ثقافة وفن

مرة أخرى: ظاهرة استعمال المفسرين للأحزمة بدلاً من العقول!!

عبد الحميد اليوسفي*

المفسرون القدامى ارتكبوا خطأً فادحاً جعلهم ينظرون إلى الحياة الآخرة، وأقصد هنا الجنة تحديداً، بعين نظرتهم إلى المُتَع الحسية الدنيوية، ولكن ذلك لم يأت مبنياً على حقائق قرآنية خالصة، أو على معطيات علمية، أو على مصادر معرفية موثوقة، كما ينبغي أن ينبني أي تصور للمستقبل، بل جاء للأسف الشديد مبنياً على ما يسيطر على أفكارهم وعقولهم من الملذات المحرّمة دنيوياً خارج مؤسسة الزواج بالنص الديني، متمثلةً في كل نساء الحياة الدنيا، اللواتي يستأثرن بانتباه واهتمام مفسرينا أولئك، حتى أنهم يشتهونهن بالجملة، ولذلك لا يكلّون من متابعتهن والقول فيهنّ، فلا يستطيعون الاكتفاء بشريكة حياتهم والقناعة بما قسّمه الله لهم بين يدَيْها أو بين يدَيْ غيرها، فتراهم في كتب التراث يمدّون أبصارهم إلى كل النسوة بلا استثناء، عملاً بالمَثل الشعبي المضحك: “ما تراه العين فهو لي كله، وما لم تَرَهُ العين فلي نصفه” (!!!) وفي هذا المعنى بالذات فصَلوا آية تعدد النكاح وبتروها عن سياقها، وتناسوا أنها تشتمل على عنصرين اثنين لا يفترقان: “شرطٌ وجوابُ شرط”، وأن الشرط هو “الخوف من العجز عن تحقيق القسط بين يتامى الأرامل”، في زمن كثرت فيه الحروب، فتضاعفت فيه أعداد القتلى في سبيل الله، فترمّلت من جراء ذلك آلاف الزوجات المؤمنات، اللواتي وجدن أنفسهن مُثْقَلات بالأبناء/اليتامى، ولذلك جاء جواب الشرط واضحاً كسؤاله: “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع”… وقد رأينا كيف أن هذا البتر للآية، ومعناها الراقي ومقدماتها الإنسانية والاجتماعية الرفيعة والتي رامت تحقيق القسطاس بين أبناء الرجل من زوجته الأولى وأبناء زوجته الثانية أو الثالثة أو الرابعة المنضمّة إلى أهل بيته من أجل أطفالها المُيَتَّمين… جعلهم ذلك يتزوجون الصغيرات يستبدلون بهن زوجاتهم المتقدمات في السن، اللواتي أخذن منهم ميثاقاً غليظاً، بحجة كونهن لم يَعُدن يُثرن شهوتهم!!

كنت أقول إن مفسرينا بالجملة تصوروا الحياة الأبدية في جِنان الخلد بنفس نمط الحياة الدنيا، وخمّنوا فيها ملذات ومتع وشهوات جعلوا المرأة في طليعة جداولها البيانية والإحصائية، كما هو شأنهم في الحياة الأرضية، التي يعتبرون المرأة فيها مجرد شهوة من الشهوات ومتاعاً دنيوياً، وليست نصف المجتمع، ولذلك تطالعنا كتبهم الصفراء الفاقع لونها وهي تصف أرداف حوريات الجنة ومؤخراتهن، بل تَجاسَرَ بعضهم على هذا الموضوع فوصف طريقة الجماع في الجنة، فقال إن العملية الجنسية الواحدة تستغرق سبعين سنة، نعم، وبذلك تبين من تصوّراتهم وتخميناتهم وأوصافهم الغريبة تلك، أنّ كل ما يقومون به من أعمال صالحة في حياتهم الدنيا، إن كانت لديهم فعلا أعمال صالحة، لم يكن امتثالا لأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه، ولم يكن حباً في الله ورسوله تتحقق بفضله الطاعة التامة والجديرة بذلك التعلق، وإنما كانوا يمتثلون للأوامر والنواهي طمعاً في حوريات الجنة ذوات العيون الحُور، حتى أن بعضهم وعد الشباب المغرَّر بهم، والمدفوعين إلى الانتحار لإزهاق أرواح الأبرياء من مختلف العقائد والديانات، بالحصول على سبعين حورية لكل منهم… فيا له من إيمان مربوط ومرتهن بالأحزمة وبما تحت السُّرة!!

نأتي الآن إلى موضوع “الحور العين”، الذي سبق أن تناولته في مقال سابق ووصّحتُ بعض التباساته بقدر المستطاع ولكن بلا ادنى جدوى… ولذلك أبدأ هنا بالاعتذار بكل صدق عن الإطالة والتكرار، فالموضوع فعلاً يستحق…

عندما هبطت المجموعة الآدمية بعد أنسنتها من الجنة، بسبب عصيانها، والجنة أرضية وليست سماوية… أقول: عندما هبطت الآدمية إلى هذه الأرض الملئى هي الأخرى بملايين الجِنان، كان التكليف الأول والأساس هو “إعمار الأرض”، و”عدم الإفساد فيها بعد إصلاحها”، أي بعد تسليم قِيادِها للإنسان أمانةً في عنقه وهي في غاية الصلاح والجمال والفطرة…

ولمّا كان واجب إعمار الأرض يحتاج إلى التزاوج والتناسل وإلى الخلف والاستخلاف، فقد اقتضت الحكمة الربانية أن يجعل الخالق لهذا الهدف مجموعة من الحوافز، فكانت الغريزة الجنسية عنصراً أوّلَ أساسياً، وكانت اللذة الجنسية من أكثر الحوافز طلباً وسعياً من لدن الكائن المستخلف في الأرض، ذكوراً وإناثاً، وقد كان من الطبيعي أن تنطلق هذه المعادلة الاستخلافية باستحواذ العلاقة الجنسية ولذتها على قصب السبق والغَلَبَة من بين باقي الغرائز الأخرى، وقد صدق من وصف هذه الغريزة بالحيوانية لأنها لا تختلف في شيء عنها لدى الحيوانات، ثم إنها بعد ذلك بدأت تفقد شيئا فشيئا من أَلَقِها وسطوتِها مع تطور الرغائب والاحتياجات والانشغالات، وخاصة بعد أن نزلت الرسالات، وبُعِث الرسلُ والأنبياءُ ليُخضِعوا الغريزةَ ذاتَها للتهذيب، ويُحوّلوها من غاية بَقائية إلى ضرورة خاضعة لروزنامة من القواعد العقدية والأخلاقية ولكن، مع احتفاظها بقوتها الشهوانية!!

ومن الطبيعي، أن يختلف الناس بعد ذلك في ترتيبها ضمن اهتمامات الحياة الدنيا وانشغالاتها حتى أن البعض، وهم قلة، جعلوها في آخر متطلبات الوجود الأرضي، ومِثالُهم الصوفية والمتصوِّفة والرهابنة وجماعات العُذريين!!

وليس من الغريب أن يَقِلّ الحديث عن الجنس ومدارسه وممارساته المختلفة في زمن تزاحمت فيه أولويات الحياة، من أكل وشرب في ظل الجفاف، والقحط، وندرة المياه، والحروب؛ واختلال التوازنات الطبيعية والبيئة في ظل التلوث المتزايد، والاختلالات البيولوجية والمناخية بسبب عَنَتِ الإنسان وظُلمِه وإفساده في الأرض براً وبحراً وجواً، وبسبب غياب الأمن والاستقرار من جراء الفتن والقلاقل والنزاعات التي صارت تندلع بسبب وبغيرما سبب!!

في ظل هكذا ظروف معيشية مضطربة وملتبسة، أمكن لأمم ومجتمعات كثيرة أن تنمو وتتطور وتحقق فتوحات في العلم والفكر والابتكار، وبالتالي في العقل والمنطق، وبدا أنّ هذه الشعوب والأمم ترنو إلى المستقبل فتحاول افتضاض بكارة أسراره وغيبياته، ولذلك تطورت إلى الأمام باتجاه المستقبل، باستثناء مجتمعاتنا المسلمة، بالمفهوم القاصر والخاطئ للإسلام، والذي يقصر هذا الدين الواسع الفسيح على الأمة المحمدية دون غيرها من أمم وأقوام سائر الأنبياء والرسل، المسلمين بكل تأكيد، وأخص هنا بالذكر، وتحديداً، مَن نسميهم في أدبياتنا “علماء” وما هم بالعلماء، و”فقهاء” وما هم بالفقهاء، بدليل هذا الذي نحن بصدد مناقشته في هذا العمل المتواضع، الذي أرجو الله تعالى أن يُكتَبَ لي في سجلّ صالح الأعمال، يوم تُعرَض السجلاّت الفردية على الحكيم الرحيم العادل فَيَزِنُها بمثقال ذَرَّة!!

ولأن فقهاءنا ومفسرينا ماضَوِيُون ومُثْخِنون في الماضوية إلى درجة المناداة بالعودة إلى تجربة الخلافة، التي لم تكن قطّ راشدة بدليل تَقاتُلِ الخلفاء فيما بينهم بمجرد وفاة الرسول الكريم وتنازُعِهم على السلطة… ويكفينا أن نتذكّر أن أبا بكر مات مسموما، وأن عمر مات مطعوناً بخنجر، وأن عثماناّ ضّرب بالسيف وهو يتلو في قرآنه، ثم أن علياً مات بتدبير من معاوية… وجميعهم من صحابة الرسول الأقربين، وجميعهم أخذ الرسول عليهم عهداً بأن ينصروا بعضهم بعضاً، وأن لا يدّخرون وُسْعاً في الذود عن حرمة دينهم، فإذا بهم بمجرد التحاق النبي برفيقه الأعلى اجتمعوا في نزاع طويل على السلطة لم ينته إلى غاية زمان الله هذا، بينما كان جثمان محمد بن عبد الله يتحلّل ويتفسّخ، ولم يُوَارَ الثرى إلا بعد مُضيّ ثلاثة أيام على وفاته!!

ونعود كرةً أخرى إلى فقهائنا المفسرين، ونعود بالذات إلى “الحور العين”، لنكتشف أن هذا الإسم أو التوصيف لا يمت بأي صلة لنساءٍ “حُورِ الأعين”، الذي هو جمع “حوراء العينين”، وهما الجمع والمفرد الواصفان لنسوة في أعينهنّ حَوَر، ولننتبه أيضاً إلى أن “الحور العين” تشكل إحدى المُتَع التي وعد الله بها أهل الجنة ذكوراً وإناثاً، وليس الذكور فحسب، لأن “المتقين” الموعودين بتلك المتعة ليسوا إلا من الجنسين معاً، وبذلك سقط مفسرونا الضالين في خطإ لغوي بالغ السهولة قد لا يسقط فيه أطفال الابتدائي في عالم صار الفِتْيَةُ فيه بفضل وسائل التكنولوجيا الحديثة وما تفتحه أمامهم من المصادر والمراجع أوفى معرفةً وأذكى وأحسن فهماً من شيوخ الماضي وأهل “العِلم” المفترَى عليه!!

“الحور العين”، إذن، لَسْنَ إناثاً ذوات عيون فيها حَوَر؛ والمتقون الموعودون بالحور العين ليسوا حصراً من الذكور، بل هم من الجنسين معاً، وبالتالي فليس من اللائق أن يتصور المرء تزويج إناث حور الأعين بكلٍّ من ذكور الجنة وإناثها؛ ثم إن مسألة الممارسة الجنسية في الجنة لا يوجد أساساً في كتاب الله الحكيم ما يؤكد وجودها، خاصة أن الجنة لن يكون فيها إعمار للأرض، ولا استخلاف بعد الممات، لأن الموت هناك يكون هو ذاتُهُ قد مات؛ وبالتالي فمن الأصوب أن نتصور بكل أريحية “حياة جديدة وغير مسبوقة، تستدعي تزويج أهل الجنة بأجسام جديدة هي الأخرى وغير مسبوقة”، وأن تكون هذه الأجسام هي عينها المسماة “حُوراً عِيناً”؛ ثم أن نقبل في نهاية هذا المطاف بأن الجنة ستوجد بها مُتَعٌ أخرى لا تشبه في شيء متع الحياة الدنيا، وهذا قد عبر عنه أحد الأحاديث إن صح بمقولة: “ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلب بشر”… اللهم إلا ما ذكره الله من تلك المُتَع التي استأنس بها أهل الدنيا، من لحوم طير وفواكه من كل الأصناف والأنواع، ومن أرائك فاخرة وسرر موضونة وظلال ممدودة وزرابي مبثوثة… وكل هذا وغيره يُغري بالاستكشاف، لولا أن فقهاءنا المفسرين لم يعجبهم شيء من كل هذا غير إشباع شبقهم الجنسي الدنيوي، الذي جعل تفاسيرهم هذه تفضح كبتهم، وتفضح بالتالي أسباب استعبادهم للمرأة وتبضيعهم لها واعتبارهم إياها مجرد شهوة من شهوات الحياة الدنيا كما الخيل والبغال والحمير والأنعام والذهب والفضة والعقارات… حاشى أمهاتنا وبناتنا وأخَواتِنا وكل قريباتنا وسط هذا الفهم الخاطئ والباطل والظالم والمظلم!!

نهايتُه… أنّ الغريب العجيب في هؤلاء، وأنا شخصيا أناقش يوميا ومنذ سنين طوال الكثير من تلامذتهم وورثتهم، لم أستطع إلى الآن أن أقنع نفراً واحداً منهم بأن يحاول فقط، مجرد محاولة، القيام بمجرد تَصَوُّر لحياةٍ فردوسيةٍ فيها مُتَعٌ أخرى أحسن وأرقى وأحقّ بالمحبة والعشق من المتعة الجنسية الأرضية، ولو مجرد تصوّر فحسب، فهم لا يطيقون تصوّر أي نوع من الوجود بدون تلك الغريزة، فبالأحرى أن يتصوروا أنفسهم وقد زوّجها الله بأجسام مهيّأة لاستقبال حياة خالدة وأبدية مختلفة، مصداقاً للآية الكريمة من سورة التكوير “وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ”، لأن هذا بالذات، هو النوع من الزواج الذي سبق ذكره بالحور العين، ولا علاقة له من قريب ولا من بعيد بتزويج الذكور وحدهم بحوريات زواجاً مماثِلاً لزِيحاتِ هذا الوجود الدّنِيِّ والآيِل إلى زوال!!

أتدرون؟ لقد عقّب أحدهم ذات مناقشةٍ على هذا الطرح العقلاني بقوله بكل غباء: “يا أخي إذا كنت أنت على استعداد للتنازل عن رجولتك وفحولتك فأنا لن أفعل لأنني لن أستطيع ذلك”… قال ذلك وكأن بيده الخيارَ كي يفعل أو لا يفعل!!

نهايته أيضاً… هؤلاء، وعقولهم المحنطة، وأفهامهم الذكورية الماضوية والحيوانية، شكّلوا ومازالوا يشكّلون مصيبة عُظمى بكل المعايير أصابت تديُّنَنا في الصميم فجعلتنا وإياهم مَضحكةً في أعين الثقافات والحضارات الأخرى… فمتى تُراهم يستيقظون ويتحررون من سجن الأحزمة وما تحتها؟.. الله وحده أعلم!!
____
* باحث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق