ثقافة وفنلوحات المدائن

العشاء الأخير

ليوناردو داڤنشي

د. محمد بدوي مصطفى

لوحة العشاء الأخير، ترجمتها بالإيطالية (L’Ultima Cena) هي لوحة فريدة للفنان الإيطالي ليوناردو دا فينشي، رسمت في عام 1498. وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون فإن دافنشي لم يستخدم فيها تقنية الفريسكو، بل سخر عبقريته الفنيّة الجبَّارة لِتُخلق وتُولد على حائط – وكأنّه حائط المبكى – وبالفعل فهذا التفرّد في الرسم الحائطيّ مكنه من أن يطلق لعبقريته العنان في اختيار المكان الثابت والألوان الفريدة ومن ثمّة في مزجها وتطويرها انطلاقا من منابع الضوء المنبثقة عليها، فكان ذلك سلاح ذو حدين، وأدّى عامل اختيار المكان فيما بعد لتعرض اللوحة للتلف السريع بسبب الرطوبة الناتجة عن برودة الكنائس وحتى عن ارتياد الزوار الكثيرين لها. لذلك كانت هذه التحفة بحاجة إلى ترميم في فترة وجيزة -مقارنة بحساب بقاء اللوحات وديمومة الأعمال الفنيّة – ذلك بعد عشرين ربيع فقط من تكملتها.

لقد أثارت لوحة العشاء الأخير العديد من الأسئلة، الاستفهامات والتساؤلات عن شخصية الرّسام دافنشي إذ أن العديد من مكوناتها لا تنتمي، من بعيد أو قريب، إلى الفكر المسيحي الكاثوليكيّ المعروف، الذي سيطر القرون الطوال على الحياة في إيطاليا خاصة والعالم الغربيّ عامة بقبضة من حديد، لا سيما بتموطن الفاتيكان بها وتوسع نفوذه وامتداد أياديه على الحياة الاجتماعيّة العامة إذذاك بل وإلى الآن. الجدير بالذكر أن فكرة اللوحة خُطط لها بالأساس أن تُعبِّر عن اعتقاد راسخ أو قل دعامة أساسية في المنهج المسيحيّ الكاثوليكي، لكن لم يحدث هذا، فتبدلت هذه الفكرة وارتادت عناصر تكوين اللوحة آفاق بعيدة، فتبدّت علامات في مجملها معارضة للفكرة الأساسية – أغلب الظن – ترجأ إلى اعتقاد شخصيّ يتعلق بالرّسام نفسه. نعم، اعتقاد – ربما سرّي – يتنافى في جوهره ومبادئ المسيحيّة الحنيفة التي سيطرت بمخالبها على المشهد العام للحياة في إيطاليا في القرون الوسطى. لذلك طافت تساؤلات عديدة حول قراءة اللوحة وعن شخصية يوحنا الذي جلس فيها إلى جنب السيد المسيح، حيث قدمته الرواية حسب الاعتقاد السائد على أنه مريم المجدلية، ولكننا نجد في العديد من الأعمال الأخرى لرسامين معاصرين لعهده أنهم شرعوا، بإلهام من وحي الرواية التقليديّة الكاثوليكية، في تصوير يوحنا على أنه شاب يافع لم يبلغ أشدّه ولم تتبدَ عليه مظاهر الرجولة والإشعار (الدقن واللحيّة)، يظهر فيها تماما بملامح أنثوية كالعادة السائدة التي سُلِقُوا عليها أو درجوا فيها برسم شبان إيطاليا في ذاك الوقت على شكل أنثويّ. وتجدر الملاحظة إلى وجود بعض اللوحات، لهؤلاء الرسامين المذكورين آنفه، تُظهر الرُّسل والمرسلين المختلفين بذات المظهر الأنثويَّ أيضا.

فمهما أثارت لوحة العشاء الأخير لليوناردو دافنشي من جدل وتساؤلات وأسئلة في تاريخ الفن فهي ستظل من اللوحات الخالدة في تاريخ الفن العالمي دون منازع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق