ثقافة وفن

تفسير القرآن الحكيم: مسألة شائكة يغفل عنها السواد الأعظم!!

عبد الحميد اليوسفي*

عندما يفكّر الواحدُ منا في مسألة “تفسير آيات الذكر الحكيم”، وأقصد هنا بضمير المتكلِّم سَوَادَنا الأعظم، يعتقد بشكل مُسْبَق أن فهمه لتلك الآيات، أو لبعضها أو معظمها، يَصعُبُ تحقيقُه بغير ذلك الجُهدِ الجَهيدِ والمشكور، الذي بذله الفقهاء من السلف لتيسير استيعاب معاصريهم “لمراد الله” من آياته البيّنات، دون ان يُداخلنا أدنى شك في “صواب” ما أقدم عليه ذلك السلف، الذي أسبغْنا على أعلامه ألقاباً في غاية التميُّز والرقي، من قَبِيل “العالم الراسخ في العلم” و”الفقيه النابغة”… بل إننا استمرأنا استعمال لقب “الحافظ” للإشارة إلى من لم يُكلِّف نفسه من ذلك السلف سوى عناء حفظ كل ما يقع بين يديه من تراث السابقين، بعد حفظه للذكر الحكيم بطبيعة الحال!!

لقد حفظ حُفّاظ السلف السيرة، والحديث، والتفاسير المتوفرة، وقواعد النحو والصرف والبلاغة، والعَروض، وحفظوا أشعاراً نُظِمَت في بيان هذه الأغراض، كألفية ابن عاشر، وأجرومية الصنهاجي المعروف بابن أجروم، وأشعار ومنثورات أخرى كبُردة البوصيري، ودليل الخيرات، فضلا عن حفظ تآريخ العرب وأنسابهم… أيْ أنّ الأمر لم يخرج عن الحفظ، ولا شيء غير الحفظ، وبالتالي لم يخرج عن النّقل عمّن سبق نقلاً غالبا ما يكون حرفياً وبحذافيره، بمعنى أنه كان نقلا بلا تمحيص (!!!)

نتج عن هذا التوجه أننا لم نكن نجدُ أدنى حرج في إسباغ صفة “العلماء” على مُجمل هؤلاء، دون حتى أن نقف مرة لنسأل ذواتِنا عن فحوى تلك الصفة في حقيقة أمرها، وهي الحقيقة التي تتبدّى جليةً خاليةً من زخارف القول، ومن مُلتبِسات الفهم، بمجرد عرضها على معايير “الإبستيمولوجيا”!!

“الإبستيمولوجيا” بالمناسبة، والتي يسمّيها البعض “علم العلوم” يا حضرات، لا تقبل بإطلاق صفة “العلمية” إلا على العلومِ الحَقّةِ، وعلى العلماءِ بالفعل، ومعاييرٌها، بالغة الشدة والصرامة، لو طبّقناها على كل “علماء” السلف لما وجدنا لدى أيِّ نَفَرِ منهم أيَّ انتسابٍ إلى تلك الصفة!! وهذا موضوع آخر مختلِف، وبالتالي يحتاج إلى وقفة خاصة ومُغايِرة!!

ونعود إلى المنظور السائد بيننا حول مسألة “تفسير” آيات الكتاب الحكيم، لنجد أن الذين فسّروها، من سلفنا الأماجد، لم يفعلوا سوى أنهم استجابوا لاحتياجات مجتمعاتهم، البسيطة، وأنّ أخطاءَهم نظراً لهذا الاعتبار لها ما يبررها، لأنهم استعملوا وسائل البحث والفهم التي كانت متوفّرةً في زمانهم، وبالتالي فإنهم رغم ما نلمسه الآن لديهم، من الهنّات والثغرات، قدّموا لمعاصريهم أدواتٍ للفهم لا يمكن وصفُها إلاّ بالجيّدة، والمفيدة، بمقاييس تلك العهود، لا بمقاييس زماننا الراهن.

والحال أننا لا نملك إلاّ أن نُبرئ ساحة السلف فيما تركوه وراءهم من تفاسير من الضروري، بل من اللازم، أنها تحتاج الآن إلى غربلتها وتنقيتها من الكثير مما علق بها من الشوائب. وهذه الشوائب ليست لسوء الحظ سطحيةً أو
ظاهريةً فحسب، بل منها ما طال العقيدةَ فأفسد بعضَ جوانبها، بل إن منها ما حوّلَ دِفَّةَ التّدَيُّن إلى شِرك بَوَاح!!

مثال ذلك:
تفسير قول الحق عز وجل في الآية 106 من سورة البقرة: “مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”، بكونها دلالةً صريحةً على وجود “الناسخ والمنسوخ” في أحكام الكتاب الحكيم، وكأنّ الله يقول الحكم ثم يتراجعُ عنه أو يُصحِّحُه، كما نفعل نحن البشر، وهو العليم الخبير “بما كان”، و”ما هو كائن”، و”ما سيكون”… سبحانه وتعالى عن ذلك مطلق العلو!!

إن هذا التفسير وحده، وما أكثر أمثاله، كافٍ لإيقاع المتلقي الآخذ به في مدارك الشِّرك بالله ومع الله في آن واحد، وخاصة عندما يتطوّر إلى درجة القول بنسخ السنة (بمعنى الحديث) للقرآن، كما حدث مع آيات الوصية “والوصية مكتوبة علينا”، والتي عُطِّلتْ أحكامُها بجرةِ قلمٍ بواسطة حديثٍ ضعيفٍ يكاد يُجمِع حُذّاقُ الأئمة على تضعيفه يقول: “لا وصية لوارث”، وهو الحديث الذي حرم الورثة المستضعفين، وخاصة النساء، من وصية كان من شأنها أن تحقق نوعا من العدل في توزيع التركات، فانضرّت مِن جرّاء ذلك ضرراً بليغاً، وأحياناً قاتلاً، مئاتُ الملايين على مَرِّ الحِقَب من النفوس بدءاً بالوالديْن إلى آخر درجات القرابة!!

كان هذا مجرد نموذج فريد من حالاتِ ظُلمٍ وعَسَفٍ أنتجتها تفاسيرُ “علماء الأمة”، ولو أردنا إحصاء باقي النماذج المماثلة لما وَسِعَنا ذلك ولو جرّدنا له آلاف الصفحات… فانظروا إلى أين تقودنا تلك التفاسير ليس لذاتها أبداً، وإنما لكون سوادنا الأعظم عطّل عقله فجعل منها ثوابتَ وما هي مطلقاً بالثوابت!!

مِن هنا، يحق لنا ان نطرح سؤالاً في غاية الوجاهة عن السبب الذي جعل الرسول الكريم عليه أزكى الصلاة والسلام يمتنع عن تقديم أي تفاسير لآيات رسالته الإلهية، وإنما اكتفى ببيانها، بمعنى إظهارها للملإ من قومه وللناس كافة، مصحوبةً في حالات جِدِّ قليلةٍ ببعض يسير من التبسيط على سبيل تقريب الأفهام فقط، وليس من أجل صُنع أفهامٍ خاصةٍ بِبِعثتِه أو بشخصه الكريم… فما الذي جعله يتجنّب تفسير ما جاء به من عند مولاه عز وجل؟!

دعونا نتذكّر، بمناسبة طرح هذا السؤال الوازن، أن الصادق الأمين منع تدوين أحاديثه، بل أمر صحابتَه ومُعاصريه بحرق ما دوّنوه منها، لِعِلمه بأنهم والأجيالَ المتعاقبةَ من بعدهم سيضعونها مع كتاب الله على قدم المٌساواة، ويعتبرونها بالتالي من الثوابت فيؤدي بهم ذلك إلى الشرك مع الله ما دام الثابت الوحيد هو كلام الله، ولذلك حفظ عنه الرواة والمُحَدِّثون تَساؤلَه الاستنكاري: “أكِتَابٌ مَعَ كِتَابِ اللهِ”؟ بمجرد ما أخبره صحابتُه بتدوينهم لبعض ما يصدر عنه من الأقوال خلال ممارسته لشؤون حياته اليومية!!

بعد هذا التذكير، يمكننا القول إجابةً على سؤالنا أعلاه: إن النبي الكريم كان يُدرك أنه لو قدّم لقومه ومعاصريه أدنى تفسير لآيات رسالته، لكانت تفاسيره بداهةً ابنةَ زمانِها وبيئتِها ومجتمعِها وليس أكثر. لقد كان يعلم بأنه، كإنسان، لا يملك بعد تبليغ رسالة ربه إلا ما اكتسبه بين أهله وقومه من المَعارف والخبرات، وأن هذه لن تلبث أن يطالها التغيير والتطوير مع تعاقبِ العصور، وتَحَوُّلِ المجتمعات، وتطوُّرِ أحوالِها وقضاياها، ويعلم بالتالي أنّ تفاسيرَه ستصبح والحالة على ذلك النحو متجاوَزةً، وغيرَ قادرةٍ على مسايَرَة الركب والإجابة على أسئلة المستقبل، بخلاف الآيات ذاتها، والتي من خصائصها أنها صالحة لكل الأزمنة والفضاءات، ومن ثَمّ فإنه كان موقناً بأن تفاسير آيات رب العزة ينبغي أن تتبدّل وتتغير وُجوباً، وكان أيضاً موقناً بأن المؤمنين برسالته سيجعلون من تفاسيره لو أنه تركها وراءه ثوابتَ لا تطالُها المراجعةُ ولا التعديل والتطوير، فيكون ذلك سبباً في تعطيل العقل المسلم، وفي ربطه بعِقال السلفية السلبية، التي قد يصل الأمر بها إلى تقديس التراث، بل إلى عبادة السلف مع الله، سبحانه وتعالى عن هذا السبيل المُنحرف كُلَّ الانحراف عن صراطه المستقيم!!

لأجل هذا إذَنْ، امتنع الرسول الكريم عن ترك أي تفسير لرسالته من بعده. ولَعُمْري فهذا امتناعٌ في غاية الحكمة والحَقَّانية خصوصاً، أمام هذا الذي نشهده اليوم من تمسك شيوخ السلفية وفقهائها بتراث أكل الدهر عليه وشَرِب، حتى أنهم لا يجدون غضاضةً في وصف من يتمسكون بنص الكتاب الحكيم ب”القرآنيين”، على سبيل النكايةً والشتيمةً، ويحكمون عليهم بالمروق، وأحياناً بالكفر الصريح، حتى وهم يعلمون أن النبي الأكرم وصحابتَه وخلفاءَه الراشدين وجميعَ مَن عاصروهم إلى غاية ظهور بني أمية، كانوا قرآنيين قلبا وقالباً، لأنهم لم يكونوا يتّخذون غير القرآن مصدراً فريداً للهداية، وللتشريع بكل مقوماته ومُكوِّناته!!

فهل سَيُعَيِّر السلفيةُ جميعَ هؤلاء ويُسَفِّهونهم ويَسِمُونَهم بالمٌروق والزندقة، وبالكفر أيضاً، لأنهم كانوا بدورهم “قرآنيين”، بل كانوا أوّل القرآنيين بامتياز؟.. ذاك هو السؤال!!!
_____
* باحث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق