إلى الشارع بعد تفاقم الوضع، الذي لم تعد الطيبة وحسن النية تجدي نفعا معه.

كان الشارع الفضاء الرئيسي في عمل «سودان يا غالي»، نظرا لطبيعة الموضوع، لهذا صورت هند المدب جميع مشاهد الفيلم في الساحات العمومية، التي كان يرتادها المدنيون للاحتجاج على انقلاب الجيش وقوات الدعم السريع على الديمقراطية.

اعتمدت المخرجة على أشكال التعبير الشفوي والبصري في نقل موقف السودانيين من الوضع السياسي بالبلاد، ذلك أنها اقتفت أثر الرسومات على الجدران (الكرافيتي) التي توثق لبرورتريهات الشهداء الذين قتلوا بالرصاص أو اختفوا في ظروف غامضة.

ونقلت كاميرا هند المدب غليان الشارع السوداني، الذي تعود على الانتفاضة ضد الديكتاتورية للمرة الثالثة رافضا التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للبلاد، ومهتديا إلى الاحتجاج من أجل الديمقراطية المدنية.

وحضر الإبداع الشعري والموسيقي في العمل الوثائقي، الذي يؤرخ لحقبة مهمة في تاريخ السودان الذي يتسم بالدموية منذ سنة 2019 وإلى حدود اليوم هذا، فالكثير من المحتجين راحوا شهداء لا لشيء إلا لتحقيق الديمقراطية.

وركزت كاميرا المخرجة من خلال اللقطات القريبة على وجوه المحتجين، لمحاولة نقل صدق إيمانهم بالقضية ودفاعهم عنها بكل قناعة، استنادا إلى التواجد المستمر في الشارع وترديد الشعارات، والمشاركة في الإضرابات و»العصيان المدني».

وكان حضور الشباب في «سودان يا غالي» مهيمنا بالمقارنة مع الفئات الأخرى، لأن الثورة ترتبط دائما بهذه الفئة التي تطمح إلى التغيير، وهو ما عبروا عنه أثناء التصوير بشكل عفوي، خصوصا في المواقف المتعلقة من السلطة العسكرية واختيار المعارضة لتحقيق الديمقراطية بالبلاد، التي تشهد باتت ترزح تحت الفوضى.

وتحدثت شخصيات الفيلم عن الأساليب «القذرة» التي استعملها الجيش لقمع المدنيين المعارضين لحكم العسكر، من قبيل التخويف والتجويع والتعذيب في السجون، إلى جانب القتل والاختفاء القسري، كرد فعل اتجاه السودانيين الذين اختاروا النزول إلى الشارع.

وعبرت شجن سليمان، ومها الفقي، وأحمد مزمل، وخطاب أحمد، طيلة 78 دقيقة، عن معاناة الشعب السوداني مع ديكتاتورية العسكر الذي يحاول حكم البلاد للاستفادة من ثرواتها في الزراعة والمعادن..

وظل المحتجون السودانيون مصرون على التغيير الحقيقي، ورافضين لأي خطة تدعي «الديمقراطية المدنية» وتخفي «الديكتاتورية العسكرية»، كما ينتقدون الصمت الدولي إزاء تردي الأوضاع في السودان.

وحاولت هند المدب الوقوف في صف الشباب السوداني بمنحهم الحق في الكلمة، لاسيما أنهم لا يملكون وسائل للتعبير عن آرائهم، ذلك أن الأنترنيت هو الآخر كان يتم قطعه بين الفينة والأخرى على مدن السودان، منعا للشباب من التواصل فيما بينهم.

وابتعدت المخرجة التونسية عن شخصيات الأحزاب السياسية أو غيرها، مركزة على الشباب «الحر» الذي يؤمن بالوطن وحده ويتغنى به في شعاراته، ومن ثم لا مكان لوجهة نظر السلطة في «سودان يا غالي».

وقدم المشاركون في عمل هند المدب، صورة إيجابية عن الجيل الجديد من الشباب، الذي كان منضبطا في الشارع، وأبان عن وعي سياسي وأخلاقي وقيمي كبير، وهو ما تجلى في الوحدة والتضامن والتآزر في أوقات الشدة، التي كانت مأساوية في حياة السودانيين وتاريخ بلادهم.

ويعد فيلم «سودان يا غالي» للمخرجة هند المدب شهادة حية على معاناة الشعب السوداني في مواجهة الحكم العسكري والسعي المستمر لتحقيق الديمقراطية، بعيدا عن الصراع الأناني الذي أدخل السودان في أزمات مفتوحة، ليبقى صوت الشباب الأمل الوحيد لتحقيق التغيير والعدالة في المستقبل.

ولقد لقي الفيلم الوثائقي تفاعلا إيجابيا من قبل الجمهور الذي تابع بأسف ما يحدث في السودان من فوضى أدخلت البلاد في متاهات بات من الصعب الخروج منها، اثر الصراع المتزايد على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع.

(نقلا عن صحيفة بيان اليوم المغربية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق