سياسة

سفينة بَوْح

لن ينجو أحد!

هيثم الفضل

لن ينجو أحد!

صرَّح السيد / محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع وعضو مجلس السيادة في السودان الديموقراطي، على الملأ وفي محفلِ عام تصريحاً هذا نصهُ (إذا تم المساس بالدين سأكون أول المجاهدين)،ثم أعقب ذلك بحصر وإحصاء مجموعة المشكلات والعقبات التي تواجه حكومة المسار الانتقالي وفي مقدمتها الأزمات التي يعاني منها المواطن لأسباب معظمها معلومة ومتداولة، مُنهياً حديثهُ بأن هموم الناس واحتجاجاتهم ومعاناتهم لن يستمع أو يلتفت لها أحد وسيُضرب بها عرض الحائط ،مُعبِّراً عن ذلك بالعامية السودانية (مافي زول شاغال بيكم)، ليبقى السؤال المطروح إلحاحاً بالضرورة (وما هو موقفك أيها القائد حميدتي من مؤامرة تجاهُل مُعاناة المواطن التي تتهم بها الحكومة الانتقالية، وأنت جزءاً منها، بل أنت الجزء الأكثر أهمية وسُلطةً وقُدرة على التجاوب والمناورة، بالنظر إلى منصبك الحالي وما بين يديك من إمكانيات مادية ولوجستية؟).

فالاختباء وراء المبرِّرات الواهية للمسئولية خلف ستار الانقسامات (الوهمية) داخل مكونات الحكم الانتقالي التي بدأت (بعسكر ومدنيين)،و انتهت إلى صراعات الاستقطاب السياسي الحزبي والجهوي والمصلحي، لن يُجدي أمام هذا الشعب الذي (أبدع) وأدهش العالم في سُمو وعيه السياسي، وقدرتهِ على تحليل الوقائع واكتشاف (الترُّهلات) الشكلية والضمنية فيما ترمي إليه تصريحات النافذين، كان من باب أولى أن تُقر قيادات الحُكم الانتقالي ونافذيه والمُبشِّرين بالانتقال والسودان الجديد، أن النظام الديموقراطي لا (يتنازع) مع الأديان ولا توجد في مبادئهِ ومدلولاته وهياكله وقوانينه (فُرصةً) ولو ضئيلة تدفعُ أحداً (للجهاد) أو النضال للدفاع عن معتقداته، يجب أن يقوم قادة الانتقال الديموقراطي بتبشير الشعب السوداني بهذه (المُكرمات) و(الفضائل) التي توفِّرها وتُتيحها الديموقراطية للدين والمُتديِّنين.

أما الإشارة إلى الإخفاقات والإحباطات إن سلَّمنا بمثولها في واقعنا رغم أن قياسها نسبي ومرحلي وغير مُطلق، فهو مسئولية جماعية للذين يَحكمون ويُحكمون، يتحمَّل فيها الشعب السوداني جزءاً من المسئولية لأنه هو الذي قام بالتغيير وهو من يجب عليه تحمُّل التبعات المؤقتة القاسية والموجبة للصبر والاحتساب، وإلا أصبح أمر تنصُّل بعض قادة الانتقال من المسئولية تجاهها، مُجرَّد دعوة غير بريئة للثورة والانقلاب على الشُركاء الآخرين، عبر اعتبارهم مُسبِّباً أساسياً للفشل وتطاوُّل الأزمات، أو من جانبٍ آخر إشارة موجَّهة للجمهور تفيد (قُدرة) حميدتي على حلحلة مشكلات البلاد وحدهُ دون شريك لو أُتيحت لهُ الفرصة، وفي ذلك منظورٌ يدعو بصورة مباشرة للشمولية من جديد، إن كان لابد للحقيقة من بث (الاتهامات) وجب أن تُعلن غير مُبهمة ومباشرة ومعنوَّنة بأسماء الأشخاص أو المؤسسات التي تتحمَّل المسئولية و يقع عليها جبر الضرر العام والخاص، بدون ذلك لن (يُمرِّر) الشعب السوداني كل ما يُلقى على أُذنيه جُزافاً ولن (ينجو) من المسئولية أمامهُ أحد.

علَّهُم يعقِلون!

سوءتان آذت أرواح الشهداء وجدّدَت الجراح في أفئدة الذين عُذبوا وشُردوا وهم في غمرة النضال والدفاع عن الوطن ومكتسباته، الأولى بطلها القائد السياسي (مُبهم النوايا) والمعروف بنضالاته ضد الإنقاذ وإن بدأ الكثيرون يتشكَّكون في (مصداقيتها) بعد العديد من مواقفهِ (المُترَّهِلة) التي صعُب على المحُللِّين تصنيفها في قائمة الوفاء للثورة ومبادئها وشعاراتها، ذلك القائد (باعتبار أنه كان واحداً من روُّاد وقيادات الترتيبات السياسية التي أعقبت الثورة)، هو السيد / إبراهيم الشيخ، الأمين العام السابق لحزب المؤتمر السوداني ووزير الصناعة الحالي، حيث أبدى بلا حياء أسفهُ وحزنهُ على مُجابهة الجهات الأمنية للتجمعات السياسية لفلول الإنقاذ المعارضة لإرادة الشعب السوداني والمُغطاة كالعادة بدثار الدين تحت دعوى إفطار رمضان، في استفزاز علني وحقير للشعب السوداني الثائر لأجل الكرامة والانعتاق، وبما أن أهم ما هتفوا به قُبيل تفريقهم (القانوني) كان (عائدون .. عائدون)، علينا أن نعتبر أن إبراهيم الشيخ  وهو أحد مُنتفعي عجلة الفساد الكيزاني عبر استثماراته وشراكاته المشبوهة معهم قُبيل الثورة، حزيناً وآسفاً لتأخُّر هذه العودة المزعومة وفي ذات الوقت (داعياً) بلا شرط ٍ ولا قيد إلى فتح الباب لهم على مصراعيه، لينشطوا ويخطِّطوا و(يُجاهدوا) لإعادة الشعب السوداني إلى زنزانة الذُل والإحباط والهوان والتنكيل، على إبراهيم الشيخ أن كان بالفعل مع الثورة والثوار أن يعتذر للشعب السوداني عن دعوته الحكومة الانتقالية إلى تخطي الوثيقة الدستورية والقانون الذي حظر النشاط السياسي لحزب المؤتمر الوطني وروافده ومصادره وفرعياته التنظيمية لذات السبب الوجيه المُقدَّس، والمُتمثِّل في كون ثورة ديسمبر المجيدة قامت لدحرهِ وإبعادهِ وتفكيكهِ، بعدما أمهرت ذلك  بأرواح الشهداء  ودماء الجرحى و نضالات المعتقلين والمفقودين. 

أما السوءة الثانية فتبدَّت في أن كل ما بذلهُ الشعب السوداني من نضالات وتضحيات لم تستخسر الأرواح فداءاً للوطن والكرامة والانعتاق، لم تشفع لهُ ولم تؤهِّلهُ للاستمتاع بـ (صون) آذانه عن تُرهات وتهديدات فلول الفسدة من أرباب الإنقاذ وخصوصاً قادتها وزعماء جبروتها، فالتهاون والاستهتار الذي لمسهُ الكيزان من نافذي الحكم الانتقالي وخصوصاً في الأجهزة الأمنية والعدلية كان كفيلاً ليُشجِّع أمثال علي كرتي، ذلك الهارب من العدالة والمُتهم بالفساد والتلاعب بمُقدَّرات الوطن وسارق قوت البُسطاء، مُهدِّداً  الشعب السوداني البطل من مخبئه الآسن، مُتوعِّداً ومُلوِّحاً باللجوء إلى العُنف في فرض سلطان مملكة الغاب والظلم والجور من جديد، وما يوجع في الأمر أن علي كرتي وصحبه من مُناهضي إرادة الشعب السوداني لا يشكون لحظةً في كراهية ومقت الشعب السوداني لهم ولمنهجهم وسوءات سُلطانهم، ووفق ذلك يُقرَّون بأنهُ (أي الشعب السوداني) عدوٌ تجب مواجهتة بشتى الأساليب، والأهداف معلومة للجميع فهي تبدأ باستعادة سلطانهم الغاشهم وكسر كبرياء المقاومة الشعبية وإرادة المواطن السوداني الذي خرج بالأمس القريب هاتفاً بهلاكهم وساعياً لإسقاطهم، على الحكومة الإنتقالية أن تضرب بيدٍ من حديد كل من يقوم بتسفيه واحتقار إرادة الجماهير وعلى حُراس الثورة من شبابها وشاباتها الذين أدهشوا العالم بوعيهم وعزيمتهم وسلميتهم أن يُكثروا من بث الرسائل المباشرة وغير المباشرة عن موقع ومكانة الفلول في نفوسهم وفي مُخطَّطاتهم لتحقيق ما يأملون  في سودانهم الجديد، علَّهم يعقلون.

كما علَّمتنا الحياة!

كما علَّمتنا الحياة فإن (الكارثة) لا تكمُن في ارتكابك للخطأ بقدر ما تكمُن في استمرارك فيه والإصرار على إنكاره ، من هذا المنطلق ومن مبدأ أن باب التوبة مفتوح من لدُن رب العالمين ، مما يرفع من مقام فضيلة قبول (تراجُع) المُخطئين والتائبين والمُصحِحين لمساراتهم ، ولو من باب الاعتراف بالحقيقة المُجرَّدة وتحميل كل مُذنبٍ سوءة ما اقترفت يداه أمام محكمة تنشًد العدالة المحضة ، أقول هذا داعياً كل مُناصري الحق ، والرجوع إلى فضيلة الاعتراف به والإقرار بعلُو مقامهِ أن يشكروا ويشُدوا من أذر سعادة اللواء إبراهيم نايل إيدام الذي صدح بالحق في وجه طُغاةٍ ما زال يرتعب منهم (الآخرون) وهم خلف القُضبان ، فالرجل أشاع الحقيقية ونصر الحق وأبطل الباطل  لم يُجامل رفاق الأمس في حق الوطن والضحايا والمكلومين من ذويهم ، وفي ذلك من علامات الأخلاق والاعتداد بالقيَّم والندم على ما فات والرجوع إلى (الدين الحق) ما لا يمكن أن تشوبهُ شائبه إلا من أصحاب النفوس الخبيثة.

وكما عودَّنا واقعنا السوداني الأليم أن لا يبدوا في آفاقنا إشراقاً مثل ما سطع به اللواء إبراهيم نايل إيدام ، إلا وتلاهُ وجهٌ محزن من أوجُه الحقيقة ، حيثُ لا أستطيع أن أمنع نفسي من الحزن والشعور بالأسى عندما تتوالى تبريكات الإسلامويين من الذين ينعتون انفسهم بـ (الشباب) بعد إعلان تكليف الهارب على كرتي أميناً عاماً للحركة الإسلامية خلفاً للزبير محمد الحسن الذي أُعلنت وفاته الجمعة الماضية ، فقد كنت أتوقَّع فيما تمنَّت نفسي أن التيار الإسلامي بعد سقوط مشروعهم الملعون والذي تسربل بالفساد والطُغيان وإيذاء المسلمين وغير المسلمين على حدٍ سواء ، أن تكون المرحلة الحالية في أولوياتهم التنظيمية على مستوى الشكل والمنهج أن يُعملوا فقه المراجعة والتقويم عبر (الإبدال والتغيير) ، ثم المُضي في الإصلاح ، وأن يتنادوا جميعاً للإجابة على السؤال الإستراتيجي الذي يفرض نفسه عبر شتَّى الوقائع والأحداث السارية حتى يومنا هذا والمُتمثِّل في (كيف أوصلوا السودانيين إلى هذا الحد من كراهية الحركة الإسلامية منهجاً وسُلطةً وشخوصاً ؟) ، من وِجهة نظري أن الإجابة على هذا السؤال تُحدِّد الاتجاهات الأولية في منهج الإصلاح والتقويم إن أرادوا بالفعل إصلاحاً ، أما الاستمرار في الجأر بالشكوى والإشارة إلى استهدافهم بعدم الاستفادة من مبادئ المسار الديموقراطي فيما يخص بسط الحريات والحقوق السياسية والقدُرة على التعبير إبان المرحلة الانتقالية ، ففيه الكثير من الإشارات التي لا تقبل تفسيراً غير أنهم ما زالوا يُصرَّون على أن هذا الشعب لا يستحق الانعتاق والحرية والمساواة والعدالة والكرامة وعُلو المقام ، هذه الإشارات كان آخرها ما صرَّح به الدكتور حسن مكي عرَّابهم وفيلسوفهم الذي على ما يبدو فقد آخر ما يربطهُ بالتعقُّل والحكمة والقدرة على (التعايش) مع واقعهِ المرير حين قال (أن هبة ديسمبر لم تكن ثورة وأن ما يحدث الآن ليس سوى الإنقاذ الثانية) ، ضارباً بعرض الحائط ما تم الحصول عليه بدماء الشهداء وأنَّات الجرحى وأحزان أمهات المفقودين ، في سبيل نشوةٍ عابرة (للخبل الفكري) المُستشري  في عقله بما أصابهُ من هلع  وهو يرى بأم عينيه جحافل التغيير تمضي إلى غاياتها.

كيف لنا أن نُصدِّق أن جماهير الحركة الإسلاموية ، قادرة على تحقيق مُراجعة ذاتية لما اقترفته من أخطاء وجرائم وكوارث في حق الوطن والمواطن السوداني والإسلام ، وبعد أن ثبت بالوثائق والوقائع والاعترافات فساد وإجرام ودموية قياداتها التاريخية ، ولم يزل معظم ( مُغيَّبيهم) لا يعترف بما اقترفت أيدي هؤلاء من آثام ، والدليل ما يتوالى عبر وسائل التواصل الإلكتروني من بيانات ورسائل ومخطوطات معظمها تؤيِّد وتؤازر وتُبايع المتهم علي كرتي أميناً عاماً ومُرشداً أخلاقياً وقيَّمياً لمشروعهم القادم وهو (الهارب من العدالة الجنائية) البحته ، وفي قضايا مُتعلِّقة بالفساد المالي والإداري ولا تمُت إلى السياسة بصلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق