
وليس الأنثى كالذكر
د. سيكو مارافا توري
القرآن الكريم بمثابة “كاتلوك” المعرّف للإنسان حقيقته وطبيعة الكون والحياة وعلاقة الإنسان بها، فهو هدى للعالمين لبيانه هذه القضايا العقدية. إذ في معرض بيان القرآن الكريم ماهية الإنسان وبعد تفصيل القول في أصل خلقه وتفاصيله والمراحل التي مر بها الإنسان الأب (آدم) ومراحل تكوين ذريته (بني آدم) بين أن الإنسان يكون ذكرا أو أنثى، وأن الأصل هو أن الذكر مثل الأنثى بالنظرة الإنسانية وما يتعلق بها.
والأنثى كالذكر من حيث الإنسانية
- كلا من الذكر والأنثى إنسان مخلوق: “إنا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى“. “ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى “. “وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا“. “ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى“. فالله خالق الرجل كما هو خالق الأنثى.
- كلاهما مخاطب بتحمل المسؤولية: فالذكر مكلف كما أن المرأة مكلفة بتحمل العبادة. “فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ“. “ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا“. “ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ“.
- كلا منها متصف بالكرامة الإنسانية: ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ“.
- والذكر والأنثى مشترك في الميل نحو الآخر وفي حب زينة الحياة: يدل على الأول أمر الاثنين بعموم التستر وغض البصر “قل للمؤمنين يغضوا.. وقل لمؤمنان يغضضن“، وحديث أم سلمة لما أمرها رسول الله وميمونة بالحجاب عن ابن أم مكتوم “أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه“، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ” فالرجل من الناس يميل للمرأة، والمرأة من الناس تميل للرجل، وكلاهما مفطوران على حب الشهوات مما ذكر في الآية.
- كل من الذكر والأنثى مشترك في آيات وصف الإنسان: فقد خلق في كبد، وهو ضعيف، وهلوع، وعجول، وكفور، وقتور، ويحب المال، وكل منهما خلق بميول نحو الآخر، وكلاهما لكنود وجحود، ومر كل منهما بنفس مراحل التكوين، ويواجهان نفس المصير.
بعد سرد بعض وجوه الاشتراك الرجل والمرأة في كل عموم ما يتصف به الإنسان فصح “الذكر كالأنثى” من هذا المنطلق، نجد أن ثمة فوارق بسيطة بينهما مثل بعض الفوارق بين الصغير والكبير، والمتزوج وغير المتزوج، وبيانه الآتي:
وليس الأنثى كالذكر
- فالمرأة تحمل والرجل لا: “اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ“. “وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ“. وهي المرضعة لا الرجل؛ فليس الذكر كالأنثى.
- والمرأة لم تكلّف شرعا بتحمل النفقة مع وجود الرجل: وهذا أصل معنى القوامة؛ فالرجل يدفع المهر: “ وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً“، وينفق على البيت: “ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ“. فالمدير المؤسس للشركة القائم عليه ليس كالموظف الذي لم يتحمل عبء إنشاء الشركة ودفع الأجور وهذا معنى: “ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ“، وهذا علة إضافة التفضيل إليهم، فهو تكليف لا تشريف كما يبين العلماء. تحمّل الرجل نفقات المرأة شرعا هو الدرجة الفارقة بين الرجل والمرأة و“ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ“. فالحمل والولادة والرضاعة من خصائص الأنوثة، وتحمل الرجل نفقاتها من خصائص الرجولة؛ وليس الذكر كالأنثى.
- المرأة قاروة وستبقى قارورة: فطبيعتها طبيعة قوارير: لين الملمس، وهذا يتناسب مع وظيفتها فيجب الرفق بها خشية أن تكسر: “رفقا بالقوارير“، وإن القارورة لا تصير حديدا أو خشبا “فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوجا“. فلا بد منهن على طبيعتهن لا كما يريد الرجل، فالحل في التعامل: “اتقوا الله واستوصوا بالنساء خيرا“. “وليس الذكر كالأنثى“.
- هذه القاروة يمكنها تأدية دور الرجل اضطرارا: لم تخلق لقطع الأشجار والزراعة ومواجهة الفيضان والأعاصير والزلازل، وفتح الابواب وإغلاقها، كلف الرجل بهذا، لكن مع غياب الرجل فإنها تقوم بكل هذا وزيادة. وهذا أصل إيراد قوله تعالى: “وليس الذكر كالأنثى” في القرآن الكريم. لما أرادت امرأة عمران أن ترزق بولد ذكر يقوم بما هو من طبيعة أعمال الرجل عادة من خدمة المسجد وسدنته دعت ربها، ونذرت بذلك، لكن الله وهبها مريم “أنثى” فظنت أن المرأة لا تستطيع القيام بهذه الأعباء، لكن ذلك كان درسا للبشرية فقد فعلت مريم خلاف المعهود وقامت بسدنة بيت الأقصى، ورزقت بعيسى، فكانت نموذج المرأة التي غيرت بعض المفاهيم الاجتماعية من نظرة المجتمع إلى ما هو ذكوري وأنثوي، بل هذا التغيير كان في قضية دينية وفق نظر المجتمع: “وليس الذكر كالأنثى“.
تفاسير الآية:
يقول الطبري: “”وليس الذكر كالأنثى“، لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقوم بها، وأن الأنثى لا تصلح في بعض الأحوال لدخول القدْس والقيام بخدمة الكنيسة، لما يعتريها من الحيض والنفاس“.
يقول ابن كثير: “{ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى } أي: في القوة والجَلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى“.
ويقول الرازي: “الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى، و الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى“.
ويقول ابن الجوزي: “لا تصلح الأنثى لما يصلح له الذكر من خدمته المسجد والإقامة فيه لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس“.
أخيرا، هذا بيان القرآن، والسؤال الذي يخطر ببال القارئ هو: ما عمدة هذا البيان: هل البيان مبني على العرف والحياة الاجتماعية، أم على حكم شرعي قطعي سرمدي وأزلي عند الله، وهل هذا الكلام كلام رب العالمين حقيقة أم مجرد حكاية ونقل على لسان حنة ابنة عمران، وهل الأمر خبر إم إنشاء يحمل حكما دائما؟!




