ثقافة وفن

الخذلان والذاكرة في قصيدة “حافة العمر” للشاعرة سعاد يعكوبي: تأملات في هشاشة الكينونة واستعادات الذات.

الذاكرة والخذلان مفهومان محوريان في تجربة الإنسان الشعورية والوجدانية، وهما يلعبان دورا بارزا في الشعر الذي يعكس أعمق تجليات النفس وصراعاتها مع الزمن والحياة. فالذاكرة ليست مجرد استرجاع للماضي، بل هي فضاء معقد تتشابك فيه الأحداث والمشاعر، تتحول إلى مصدر للحنين، أو مكان للجرح والتجدد، كما يرى المفكر بول ريكور حين يربط بين الذاكرة والهوية الذاتية التي تتشكل عبر سرد التجربة. أما الخذلان، فهو الشعور بالفقدان وخيبة الأمل التي تصيب الروح حين تتعارض التوقعات مع الواقع، ويأتي الشعر في كثير من الأحيان كمرآة تعكس هذا التوتر، حيث تتجسد لحظات الضعف والانتظار، فيصيغها بأبهى الصور وأعمق العبارات. في قصيدة «حافة العمر» للشاعرة سعاد يعكوبي، تتقاطع هاتان التجربتان بشكل حيوي وحساس، إذ تصف الذاكرة بأنها مفتوحة على اتساعها، لكنها تحمل معها أوجاعا وانتظارات خذلت، مما يجعل الخذلان جزءا لا يتجزأ من المشهد النفسي والوجداني. عبر هذه القراءة، نرى كيف ينجح النص في توظيف الذاكرة كمساحة سردية وحسية، بينما يقدم الخذلان كحقيقة إنسانية تلازم الإنسان في لحظات الصمت والوحدة، فيصبح الشعر عند الشاعرة سعاد يعكوبي تعبيرا عميقا عن هذا الصراع بين الحضور والغياب، بين الأمل الذي يحتضر والواقع الذي يفرض نفسه بلا هوادة.

تتجسد لحظة تأملية عميقة في قصيدة “حافة العمر”، تنحو نحو استكناه مآلات الذاكرة والخذلان، إذ تحضر الذات بوصفها واقفة على صخرة الوجع، وتعايش تجربة وجودية تبدو كأنها على “حافة العمر” كما تقول الشاعرة:
“أقف على صخرة الوجع، / كأنني على حافة العمر”.
هذه الصورة المزدوجة تطرح ذاتا ليست فقط في مواجهة ألم نفسي داخلي، بل كذلك في مواجهة زمن متصلب، ويصبح العمر ذاته وكأنه على شفير النهاية، ويمثل الحضور الوجودي حافة ضيقة بين البقاء والاختفاء.
الذاكرة في القصيدة ليست مجرّد مخزن للماضي، بل فضاء متشظي تفتحه الشاعرة لنوافذ الألم والخذلان، كما يظهر جليا في البيت:
“ويفتح نوافذ الذاكرة على اتساعها”.
هنا، تُبرز الشاعرة كيف أن الذاكرة تفتح “نوافذ” متعددة ليست فقط لاستدعاء اللحظات الجميلة، بل لاستحضار الخيبات والانتظارات غير المحققة، فهي نافذة مكشوفة على كل أبعاد الذات: الحزن، الخذلان، والألم. هذه الصورة تتناغم مع ما ذهب إليه بول ريكور في دراسته حول الذاكرة، حيث يقول إن “الذاكرة ليست تسجيلا جامدا، بل إعادة صياغة نشطة تعيد تشكيل الذات وتعيد بناء الحاضر من خلال الماضي”.
الخذلان هنا ليس مجرد خيبة أمل عابرة بل هو حالة مركبة ومتكررة، تعيشها الذات داخليا، كما تكشف عن ذلك العبارات:
“تجرّ خلفها خيباتٍ مرّت، / وأوجاعًا لم تُقَل، / وانتظاراتٍ خذلتني”.
يبدو الخذلان في هذه السطور كوزن ثقيل يحمله اللسان والوجدان معا، والوجع “لم يُقل”، أي لم يُفصح عنه، لكنه حاضر في الذاكرة حاضنا أوجاعا متراكمة، وهي حالة تشير إلى الخذلان الداخلي المتكرر، الذي يعجز الكلام عن التعبير عنه. في هذا الصدد، يذكر موريس بلانشو في تحليله للصمت أن “الصمت يعبر عن ألم عميق يفوق قدرة اللغة على النطق”، وهو ما يفعله هذا الجزء من القصيدة من خلال التعبير الشعري المراوغ الذي ينطوي على الألم الصامت.
من ناحية أخرى، تستخدم الشاعرة الطبيعة كمرآة للذات، وتصور النجوم التي تغيب خلف الغيم وكأنها تشاركها حزنها، في البيت:
“في السماء، النجوم تغيب خلف الغيم، / ربما لأنها مثلي لا تحبّ أن تُرى حين تبكي”.
هذه الصورة استعارة كونية تحيل الخذلان إلى حالة مشتركة بين الإنسان والطبيعة، وتذكّرنا بالترابط بين النفس والكون، حيث البكاء ليس مجرد فعل بشري بل حالة كونية. تذكّرنا هذه الصورة بأفكار الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز حول تداخل الداخل والخارج، وتعكس الصور الطبيعية حالات نفسية متجذرة في الوعي.
الذاكرة هنا تظهر أيضا في تعدد مستوياتها، فهي ليست ذاكرة شخصنة فقط، بل ذاكرة جماعية أيضا تعكس تجربة إنسانية أعمق، وهو ما تستحضره الشاعرة من خلال الانتقال بين زمن الذات والكون، بين اللحظة والذاكرة، مما يضفي على القصيدة بعدا فلسفيا إنسانيا. فالذاكرة، بحسب هايدغر، ليست فقط تذكرا للماضي، بل هي “تكوين للوجود في الزمن”، والقصيدة تحاكي هذا الوجود العابر والممتد في ذات الوقت.
الخذلان، كما يظهر في القصيدة، ليس فقط خذلانا للأمل، بل أيضا خذلانا للذات، فهناك شعور بعدم الوفاء بالذات أو بالآمال التي كانت تحملها. يتجسد ذلك في البيت:
“وسؤالٍ يتردد داخلي: / هل ما زال في القلب متّسعٌ للأمل؟”.
هذا السؤال العميق يشير إلى حالة الشك الذاتي، حالة تقلب بين الرغبة في الحياة والاعتراف بما هو مخذول، مما يشير إلى صراع داخلي شديد القسوة بين ما ينبغي أن يكون وما هو واقع.
القصيدة تتضمن بعدا نفسيا دقيقا، إذ تعكس الخذلان هنا كإحساس بالغربة حتى داخل النفس، وهو ما يجعل الذات مثلا “واقفة رغم ما مضى”، كما في:
“الريح تمرّ / ولا تُنبت شيئًا، / تعبث بشعري فقط، / كأنها تذكرني / أنني ما زلت واقفة، / رغم ما مضى”.
تلك الريح التي “تعبيث” تمثل تجليات الزمن القاسي الذي يمر دون أن يحمل أي تجديد، بل تقتصر حركتها على تمزيق الذاكرة والشعر، كناية عن تمزيق الذات واحتراقها.
إنها أيضا صورة لرغبة في الثبات وسط انفلات الزمان، ثبات لا يحمل انتصارا حقيقيا بقدر ما هو استسلام لصبر يشبه الرضا، وهو ما تختتم به الشاعرة في الكلمات:
“وأربّت على قلبي / كمن يهمس له: لم ينتهِ كل شيء بعد…”.
هذا الهمس يمثل نوعا من التضامن الذاتي، وترطيب الجراح، وإبقاء بريق الأمل حيا حتى وإن كان باهتا. هناك إذن تلازم بين الذاكرة والخذلان، وبين الألم والأمل، بين الوجع والصبر، وهو تناقض يصنع عمق النص الشعري.
من ناحية النقد الأدبي، نجد أن الشاعرة توظف الصورة بلاغيا بطريقة توائم مشاعر القارئ مع الحالة الذاتية، فالقصيدة تعيد إنتاج تجربة الخذلان والذاكرة بتكثيف شعري عالي، معتمدا على استعارات بصرية وسمعية مثل “صخرة الوجع”، و”النجوم تغيب خلف الغيم”، و”صمت يشبه الوحدة”. وهذه الأساليب الأدبية تتفق مع ما وضعه رومان جاكوبسون في نظريته عن الوظائف الشعرية، إذ تُوظف اللغة لإثارة التجربة الذاتية من خلال تكثيف الألفاظ والصور.
أما من زاوية الدراسات النقدية الحديثة، فإن القصيدة تمثل نموذجا للحالة النفسية المعاصرة التي يعانيها الإنسان في مواجهة الزمن، حيث يصبح الماضي، المُمثل في الذاكرة، مصدرا لخذلان مستمر، يصعب معه بناء حاضر سعيد. وهذا يتقاطع مع تحليل سوزان سونتاغ في “الألم والذاكرة”، التي ترى أن “الذاكرة تتحول إلى عبء حين تكون محمّلة بالألم غير المحلول”.
كما أن القصيدة تتصل بمفهوم الذات المشروخة الذي تحدث عنه الناقد ديليب أشكار في دراساته عن الشعر العربي الحديث، إذ تتعرض الذات لكسر داخلي بين الحلم والواقع، بين الأمل والخذلان، مما يولد شعورا بالاغتراب النفسي والهوية الممزقة، وهو ما تعبر عنه ببراعة الشاعرة في هذا النص.

تمثل قصيدة “حافة العمر” موقفا إنسانيا وفلسفيا من تجربة الذاكرة والخذلان، حيث ترسم الشاعرة صورة ذاتية عميقة تتناول هشاشة الكينونة، في زمن يغلب عليه صمت الألم والانتظار. تبرز القصيدة قدرة الشعر على التعبير عن تعقيدات النفس البشرية، وتكشف عن حيويتها كميدان للتصالح مع الذات عبر مواجهة الذاكرة والخذلان، ليس فقط كآلام ماض، بل كجزء من تجربة الوجود المتجددة.

——
النص

☆☆ حافة العمر ☆☆
✍️ سعاد يعكوبي/ المغرب

أقف على صخرة الوجع،
كأنني على حافة العمر،
لا شيء من حولي
سوى صمتٍ يشبه الوحدة،
وسؤالٍ يتردد داخلي:
هل ما زال في القلب متّسعٌ للأمل؟
كل شيء يمرّ…
الشمس تنسحب بهدوء،
كأنها تعتذر عن نورٍ لم يكفِ،
والليل لا ينتظر،
يتسلّل بلا استئذان،
ويفتح نوافذ الذاكرة
على اتساعها.
هنا،
في ركنٍ بعيد من الوقت،
أسمع أنفاسي تتثاقل،
تجرّ خلفها خيباتٍ مرّت،
وأوجاعًا لم تُقَل،
وانتظاراتٍ خذلتني
في لحظةٍ صامتة.
الريح تمرّ
ولا تُنبت شيئًا،
تعبث بشعري فقط،
كأنها تذكرني
أنني ما زلت واقفة،
رغم ما مضى.
في السماء،
النجوم تغيب خلف الغيم،
ربما لأنها مثلي
لا تحبّ أن تُرى حين تبكي.
السماء تفهمني،
تصمت معي،
وتضمني كما لم يفعل أحد.
وأنا…
ما زلت على صخرة الوجع،
أعدّ لحظاتي بصبرٍ يشبه الرضا،
وأربّت على قلبي
كمن يهمس له:
لم ينتهِ كل شيء بعد…
لأنك لست وحدك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق