ثقافة وفن

التشكيلي أيمن الحصري

بالفن يطوّع الدمار بالحرف يشكّل الذاكرة

بشرى بن فاطمة

“في حياة النزوح كان الفن آخر اهتماماتي.. فنحن بالكاد نستطيع تلبية احتياجاتنا الأساسية، ولكني كنت أقتطع من وقتي ما أستطيع اقتطاعه ..

أرجوكم لا تعتادوا المشهد ولا توهموا أنفسكم أننا تأقلمنا، نحن مجبرون على التعايش ونريد أن ترجع حياتنا كما كانت سابقاً ولو أن هذا صعب جداً لكننا لن نتوقف عن المحاولة.”

*أيمن الحصري

عندما تقع الأزمات وتتوالى الآلام لا ينفصل الفنان عن واقعه وانتمائه وأمكنته، بل يُصبح العنصر الفاعل القادر على الاندفاع أبعد بحضوره الراسخ في تفاصيلها وانعكاسها عليه حتى يسمح لنفسه وبكل ما يملك من جمال أن يتسرّب بين روحه وجسده وملكاته وألوانه وحرفيّته وحروفه ويعبّر بها لكي تفصّل ذاكرة من حنين ومواقف من حق وحقيقة، هذا ما دأب على فعله دوما التشكيلي الفلسطيني أيمن حصري، منذ أول التلاقي مع الفن كرسالة، سلك دروبه الوعرة وحالات غزة التي تماهت فيه ومنه، استطاع أن يحمل ألوانه ويقدّمها لأهله كلما اشتدّت الأزمات على غزة يطوّعها ليستعيد بها ذاته في أرضه، محلّقا طائرا نورسا يحمل ألوانه وخطوطه وحروفه ومفاهيمه وخاماته التي يستوحيها من كل ما يحيط بغزة الحصار غزة العدوان غزة صمت العالم، تبع أثر الفراشة ولم يهتم بالأثر بقدر ما حرص على رؤية الفراشة وهي تعاود النهوض والعودة، أعاد قراءة الحرف وشكّل بصمته الواثقة ليعيد تشكيل الأمل تربيته احتضانه والانعتاق به.

حمل الحصري أشياء من غزة وأسّس بها رؤية جديدة عنها، حملها للعالم حتى يخبرهم أنه لا يقف على بذخ الفن بل على تفاصيله التي تعبّر عن الحق عن الألم عن الموت والفناء رسائل لم يهدأ عن توثيقها، لم يقدّم إلا معايشاته وأمله لم يقدمها إلا بثقة تستجدي الحق في الحياة بصمود وأحقيّة في تفاصيل طبيعية تشبه الحياة وتعيد غزة إليها إلى أهلها.

على المباني المدمّرة طالما كتب وتلوّن وتهندس مع حروفه وأشرق بنكهات جرّب خامات واستغل ما تحوّل إلى خردة من الحديد طوّع أعمالا أخرى حوّلت مشهد الدمار إلى رغبة في الحياة طيلة أكثر من 13 عاما من الحصار، حوّل نظرته للجمال في حدّ ذاتها إلى انعكاس على المحو التجريدي لرؤى الدمار وكسرها بالجمال بعيدا عن تشويه المعنى الموحي بالحرب لأنه اعتبر الفنان حامل الرؤية نورا في عتمة الوجود المنكسر.

“لماذا صار الكلم ضربا من نزيف الروح؟

يصير الكلم ضربا من نزيف الروح لان ممارسة الحرية باللغة في حدودها القصوى إنما تعني الموت..”

*إبراهيم الكوني

لأن الفنان ابن كلمته وبوحه لأنه حامل روح التعبير عن كل شيء ينتمي له لعوالم من خراب بقيت الذاكرة فيها مثل نزف، يقف اليوم الحصري على امتداد خيام النازحين يرى غزته مشتّتة مشرّدة يرى المباني تحوّلت إلى خيم مهدّدة كل لحظة لأن تغيّر أمكنتها وتتحوّل إلى قصص أخرى، بين عطش وجوع بين صدمة وقصف بين موت وفناء بين حياة تصرّ على النفاذ ببعض أمل، يحاول بفنّه أن ينهض معها رغم كل الموت والفقد والانكسار المرير بين تلبية احتياجاته اليومية بصعوبة بين تحوّل عبر الأمكنة بين مشاهد رمادية وركام ودمار يتساءل، كيف يستعيد الفن بوحه وحيه وانسيابه منذ الوقوف الأول على ركام منزله ومرسمه وسرد تفاصيله التي حوّلت غزته إلى خيمة وتشكّل تعايشه في كلمةنزوح، كيف يستعيد خفّة الأبدي في اليومي كما قال درويش حتى يحمل أشواقه إلى أعلى ليشرق أجمل؟

بعض من الفن كما قال، لنتدارك لنحيا لا لنتعوّد لنستعيد لنتأمل لا لنصمت لنبني لنستمر، لنحتوي انكساراتنا لنستوعب حجم الواقع الذي تعلق فيه التفاصيل بين الترقب والانتظار، بالفن نواسي غزة، أو نلعق جراحنا المستعصية على الالتحام، بالفن ننقذ آخر من تبقى فينا من حياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق