ثقافة وفن

حوار صحفي مع الكاتب عبد الله مرير حول مسرحيته (ساعة حائط)

توطئة:

هذا الحوار الصحفي مع الكاتب عبد الله مرير حول مسرحيتهساعة حائطيقدم رؤية عميقة لعملية الكتابة المسرحية والتحديات التي واجهها الكاتب في تشكيل نصه المسرحي الذي يسلط الضوء على قضايا اجتماعية وسياسية معاصرة. من خلال الحوار، نلاحظ أن مرير قد اختار شخصية العقيد والشبح والممرضة كرموز قوية لتمثيل تأثيرات السلطة، القمع، والتمرد في ظل ظروف الحرب.

مدخل إلىساعة حائظ

تتعمق مسرحيةساعة حائطفي تقديم التفاعلات النفسية العميقة بين شخصياتها، حيث تعكس تلك التفاعلات أثر القمع النفسي والاجتماعي على الأفراد. كل شخصية في المسرحية تكافح مع ذاتها، تتأرجح بين الأمل في التغيير، والخوف من الفشل، والإحباط من الواقع الذي يعيشه المجتمع. هذه التفاعلات النفسية تُظهر كيف يمكن أن يتأثر الإنسان بالظروف القاسية ويشكلها، وكيف أن كل فرد يعيش في مواجهة مستمرة مع الذات والظروف.

جمال، الشخصية الثائرة، يمثل القوة الداخلية التي تحارب من أجل التغيير، ولكنه يشعر بالعجز أمام القمع المحيط. ليلا، الممرضة التي تمثل الأمل، تحاول أن تقاوم الواقع الأليم، لكنها تشعر بالتشويش الداخلي الذي يجعلها تتساءل عن قيمة النضال وسط كل هذا الظلام. أما بشير، الذي يمثل الاستسلام للنظام، فقد اختار الخضوع كوسيلة للبقاء على قيد الحياة، وداخل نفسه يعيش صراعًا بين اليأس ورغبة في الهروب من واقع لا يرحم.

النفوس المتأزمة في المسرحية تتنقل بين حالات مختلفة من الانكسار والتمرد، وتطرح أسئلة وجودية حول معنى الحياة في ظل هذا القمع: هل البقاء في هذا الواقع يعادل الحياة أم الموت؟ هل يمكن للإنسان أن يتحرر من سجن داخلي تفرضه الظروف أم أنه محكوم عليه بالبقاء في دائرة مغلقة؟

كل هذه التفاعلات النفسية لا تنحصر في المستوى الفردي فقط، بل تنعكس أيضًا على المجتمع ككل. الصراع النفسي بين الأمل واليأس، بين المقاومة والخضوع، يعكس واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا مشوشًا، حيث تتشوش الحدود بين الحرية والعبودية، وبين الحلم بالتحرر وواقع الاستبداد الذي لا مفر منه.

في مسرحيةساعة حائطلعبد الله مرير، تعد الساعة رمزاً مهماً يحمل أبعاداً عميقة تتعلق بالزمن والموت والسلطة. تعكس الساعة في المسرحية الواقع المظلم والمغلق للسجن، حيث يصبح الوقت مسيطراً على حياة الأشخاص داخل أسواره بشكل مختلف عما هو عليه في العالم الخارجي. في السجن، يختفي مفهوم الزمن التقليدي الذي يتم تحديده عادة من خلال الدورات اليومية والمواعيد، ليحل مكانه ترتيب صارم ومشوه، يعكس حالة الانغلاق والتحكم الكامل.

الساعة في هذا السياق ليست مجرد جهاز لقياس الوقت، بل هي تمثيل للمراقبة المستمرة والسيطرة على الأفراد داخل السجن. هي أداة يستخدمها الآمر في السجن ليظل مُدركاً للوقت، وهو ما يعكس سلطته الكاملة التي يحاول الحفاظ عليها طوال الوقت. ولكن هناك بُعد آخر في اختيار العنوان، وهو فكرة أن الساعة تشير إلىنهاية عهد الآمر“. فمع اقتراب الزمن من النهاية، تكون الساعة نفسها مؤشرًا على اللحظة التي ينتهي فيها حكم الآمر. ورغم إيمانه بالخلود والبعث، فإن هذا الإيمان لا ينقذه من الفكرة المزعجة للموت، الذي يفرض نفسه في النهاية.

هذا التناقض بين اعتقاد الآمر في الخلود وحتمية النهاية التي تُمثلها الساعة يشير إلى الصراع الداخلي الذي يعصف بالشخصيات في المسرحية. من خلال هذا الرمز، يعالج النص فكرة السلطة الفانية والتشبث بالوقت كوسيلة للبقاء على قيد الحياة رغم زوالها المحتوم.

بذلك،ساعة حائطليست مجرد عنوان عمل مسرحي، بل هي تجسيد للمفارقة بين التوقيت العقلي والواقع الجسدي للموت، وهي نقطة محورية في فهم النص ورؤية المؤلف لسلطة الزمن والوجود البشري في ظل القهر والتحكم.

الحوار:

  • متى ولماذا بدأت كتابة المسرحية؟

لقد اعتدت، ولأكثر من عقد، الانشغال بكتابة القصة القصيرة، حيث كانت كل قصة تنفرد بموضوع مستقل، من التراجيديا إلى أدب الحرب، الذي اتخذته نهجًا وتوجهًا في كتابتي عمومًا. إذ غدت الوقائع والمآسي المادة التي تأسر قلم الكتابة. في سنة 2019، شاركت مع بعض الزملاء في ورشات متعددة حول تقنيات كتابة العمل المسرحي وأشكاله في فرنسا؛ فوجدت نفسي أميل إلى الكتابة في المسرح التراجيدي، الدرامي، والساخر. فعزمت على توظيف موضوعساعة حائط، التي صدرت الآن بالفرنسية، وأتطلع لنشرها قريبًا باللغة العربية.

كانتساعة حائطفكرة قصة في بادئ الأمر، ثم نقلتها إلى فضاء المسرح، وشكّلتها ضمن بنية المسرح الحديث، من حيث الخطاب المباشر، والإيماء، والمونولوغ الداخلي. وجدت أن نصًا أدبيًا يتناول شخصيات وأحداث المعتقلات جدير بأن يُصاغ في بيئة مسرحية، حيث يتخذ النص المسرحي المباشرة والمواجهة الحادة سبيلًا للقارئ، ومن ثم للمشاهد، بعيدًا عن التوصيف أو السرد القصصي الذي يعبر عنه القاص؛ بينما الحوار المسرحي تعبر عنه الشخصيات بالفكرة المجردة المباشرة أو الرمزية التي يدركها السامع دون عائق. أيضًا في صياغة فكرة هذا النص، وجدت أن التعبير اللساني الحاد والقوي في النص المسرحي يصل القارئ دون فواصل تعبيرية للتوصيف كما في القصة. حيث يصاحب الحوار المسرحي المباشر الإيماء والإيحاء الذي يشير إليه الكاتب عادة لدعم حوار الشخصية وتوصيف حالتها. على سبيل المثال، أجاد المسرحي أرثر ميلر في مسرحية (كل أولادي) من حيث الحوار اللاذع المباشر لموضوع تراجيدي بعد الحرب العالمية الثانية.

  • مثال من مسرحية (ساعة حائط):

العقيد فادي: (باستهجان) فلتقولي: «صباح الخير» على أقل تقدير!

الممرضة ليلا: صباح الخير أيها السيد العقيد، المعذرة ولكني لست على ما يرام هذا الصباح.

العقيد فادي: ليس بالشيء الجديد، فأنتِ نزقة وعدوانية في طبعك كل يوم.

الممرضة ليلا: وما الذي يدعو للتفاؤل في هذا العالم!

العقيد فادي: إنه لمؤلم أن أرى فتاة بمثل براعتك وفطنتك، تميل إلى الكآبة.

الممرضة ليلا: (في استنكار) ولكن أرجوك أن تتصرف، فإنَّ حراَّس السجن هم غالبًا يطلقون نحوي المزاح الخشن والمقيت كل صباح.

العقيد فادي: (يقترب منها): ربما هم يعتقدون بأنك فتاة جذابة، حيث هم نادرًا ما يشاهدون جنس حواء بالقرب من هنا.

الممرضة ليلا: أنا لم أصل متأخرة بإرادتي، بل كان يجب عليَّ أن أمر على جميع نقاط التفتيش الكثيرة بالسجن، بدءًا من البوابة وصولًا إلى مكتبك.

العقيد فادي: أجل، أجل. إن إجراءات نظام حراستي وحمايتي هي بالأمر الضروري ولا أتهاون في تنفيذها، فأنا ليس لي ثقة بأحد، حتى أنتِ أيتها الممرضة.

الممرضة ليلا: (تشمئز من رائحة فمه وتنأى بنفسها عنه) المعذرة، أنا لا أطيق رائحة الخمر التي تنبعث من فمك.

العقيد فادي: (يصرخ في وجهها) أنا لا أعلم ما الذي يدفعني إلى تحمل فظاظتك وتطاولك في الحديث إلي!

الممرضة ليلا: (مطأطئة رأسها وفي ارتباك) المعذرة يا سيدي، لم أتقصد التحدث بهذه الطريقة.

بدا جليًا لكل من عاش في سوريا لأكثر من خمسة عقود بأن شبح السجون وصدى ما يجري في الزنازين هو حديث الناس، وخصوصًا هناك السجون الذائعة الصيت بوحشيتها (سجن صيدنا وسجن تدمر إلخ) والتي ما أن يذكر اسم أحدها حتى يدرك السامع مدى سوء صيتها والرعب والأسى التي تتركه في النفوس. وتجلت عاصفة الزج بالسجون أبان نهضة الإنسان في سوريا 2011، حيث أصبح الاعتقال للثائر ولصاحب الرأي ومن ينتمي إلى مكان بعينه. وزد على ذلك بالإمكان القول بأن أرض سوريا بوديانها وسهولها قد صيرها النظام القمعي إلى سجن بالغ الامتداد. وجدت أنه كان لزامًا عليَّ الكتابة عن السجون بما استلهمته من شخصيات ووقائع حقيقية وأماكن يعي توصيفها كل من عاش في سوريا؛ ولكني ارتأيت أن أتخذ فكرة معينة، مستقلة بذاتها من فضاء عالم الاعتقالات؛ وهو السؤال الشائك عن منشأ الرغبة الدموية التي يبجلها السجان ويجد حتمية وجوده كأعلى متفوق يقوم على حتمية تدمير المختلف عنه بشتى صنوف الألم الذهني والجسدي الطويل. وهل مسلك السجان هو حالة وظيفية طارئة أم هو سلوك يمثل منهجًا وإرثًا جماعيًا لمن يشابهه. تتحاور الشخصيات في المسرحية بالحوار الصادم وبأن تستفز بعضها البعض حتى تفصح كل منها عن ماهية الكائن المقيم في نفسها والمحرك لها في هذا المناخ البائس.

  • لماذا اخترت أن تسرد الأحداث عبر رموز مثل العقيد والشبح والممرضة؟

هذه الشخصيات وسواها هي كائنات ماثلة بكل تجرد ولا تصلح للتعديل أو التزييف؛ الكائنات المتسلطة بالنار أو الكائن البسيط الحالم بفسحة في حلم أو مساء بلا نذير.

هذا وصف لكينونة شخصية شبح الناطق العسكري في المسرحية:

وهو الناطق الذي يجسد آلة الدمار الحاكمة ويظهر عادة في أقصى خشبة المسرح حيث يبدو مثل ظل يقف على أطلال خراب البلاد في الظلمة يتلو البيان العسكري. بإمكاننا القول بأن شبح الناطق العسكري هو السارد ولسان حال السلطة الموجود كائنًا نراه ويرانا، أو هو الغاز السام الذي لا يُرى ولكننا نستشعر وجوده يتسلل بيننا في صحونا ونومنا كالنذير المتوعد.

  • إلى أي مدى تعكس شخصيات المسرحية واقع الشخصيات التي عرفتها أو سمعت عنها خلال الحرب في سوريا؟

لم يكن لتلك الشخصيات في المسرحية أن تمثل فكرًا أو رأيًا تم اعتقاده أو تبنيه تحت أي مسمى، بل كل شخصية هي قائمة بذاتها وفكرها ولم يتطلب الأمر الجهد للبحث عنها أو ابتكار شخصيات من وحي الخيال. بما أن أحداث المسرحية تجري في ردهة الزنازين، فقد توجب وجود آمر السجن ونجله الذي يسير على نهجه.

شخصية الممرضة الشابة ليلا هي مرآة لسيدات البلاد الشابات في أوقات الحرب اللواتي يكافحن ليكسبن عيشهن الكريم ويتصبرن لفقدان أحبابهن في الحرب ومنهن من فقدن حياتهن في النزوح أو تحت نيران المدفعية. هي المرأة بكل طموحها وعطاءها، فيها النبل والضمير وصوت المكلومات. تجسد (ليلا) الصبر في ذروته إثر مقتل زوجها آدم الفلاح الشاب. ليلا في المسرحية قد اقتيدت عنوة لرعاية الآمر لما تحظى به من سيرة حسنة في مهنتها.

مثال، مونولوغ:

الممرضة ليلا: لهفي عليك يا آدمأيها العابر قبل مواسم الحصاد، كيف لك أن تغادر قبل أن تطرز ضفائري بالسنابل والأقحوان! من سيقوم بالغناء المزعج في أعراس البيادر! أونجري حفاة على الضفاف نتبع صغار الطيور المهاجرةآدم، من بعدك يهز أرجوحتي إذا ما تدلت من غصن سنديان! أيها الأناني في الرحيل، كيف لك أن تجعلني محاربة قبل الأوان.

شخصية الشاب المكافح (جمال) وهو يمثل الشريحة العظمى من الشباب. هو ينتمي إلى بيئة الأرض في حرثها وزرعها ومحصولها. هو الشاب الذي يجسد الرغبة في السلام والنقاء وإذا ما حل المساء يجلس إلى ضفاف النهر حيث يميل إلى حرفة رسم بورتريه للفلاحين والصبية؛ أو لزوارق الصيادين والأوز الذي يختال بين الصفصاف، ولكن لم يكن لهذا النقاء الفطري أن يدوم طويلاً؛ حيث يتأجج في داخله صراع يستعر مثل جذوة انتقام إثر مقتل والده في حقول الذرة على يد جنود الحاكم. ومن إفرازات الحرب، هي:

شخصية الشاب (بشير) يشتق منها أكثر من فكرة وحدث في المسرحية. بادئ ذي بدء هو الشاب الذي يمثل إحدى إفرازات المجتمع في زمن النضال وهو يجسد شريحة واسعة ممن أطلق عليهم اسم (الرماديين) وهم ممن اتخذوا التصالح مع منافعهم وأنانيتهم لقاء تنصلهم من تمكين الضمير أو إعلان صوت مناهض لما يتعرض أبناء جلدتهم من صنوف المعاناة والتهجير. بشير ينحدر من أسرة ثرية اعتادت سكنى المدينة حيث والده التاجر المعروف تربطه علاقة مصلحة وطيدة مع العقيد فادي. وتلك العلاقة هي واحدة من المواضيع التي عنيت الإشارة في المسرحية، إذ لطالما كانت بعض صلات وجهاء المدينة وأثريائها مع العسكر هي إحدى أسباب انهيار سبل العدل وانحدار المنظومة الأخلاقية أو الإنسانية في البلاد وبدورها تفاقم الفساد الذي يأتي بالظلم على عامة الشعب. الإشكالية الأخرى وهي الانقسام المجتمعي بين قاطني الريف و(بعض) المدن؛ وهذه الإشكالية ليست حديثة العهد في مجتمعنا ولكنها تأججت بصورة فاضحة أثناء الثورة السورية. وهذا التعالي والرأي النمطي يتبناه شخصية الشاب الثري بشير في حواره مع جمال. وبالتالي هذا التباين يعتبر إرثًا متوارثًا في بعض المجتمعات.

في المسرحية أيضًا يمثل بشير إحدى وسائل سماسرة الحرب الرخيصة، فهو يقوم بدور الوسيط بين آمر السجن وذوي المعتقلين الذين يعانون من العذاب اليومي، ويفتح له المجال لاستغلال معاناتهم مقابل مزايا شخصية من قبيل المال أو الحماية. ولكن، كما هو الحال مع معظم الشخصيات في المسرحية، فهو يُظهر جانبًا آخر من شخصيته، ينعكس في محاولته لتبرير تصرفاته التي تفتقر إلى الأخلاق بمبررات سطحية، لا سيما عندما يبرر علاقة التعاون مع النظام القمعي على أنها وسيلة للحفاظ على استقرار حياته الشخصية وحياة عائلته.

شخصية بشير تؤكد أن نظام الفساد والتسلط ليس فقط محصورًا في الفئات ذات السلطة العسكرية، بل يمتد أيضًا ليشمل كل من يوافق على التصالح مع النظام من أجل مصالحه الخاصة، ولو كان على حساب الآخرين. إنها حقيقة اجتماعية مؤلمة، حيث تصبح القوة والمال هما الأساس الذي يحكم سلوك الأفراد في أوقات الأزمات. وبهذا الشكل، تسلط المسرحية الضوء على التواطؤ الاجتماعي وغياب القيم الأخلاقية في سياق الحرب، وتُظهر كيف يمكن أن تُمزق الروابط الإنسانية بسبب الانقسامات الطبقية والسياسية.

مثال:

(الممرضة ليلا: يروق إليك صحبة الجنود والنافذين يا بشير!

بشير: وما الضير في ذلك؟ لطالما أنهم يقدمون لي العون في تيسير أعمالي، ثم أني لم ألقى منهم أية أذية.

الممرضة ليلا: وبالمقابل، أنت تقدم لهم العون أيضاً. دعنا نسمي هذا في إطار «المصالح المشتركة».

بشير: أيتها الثرثارة (نحو الممرضة ليلا بعد أن هزت رأسها مستنكرة) أنا اعتقدت بأنك سوف تكسبين ود قادة العسكر هنا وبالتالي تحصلين على أجرٍ يفوق الفتات الذي تجنيه في مستشفى المدينة الوضيع…)

أما العقيد فادي، فهو الشخص الذي يمثل السلطة القمعية نفسها. شخصيته عميقة ومعقدة، إذ أنه ليس مجرد شرير تقليدي، بل هو انعكاس للطبيعة الوحشية للنظام الذي ينتمي إليه. هو ضحية سلطته بقدر ما هو جاني. قسوته ليست ناتجة عن رغبة شخصية في العنف، بل هي نتاج بيئة تشبع فيها بالعنف والسلطة حتى أصبح لا يرى فيها شيئًا غير عادي. بينما يظهر في البداية على أنه مجرد أداة من أدوات النظام، تكشف المسرحية عن تناقضات داخله، وصراعاته النفسية التي قد تكون في ذاتها نتيجة لتأثيرات النظام الذي يواصل تخريبه لأفراده، حتى أولئك الذين ينفذون أوامره.

مونولوغ على لسان شخصية العقيد فادي:

(فلتنهض يا سليل «آريسهيا قم والبس خوذتك واعبر الغابة الضبابية حتى تصل قمة جبل الشمس. هناك استل سيفك واضرب قرن التنين حتى يأتيك البرق بالرعد ولتتنفس روح الآلهة في قلبك من جديد. هيا انهض يا سليل «آريس» وامش بين الخراب واليباب والحقول المحترقة ولتهنأ بأنين المعذبين والهالكين على جَنَباتِ طريق الموت…)

مثال آخر حول مفهوم الموت، وأما الخلود الذي يعتقد به إلياس وقد ورثه من أبيه العقيد فادي ورسخه في نفسه:

إلياس: هل تعتقد بأن الموت سوف يدركني يوما ما؟

جمال: وماذا تعتقد أنت أيها الشاب؟

إلياس: (يضحك في استهجان) لا تنسى بأني أنا الذي طرح السؤال، وليس أنت!

جمال: (يبتسم متأملاً) أجل، سوف يدركك الموت المحتوم يوما ما، كما هو قدر الجميع.

إلياس: وهل تعتقد بأننا نحن نشبه «الجميع»؟

جمال: طبيعة وجودنا تخبرنا بأننا نحن جميعاً نتشابه في دورة الحياة والموت.

إلياس: نحن لسنا مثل ال..ج..م..ي..ع!

جمال: (في استغرابٍ وخشية) المعذرة منك لقلة فهمي.

إلياس: أنا وأبي وأسلافنا لنا دورة حياة مختلفةهكذا تكلم أبي. ربما يصعب عليك فهم هذا الأمر لأنك لست منا. تأمل بي جيداً! أنا لست أنا، وهذه حقيقة ما أشعر به. أنا جسد وفي داخلي الروح الخالدة التي باركَتني بأن حطت رِحالها في نفسي.

جمال: كيف تبين لك بأن روح غريبة تسكن جسدك؟

إلياس: أنا امتداد لمن سلف ولمن يأتي من بعدي، بينما أنتم تموتون ومن ثم يلقى بكم في الجحيم.

جمال: (في هدوء يشوبه الذعر) المعذرة، ولكن من أنت أيها الفتى؟

إلياس: أنا الخلود وأنت المسافر، أنا الصراخ وأنت الخوف. أنا الرصاصة وأنت الألم.

(صمت.)

  • ما رمزية (ساعة حائط) في المسرحية؟ ولماذا اخترت هذا العنوان؟

لطالما كان للوقت أو لمفهوم الزمن معنى آخر في غياهب السجون. تختفي تراتيب الوقت وتنظيمه عما تبدو عليه في خارج الأسوار. ونتيجة لذلك، حتى آمر السجن ما انفك يسأل جنده ليأتوا إليه بساعة حائط تكون متاحة لناظريه متى شاء ليعرف الوقت. ساعة حائط هي مؤشر زمني لنهاية عهد الآمر، ينتهي أمره عندما يدنو أجله، بينما هو يؤمن بالخلود وبالبعث في جسد آخر، مستنكراً فكرة الموت.

العقيد فادي: (يضرب رأسه بكلتا يديه) أنا لم أمت بعد أيها الثرثارلا، أنا لم أمتأنتم فقط تريدون التخلص مني أيها الجبناءبل، أنا لا أموتوماذا سوف أحظى منكم بعد موتي! ربما سَحَّارة من البرتقالأو ربما ساعة حائطبالمناسبة، أنا أحتاج إلى ساعة حائط.

في مقدمة عربة عسكرية تنقل رفاتي يوماً ما في موكبٍ جنائزي مهيب! سوف أوصي بهذا الأمر.

جمال: (يتلعثم) ربما.

العقيد فادي: (يشعر بالخذلان) وربما، كل ما سوف أحظى به من تكريم هو مجرد «ساعة حائط» تافهة يقدمونها لعائلتي أسوة بباقي الجنود التافهين! ماذا تعتقد؟

جمال: ماذا؟

العقيد فادي: هل تشبهني «ساعة حائط» بشيء؟

جمال: هي مثلنا جميعاً، سوف تتوقف عقاربها عن الدوران يوماً.

العقيد فادي: هي تتوقف، وأنا لا البتة!

  • هل يمثل العقيد فادي منظومة أكبر من شخصية فردية؟

هو تجسيد للفكر المتفرد القائم على الإقصاء واستغلال النفوذ، والسلاح وسيلة للاستحواذ وتمكين الاستبداد. هو صورة المستبد الحاكم بنهجه السلطوي وممثليه في أصقاع البلاد. وبالتالي، هو يمثل الولاء لمنظومة جماعية لها ذات الفكر الدموي الذي يجمعها. ومن دأب هذه المجموعة ترسيخ هذا المفهوم في بيئتها وتقوية نفوذ هذه البيئة في تمكينها بالقوة والنفوذ، وزد على ذلك توريث هذا النهج بين الأجيال حتى أصبح عرفاً وعقيدة اجتماعية لضمان استمرار الاستحواذ والتفرد بالسلطة. ويتضح هذا النهج من خلال شخصية الشاب (إلياس) الذي ورث مفهوم الاستبداد من أبيه العقيد فادي، رغم حداثة سنه. وقد تبين أنه في صراع بين ميول النفس نحو الإبداع والجمال لشاب بالكاد يبلغ السادسة عشرة من عمره، وبين موروث قمعي وسلطوي اكتسبه من تعاليم أبيه العقيد. الشاب إلياس دائماً يردد جملة: (هكذا تحدث أبي).

الممرضة ليلا: الفن، والإبتكارودع عنك القسوة والشراسة أيها الفتى الطيب.

إلياس: أقسم بأن حديثك هذا يلامس قلبي وتهفو إليه روحي.

ا الممرضة ليلا: فلتُكرم هذه الروح الجميلة بالسلام والطمأنينة.

إلياس: (يضع يديه على رأسه) أرجوك، فلتقسمي بأنك مخلصة بما تدَّعين من هذا الكلام الذي يضيء مصباحاً في ضميري!

الممرضة ليلا: هاأنت ترى النور بنفسك!

إلياس: ولكن… (يضرب صدغيه بيديه) الأمور لا تجري بهذا الشكل كما أشار إلي أبي!

الممرضة ليلا: لديك الكثير لتنجزه في هذه الحياة كما تشتهي نفسك وتسمو بها.

إلياس: (يصرخ بأعلى صوته) توقفي عن قول المزيد من هذه الترهات!

الممرضة ليلا: أجل.

إلياس: قلت لكِ توقفي!

الممرضة ليلا: أجل.

إلياس: ليس لي في هذه الحياة سوى أن أحذو حذو أبي.

الممرضة ليلا: أجل، أجل.

  • هل المرض في المسرحية مرض جسدي فقط، أم هو استعارة لمرض مجتمعي ووطني؟

شخوص المسرحية كلهم يعانون الألم. العقيد فادي، آمر السجن، يعاني المرض الجسدي ويمثل مرضاً مجتمعياً وإيديولوجياً منحرفاً من خلال سطوته وسيرته في سفك دماء الأبرياء. بشير هو تشخيص لمرض مجتمعي، ذلك القائم على الفساد لأجل منفعة الذات، وهو مرض الخيانة لحقوق الشعب مقابل أنانية فاسدة.

مثال من المسرحية:

جمال: (يحملق في بشير) لا أشك بأنك تجني الكثير من المال لقاء أفعالك الخسيسة التي تريد التملق بها إلى العسكر.

بشير: فلتخرس يا جمال، أني أتصرف كما يحلو ليلا تملي عليَّ نصحك

جمال: كيف تجرأت على أن تلقي بنا بين أيدي العسكر وتجرنا إلى الهلاك في هذه الأوقات الحرجة؟

بشير: لطالما أنت مطيع ومسالم في هذه البلاد، لن يجرؤ أحد على المساس بك بأي مكروه.

جمال: أنت تعلم بأنهم قد قاموا بتصفية أبي الفلاح المسالم في حقله فقط لأجل التسلية!

بشير: ربنا يرحمهلكني سمعت بأنه كان يؤوي متمردين في الحقل!

جمال: أنت تعلم بأن إدعاء الجنود لا صحة له، وفي الحقل لم يكن يتواجد سوى الفلاحين.

(صمت)

الممرضة ليلا: يروق إليك صحبة الجنود والنافذين يا بشير!

بشير: وما الضير في ذلك؟ لطالما أنهم يقدمون لي العون في تيسير أعمالي، ثم أني لم ألقى منهم أية أذية.

الممرضة ليلا: وبالمقابل، أنت تقدم لهم العون أيضاً. دعنا نسمي هذا في إطار «المصالح المشتركة».

بشير: أيتها الثرثارة (نحو الممرضة ليلا بعد أن هزت رأسها مستنكرة) أنا اعتقدت بأنك سوف تكسبين ود قادة العسكر هنا وبالتالي تحصلين على أجرٍ يفوق الفتات الذي تجنيه في مستشفى المدينة الوضيع.

  • كيف وازنت بين الواقعية والرمزية في نصك؟

لقد ارتأيت في فاتحة المسرحية أن يكون السرد واقعيًا قائمًا على الحقائق والمعطيات الجلية، وكان ذلك على لسانشبح الناطق العسكريالذي استعرض وثائق سيرة آمر السجن ونظام الحكم الشمولي، بعيدًا عن أي شائبة تشبيهية أو رمزية. وكان من شأن ذلك أن يقدّم للقارئ والمشاهد مؤشّرًا لإطار الحقيقة، وزمنًا ومكانًا للأحداث الماضية والقادمة في العرض.

أما شخصية آمر السجن، فقد اتخذت الواقعية المباشرة والجرأة في حديثها مع من يشبهها، وهوشبح الناطق العسكري، وفي الطرف الآخر، اعتمدت الرمزية والتلاعب الذهني في تفاعلها مع الشخصيات الأخرى.

أما الشخصيات المدنية، وهي الحلقة الأضعف في حديثها إلى آمر السجن، فقد تمّ توظيف الرمزية في حوارها خشيةً من العواقب التي قد تترتب على الحوار المباشر معه. وعلى الرغم من ذلك، لم يكن حوارهم الرمزي أخف وطأة من المباشرة، حيث بدا ذلك واضحًا من الغضب الذي تملّك شخصية الآمر وابنه إلياس على حد سواء.

مثال:

العقيد فادي: (ينظر إليه وقد ارتاح لهذا الإطراء المصطنع) يا إلَهي! لَطالَمَا كُنَّا نَعتَقِدُ أنَّ هذا الشَّطرَ مِنْ البلاد لا يَقْطُنُهُ سِوى حَفنَةٌ أجلافٌ غِلاظ مِنَ القَرويِّينَ الأغبياءِ الَّذينَ يَقضونَ يَومَهُم بينَ الحُقولِ ورِعايَةِ الماشيَةِ. سأعفي نفسي من الاعتقاد السائد بأنكم لم تصيبوا حظاً من المدنية والحصافة بالرأي (يسحب درج الطاولة، ويتناول صُندوقٍ خَشبيٍّ صَغير.) اُنظُرْ يا جمال اُنظُرْ إلى النياشين، إنَّها تَلمَعُ حتَّى في الظُّلمةِ الحالِكةِ!

جمال: هذا هو الجمال بِعينِهِ سيِّدي!

العقيد فادي: أرجوكَ قُمْ بِتَثبيتِها بالدَّبابيسِ على البزة العسكرية.

جمال: بإمكانك الجلوس يا سيدي العقيد.

العقيد فادي: مَهلاً، مهلاً. أعتَقدُ بأنَّ عَليَّ أنْ أَستَبدِلَ قَميصي هذا الَّذي نالَتْ منهُ بِضْعُ قَطَراتِ النَبيذٍ.

جمال: هذا الأمر لا يأبهُ له؛ فُرشاةُ رَسمي بِإمكانِها أنْ تُخفِيَ ما لَحِقَ بِكَ مِنْ عُيوبٍ!

العقيد فادي: ما الَّذي تَعنيهِ بكَلِمةِ «عيوب»؟

جمال: أعني قَطَراتُ النَّبيذِ الَّتي لَوَّثَتْ قَميصَكَ يا سَيِّدي!

(هما بقيا يُحَدِّقانِ بِبَعضِهمَا البَعضِ ملياً، فما يلبث أن يَنفَجر العقيد فادي ضاحِكا).

العقيد فادي: أيُّها الفَتَى؛ أُقسِمُ أنَّ كَلِماتَكَ تَروقُ لي، لقد سَلَبتَ عَقلي بِطَريقَتِكَ في الحَديثِ! أنه لتتجلى فيك خصال الفطنة والحصافة.

  • هل تعتقد أن المسرح لا يزال سلاحًا فعالًا لمواجهة القمع؟

هذا الطرح يتحدد بالمجتمع الذي يتخذ من المسرح ثقافة حياتية ومجتمعية قائمة وحاضرة في تقاليدها وأعرافها. البيئة التي يشكل فيها المسرح فضاءً من أشكال التعبير يتفاعل فيه الأفراد بما يكشفون ويطرحون من تعابير تلامس ثقافة هذه البيئة وحياتها اليومية، وما يعتريها من طوارئ، كالحرب والسلم، والصراعات، والإشكاليات الطبقية، والسياسية، والثورية.

فعالية المسرح وتأثيره في مجتمعنا العربي يخضع لاعتبارين أساسيين: أولاهما، تبني المجتمع للعرض المسرحي الحر الذي يلامس فكر الفرد وتساؤلاته، وثانيهما، هو مساحة الفسحة التعبيرية التي يمنحها المسرح والتي لا تخضع للقمع والاستبداد.

  • وظيفة المسرح أو التربية الثورية للشعب

لقد كانت الثورة الفرنسية حاضرة في المسرح، إذ كانت الفترة الثورية بمثابة فترة إنتاجية للمسرح، حيث تم كتابة (1637) مسرحية وتم تمثيل (3000 عمل إبداعي و40 ألف عرض في باريس). لقد أصبح المسرح مكانًا للمنافسات السياسية حيث تجري الصراعات السياسية والأيديولوجية، ولكن المسرح السياسي لا يهدف إلى السخرية بل إلى تقديم أمثلة الفضيلة، حتى وإن كان ذلك في شكل مثال للمواطن الجمهوري. وفي المقابل، يصبح المسرح أيضًا مكانًا للاحتفال بأبطال الجمهورية وإحياء ذكرى مآثرهم.

المسرح هو مكان للاختلاط الثقافي وتداول الأفكار، ومكان للنقاش السياسي والاجتماعي.

  • وأقتبس من مقال الدكتور محمد بدوي حول هذين المفهومين في رؤيتهمصير الإنسان العربي في طريق التحرر من الاستبداد“:

رغم ذلك، فنحن نتصدى هاهنا للتساؤلات التالية انطلاقًا من قراءة روايات علاء الأسواني، سيمانادي السياراتالتي تتمحور حول العلاقة السببية بين إنتاج الخوف وتخلف الفكر واختناق صوت الإبداع في مجتمعاتنا عمومًا.

بمعنى آخر، ما هي علاقة الاستبداد الشمولي الذي تعيشه المجتمعات العربية، كالضغط المذل الذي تجابهه من لدن سلطات الأمن ومآلاتها؟ هل للاستبداد نتائج سلبية على إنتاج الإبداع وازدهار الفكر والعلم؟

لذا، لا يقرأ الباحث الأدب للتسلية، بل يجد فيه العديد من المؤشرات والإشارات التي تتجسد في تحليل سيكولوجية المجتمع والأفراد الذين يعيشون فيه.

البحث يقودنا في هذا السياق لطرح تساؤلات علمية تساعدنا في فهم التدني المعرفي والفكري الذي يهيمن على دولنا منذ مئات السنين وكيفية معالجته. فلنطرح الأسئلة التالية، وعلى كل فرد أن يراجع نفسه في الإجابة عليها:

  • هل هناك قوانين أنثروبولوجية ومساطر سيكولوجية علمية تحكم عملية إنتاج ثقافة الخوف في مجتمعاتنا؟
  • كيف ترصد دراسة تاريخ الأدب البُعد الاستراتيجي والمسار المنهجي لدور حرية الفكر في إنتاج شتى أنواع الإبداع في ظل تفتح التوجهات بمفهومها العالمي الواسع؟
  • ما هي أصداء التاريخ الأدبي في قضية حرية التعبير؟ وهل تعتبر شرطًا مسبقًا للإبداع الثقافي وعمودًا فقريًا للتطور الحضاري؟
  • ما هي العلاقة السببية بين إنتاج الإبداع الخاص وتطوره كنتاج للحرية الذاتية في إنتاج الإبداع العام؟ أو بمقولة أخرى: هل هناك علاقة سببية بين الثالوث المتمثل في الركود الحضاري للأمة العربية وأنظمة القمع وثقافة الخوف؟
  • هل نجد في الدور الفعّال الذي أدّاه الأدب الفرنسي والألماني في إسقاط الأنظمة الشمولية الفاشية، والذي تمخض عنه دفع عجلة الإصلاح الفكري والسياسي خلال الثورة الفرنسية وبعد الحرب العالمية الثانية، حتى انهيار حائط برلين وتفكك الكتلة السوفيتية؟

أجوبة لترشيد مجتمعاتنا التي تنادي بالتغيير، وانطلاق روح الثورات؟)

  • ما الرسالة التي تود أن تصل إلى المشاهد من هذه المسرحية؟

نظرًا لكون موضوع المسرحية ينتمي إلى الميلودراما ويعبر عن التراجيديا، في بيئة المعتقلات القاسية، فقد سعيتُ إلى إيصال أقصى تأثير ممكن على حواس المشاهد، تجاه أفكار الموت والحياة، الظلم والعدل، الصفح والانتقام. كما أردت أن يطرح النص تساؤلات حول التمايز العقدي لمفهوم المساواة بين السجان السلطوي والفرد، والتمايز المجتمعي الذي ساهم في تفكك المنظومة الأخلاقية.

حرصت على نقل هذه القضايا إلى المتلقي من خلال بنية درامية مؤثرة، تعتمد على تقنيات الحوار المباشر، والسرد، والمونولوغ الداخلي، إضافة إلى لغة الجسد والإيماء، والتعبير اللساني المصاحب لحركات وإيحاءات الجسد. كان الهدف من ذلك أن تُقدَّم هذه المفاهيم بطريقة تجذب المتفرج وتحفّز تفاعله العاطفي والفكري.

  • إلى أي حد تعتبر أن (ساعة حائط) تروي قصة جيل كامل عاش الحرب؟

الحديث عن المعتقلات وأشكال القمع الأمني في سوريا ليس جديدًا، بل هو امتداد لواقع مستمر منذ أكثر من خمسة عقود. فالسجون في المخيال السوري ليست فقط أماكن اعتقال، بل رموز للرعب وسلاح بيد النظام لقمع الفكر والحياة. ولا يكاد يخلو مجلس عادي في الشارع السوري من ذكر المعتقلات، إذ صارت جزءًا من الحديث اليومي والذاكرة الجماعية.

من هذا المنطلق، فإن مسرحية *ساعة حائط* لا تروي فقط حكاية فرد، بل تسرد فصلًا من ذاكرة جيل كامل عاش الحرب، وتختزن في طياتها إرثًا أدبيًا وثقافيًا تراكم عبر سنوات من القمع. إنها استمرار لخط أدبي طويل كتبه كتّاب وشعراء وأدباء سوريون، حاولوا فيه الإمساك بلحظات الوجع والبحث عن معنى للعدالة في وطنٍ جُرِّد من إنسانيته.

مونولوغ الممرضة ليلا:

(في الأسفلالمكان الآخرلا ظل للشمس حيث لا شرق لكي تشرق منهلا معنى للزمن، إذ هو يسير على قدر الألمفي القبو هم العالقون في معنى آخرليست الحياة وليس النهاياتغائرة عيونهم في كهوف الأحداقتعانق الأضلاع بعضها بعض حتى تلوي ما تبقى من أنفاسٍ عطشىالنسوة مَرمِيَّاتِ على صَنادِيقِ السِّلاحِ والذَّخيرَةِ، تَفوحُ مِنهُنَّ رائِحَةُ النُّفوقِ والدَّمِ العَفِنِ. كيف يحدث أن يتدفق الدمع منا بكل فظاظة، ما له لا ينضب ويهجر أخاديد الشجن. وما له الموت يسافر بنا متكاسلاً ليرهقنا في احتضار دامٍ كظيم! كيف للشمس أن تسرق منا ظلنا وسمرة حقولنا لتلفظنا أشباحاً في الزحام. كيف يحدث أن تصبح غاية أمنياتنا رقاد طويل ورحيل قبل الوصول.)

  • هل يعتبر الصمت أحد أعداء الثورة السورية من وجهة نظرك؟

يُقدّر عدد اللاجئين السوريين بنحو سبعة ملايين خارج البلاد، يتوزع منهم مئات الآلاف في دول الاتحاد الأوروبي وسواه من بقاع الأرض. وعلى مدى أربعة عشر عامًا منذ انطلاقة الثورة السورية، شهدنا مبادرات شتىفردية ومؤسساتيةفي بلاد المهجر، تُعنى بالنضال الحقوقي والتعريف بقضية الشعب السوري، وفضح الانتهاكات التي يقترفها النظام القمعي ومرتزقته.

غير أن ما يدعو للأسى هو ذلك الصمت الرهيب الذي اختاره كثير من السوريين المقيمين في الخارج، وجلّهم آثر الانكفاء على الذات، وكأنّ المأساة لا تعنيه. صمتٌ قاتل، يتجاوز الحياد ليصبح مشاركة ضمنية في تزوير الحقيقة ودعمًا غير معلن لرواية النظام في تشويه الثورة.

أما مَن ادّعىالحياديةفي هذا الصراع الأخلاقي والإنساني، فقد ارتكب في نظري فضيحةً أخلاقية وسقطة إنسانية مدوّية، تعبّر عن أقصى درجات النفعية، واستغلالٍ لدماء الضحايا ومعاناة المهجّرين والمنكوبين.

  • لو أتيحت لك فرصة عرض المسرحية في أي مدينة في العالم، فأين تود أن يكون العرض الأول؟

لا يستهويني كثيرًا بريق المكان أو رمزيته بقدر ما يعنيني أن يُعرض العمل في بيئة ناطقة بالعربية، تلامسها المعاني الإنسانية التي يتناولها النص، وتعيها الوجدان العربي الذي يتشارك آلام القمع وتشوّه السلطة في أكثر من مكان.

لدي يقين بأن كل عربي، أينما وُجد، يحمل في ذاكرته شيئًا من وجع هذا النص، ويمتلك القدرة على الإصغاء له، لا بوصفه مسرحًا فحسب، بل صدىً لنداء الضمير.

أما النسخة الفرنسية التي صدرت مؤخرًا، فهي موجّهة بطبيعة الحال إلى قارئٍ ومشاهد ناطق بالفرنسية، وهي تفتح أمامه نافذة جديدة على القضية السورية من منظورٍ درامي وإنساني.

  • هل تخطط لكتابة نص آخر يُكمل تجربة (ساعة حائط)؟

بلا شك. وجدت في أدب الحرب ضالتي، فهو الحقل الذي تتجلّى فيه أقصى درجات الألم الإنساني، وفيه من الصور والمآسي ما لم يُكتَب بعد، وما لم يُفضِ به لا قلم ولا عدسة.

لقد أنجزتُ قبل عامين مخطوطة رواية باللغتين الفرنسية والإنكليزية، وهي الآن قيد التحقيق والتنقيح، وأتطلع إلى نشرها خلال هذا العام، بإذن الله.

أما فكرة نص يُكمل تجربة *ساعة حائط*، فهي حاضرة بقوة ضمن مشروع الكتابة القادم، وربما أتناول فيه فئةالحياديينفي زمن الحرب، تلك الفئة الرمادية التي تكتفي بالمراقبة من بعيد، دون أن تدفع ثمنًا أو تُظهر موقفًا.

  • كلمة أخيرة لقرّاءالمدائن بوستعنكم وعن سوريا الصمود

أتوجّه بخالص الشكر والامتنان إلى كوكبة الكتّاب فيالمدائن بوست، وعلى رأسهم رئيس التحرير الكريم الدكتور محمد بدوي، الذي أتاح لي هذه المساحة الكريمة للحديث عن تجربتي المسرحية وعن بعض ما كتبت.

ولا يسعني إلا أن أُثني على تبنيه الدائم للكتابة الإبداعية الحرّة، واحتفائه بالأصوات القادمة من جهات الأرض الأربع، مناديةً بالحرية والكرامة.

وإذ أذكر عرفانًا مواقفه المشرّفة في دعم الثورة السورية ومساندة المهجّرين على مدى سنوات، فإنني أتوجه أيضًا بالشكر لكل قارئ كريم منحنا من وقته الثمين ليقرأ كلمة، لعلّها تضيء في داخله شرارة سؤال، أو توقظ فيه ذكرى وطنٍ لا يُنسى.

خاتمة:

من خلال تفاعل الشخصيات، تحاول المسرحية نقل صورة قاسية عن واقع الحرب في سوريا، ما بين فقدان الأمل، وتآكل القيم، وتداخل الشخصيات بين الضحية والجلاد. لكن المسرحية لا تكتفي بعرض هذه الحقائق فقط؛ فهي تسعى أيضًا لتقديم بصيص من الأمل من خلال مواقف قد تبدو بسيطة، مثل التضامن بين المعتقلين، ورغبتهم في الحفاظ على إنسانيتهم في ظل هذا الظلام الشامل.

ختامًا، إن المسرحية تُظهر كيف أن الحرب لا تُدمر فقط الممتلكات والأرواح، بل أيضًا الروابط الإنسانية وتفاصيل الحياة اليومية. الشخصيات في هذا العمل تتعامل مع الحياة والموت، مع الأمل والخيانة، وتدور حواراتها حول القضايا التي تهم الجميع، كالبحث عن العدالة والحفاظ على الكرامة الإنسانية في وجه آلة الدمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق