سياسة

خارج المتاهة

إنها هدية الثورة للأحزاب

محمد عتيق

ماذا يريد الشارع السوداني من أحزابه ومنظماته ؟ كيف يمكن للأحزاب السودانية أن تكافئ شباب البلاد وأجيالها الجديدة على بسالاتهم الجبارة ، وإهدائهم لها هذه الفرصة الثمينة لتصحيح كثيرٍ من المفاهيم والمواقف والرؤى ؟…       مثلاً : هذه الأجيال من النساء والشباب يرون :

أن القيادات العليا للقوات النظامية ، والتي كانت مسؤولةً عن أمن النظام الساقط ، قد هيمنت على ثورتها – ثورة ديسمبر٢٠١٨ – تحت شعارات «الانحياز للشعب» (سرقتها) ..

= وأن هذه القيادات هي في الحقيقة تنتمي للنظام الساقط فكرياً أو بتشابك مصالح شخصية منها حصولهم على هذه الرتب الرفيعة ( وفي كل الأحوال هي مصالح ذاتية ضيقة ) ، وهي قيادات مُثقلة بجرائم جنائية ضخمة سواءً في دارفور أو في إعتصام القيادة العامة (رمضان٢٠١٩) وجرائم الإعتقال والقتل والتعذيب ألتي ارتكبتها الأجهزة الأمنية في حق المناضلين الوطنيين.

= وبالتالي يفهمون أن الإشارة إلى القوات المسلحة والنظامية الأخرى هي إشارة لإخوانهم وآبائهم وذلك جزءٌ عزيز منهم تعمل على خدمتهم وصون حرمة وطنهم وحدوده أرضاً وبحراً وجواً .. وليست – أي الإشارة- لتلك القيادات التي فرضتها تشابك المصالح والانتماءات مع النظام الساقط ..

= أن التجربة قد أثبتت سوء نوايا القيادات الحالية للمؤسسة العسكرية وعلى عدائها الشديد للثورة وقواها رغم كل الإدعاءات ، والأدلة كثيرة ..

= وأننا عندما نتحدث بإعجاب عن الماضي وقياداته فإننا نُعبِّر حقيقةً عن الأزمة في حاضرنا ، عن أننا – في أسىً – نقارن بين ماضٍ حافلٍ بالمواقف المضيئة وبين واقعٍ مُظلمٍ نتخبَّطُ فيه ، عن الذي نسميه ب «ألزمن الجميل» ،، وهو زمنٌ – وإن كان مظهره جميلاً – إلا أنه كان يحمل في أحشائه المعاني التي تفجرت أزماتاً تملأُ حاضرنا :

    * آباء الاستقلال الذين نتغنى بهم ، ورغم الاحترام والتبجيل لهم ، كان السودان بالنسبة لهم هو الخرطوم العاصمة وبعض المدن الإقليمية ، أي أنهم لم يدركوا أو يحفلوا بهذا التنوُّع الثقافي والإثني والديني الزاهي الذي يُزَيِّن الوطن مصدر قوةٍ وتعدُّد طاقاتٍ إذا اعترفنا به وأحسنَّا إدارته .. هي النظرة التي ظلّت تتفاعل إلى أن وصلت مداها في عهد النظام الساقط (جهاداً) راحَ بجزءٍ غالٍ وحبيبٍ من الوطن ..

    * مثقفين كبار من السياسيين الَّذين أدهشوا الجوار العربي والافريقي إنما كانوا أفراداً يمثلون أنفسهم وإن كانوا يتحدثون بإسم أحزابٍ كانوا مجرد نجومٍ أفرادٍ في سماواتها بينما كانت تلك الأحزاب ، ولا زالت ، تتحكّم فيها الولاءات الطائفية والقبلية والعائلية وأحياناً المصالح الخاصة ..

   شباب اليوم يرون كل ذلك وأكثر ، وبثورتهم المندلعة حتى الآن ، والمليئة حباً وجسارة ، إنما يهدون القوى والأحزاب السياسية فرصةً نادرةً لتصحيح تلك الرؤى والاعتقادات الخاطئة وعلى رأسها السلبيات الموجودة في دائرة الصفات الشخصية السودانية (الطيبة المتناهية والثقة المفرطة في التعامل مع الآخر الأجنبي) وتوظيفها داخلياً في علاقاتها وتحالفاتها :

– هل هنالك من خارج السودان من هو أدرى منكم بأزمات هذا الوطن ومشكلات مواطنيه ؟

– هل هنالك من خارج السودان من سيرى بعينيك ويكتب بيديك وفؤاده معك وليس مع ثرواتك وممكناتك المادية ؟ (ما سيستفيده منك)..

كل العلاقات والتأثيرات الجارية حتى الآن بين الأطراف السودانية ودول الجوار الإقليمي أو الدولي ، كلها ، قائمة على مصالح وخدمة استراتيجيات تلك الدول الإقليمية والدولية المقصودة ..

تلك العلاقات والتأثيرات هي التي تابعت نُذُر الثورة في السودان وأعدَّت لها رئيس وزراء لا علاقة له بها ، كل ما هنالك هو أنه موظف في منظمات دولية ، وعملت على تسويقه لنا نغمةً في أفواه الشعب المتعطش لرمز   لمنقذ ، التائق للانعتاق ، يتغنى به وباسمه .. وجدوا فيه عنصراً مناسباً يُنفِّذ لهم أجندتهم المطلوبة سودانياً :

– طلب من الأمم المتحدة تبديل وضع السودان من الفصل السابع الذي كان فيه إلى السادس الذي ينص على  بعثة أمميةٍ كبيرة ومتنوعة التكوين بمهام معلنةٍ تتلخص في مساعدة السودان في التحول الديمقراطي ، تعزيز أوضاع حقوق الإنسان وسيادة حكم القانون ، ومهام غير معلنة (فهي غير مُعلنة)… ولما سأله مجلس الأمن أن يأتي بموافقة القوى السياسية على ذلك الطلب لم يتردّد في أن يكتب لهم – ادعاءاً – أن الجميع موافقون على ذلك !! :

في جهوده «المُقَدَّرة» لرفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للارهاب امريكياً خضع موافقاً على شروط إدارة ترامب الابتزازية في تعويض أسر ضحايا جرائم ارتكبها النظام الساقط ليستقطع من قوت السودانيين مبلغ ٢٥٠ مليون دولار امريكي !! وعلى شرطٍ آخر هو التطبيع مع الكيان «الاسرائيلي» ..

من الواضح أنه كان رسولاً أيضاً للمؤسسات الاقتصادية الدولية لربط السودان بها في خضوعٍ تامٍّ لشروطها ووصفتها التقليدية لدرجة أنه صرح بأن قوى الحرية والتغيير لم تُزوِّدهُ بأي برنامج راكلاً تلك الرؤى والبرامج التي  وضعتها اللجنة الاقتصادية لقحت وسلّمتها له كما ركل لاحقاً توصيات المؤتمر الاقتصادي ، وجميعها كانت قائمةً على تعزيز دور الدولة في الرعاية الاجتماعية … ومنذ  البدء كان قد سلّم الجانب العسكري في المجلس السيادي (السيادي افتراضاً) أهم الملفات التي تليه دستورياً : السلام ، الاقتصاد والعلاقات الخارجية فكان التطبيع مع «إسرائيل» بزيارة البرهان لنتنياهو في عنتيبي ، وكان سلام جوبا ذو الاتفاقية (تحت التربيزة) حسب تعبير السيد أركو منّاوي .. ثم عمل – في تنسيقٍ مع العسكريين – على عرقلة قيام المجلس التشريعي لأن تلك الأهداف التي حققها للمجتمع الدولي (الأجانب في هذه الحالة) لا يمكن إقرارها إلا بمجلس تشريعي (منتخباً كان أو ذو شرعيةٍ ثورية) ..

   وعلى طريق تنفيذ الأجندة الاجنبية التي معه حاول جاهداً إضفاء الشرعية على إنقلاب البرهان العسكري (٢٥ اكتوبر ٢٠٢١) بتوقيعه المعروف على وثيقةٍ سياسية معه معترفاً بإجراءات الانقلاب ونتائجه ، وهنا برز الدور (غير المعلن) للسيد رئيس البعثة الأممية «فولكر بريتس» الهادف إلى تسويق ذلك الاعتراف و جرّ الجميع إلى هجيره ، ولكنه فشل ثم لجأ إلى حيلةٍ أخرى ، فهل سينجح عَبْرَها في تطبيع علاقات الثورة بذلك المكون العسكري ؟ وهل ستمضي القوى السياسية في تجريب المُجَرَّب محليا وإقليميًا ؟ هل ستذهب القوى السياسية فعلاً في إضاعة المزيد من وقت الثورة وأرواح شبابها ؟ أم ستتجرّد للشعب والوطن ومصلحة الأجيال الجديدة فتنزع أردية الماضي بأسمائها وخلافاتها وتجلس للاتفاق على برنامج ومشروع للانتقال وقيادة الثورة إلى مراقبها ؟؟(حلّاً ونهجاً سودانياً خالصاً)..

الشجاعة : هي القبول بذلك..

انها فرصة ، وهي بالفعل هدية الثورة ، فهل نحن قادرون على الانتصار لشعبنا بالانتصار على ذواتنا ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق