ثقافة وفن

قراءات… سؤال الذات في مرآة الغرائبي: قراءة في قصيدة “من أنا… سؤال” للشاعر عبد الرحمن بوطيب

نور الدين طاهري

يُعدّ الغرائبي عنصرا مركزيا في الشعر العربي المعاصر، حيث يشهد هذا الفن تحولات عميقة نحو تفكيك الأنساق التقليدية والتحرر من قيد المرجع الواقعي، عبر توظيف الغرائبي كآلية جمالية وفكرية. لم يعد الغرائبي مجرد وسيلة للإدهاش أو أداة زخرفية، بل أصبح حاملا لرؤية مقلقة تنبع من هشاشة الوجود، وقلق الهوية، وتشظي الذات في عالم فقد مرجعيته. وفي هذا السياق، تتجلى قصيدة “من أنا… سؤال” للشاعر عبد الرحمن بوطيب كتجربة شعرية تنخرط في مساءلة الكينونة من خلال توتر لغوي ودلالي يرتكز على المفارقة، والانزياح، والاختلال.

منذ العنوان، ندرك أن القصيدة لا تنحو منحى التقرير أو التصريح، بل تُدخل القارئ إلى منطقة اللايقين. “من أنا… سؤال” لا تستدعي علامة الاستفهام، بل تجعل السؤال ذاته موضوعًا للقصيدة، وبهذا تنقل الهوية من مقام اليقين إلى فضاء التردد. لم يعد السؤال وسيلةً للوصول إلى الحقيقة، بل هو الحقيقة الوحيدة الممكنة، أو كما يقول تودوروف: “الغرائبي يبدأ حين نتردد بين تفسيرات متعددة، دون أن نرجّح واحدة منها بثقة كاملة”.
في متن النص، تتوالى الصور المنفلتة من مألوف المعنى، وتتداخل الأزمنة بشكل عبثي: “من اليوم إلى الأمس” و”الغد البعيد القريب”، حيث يتحول الزمن إلى دوّامة لا تستقر على محور. هذا التلاعب الزمني ليس ترفا شكليا، بل تمظهر لفقدان البوصلة، وانكسار الشعور بالتسلسل المنطقي للحياة. إنه كما يصفه باشلار: “زمن متشظٍ، ينهار فيه الماضي على الحاضر، ويتقاطع الغد مع اللحظة الآنية”.
الذات الشعرية، في هذا السياق، تظهر في مرايا مكسورة: “المرايا التي لا تريني سوى جلدٍ مرتخٍ”، تعبير رمزي عن فقدان الهوية، وعن هشاشة الصورة الذاتية التي لم تعد تستند إلى مرآة خارجية أو داخلية ثابتة. حتى الأشياء المحيطة بها تخرج عن وظائفها، فيُسند للجدران فعل السهر، وللكتب فعل الذوبان، كما في قوله: “الجدران تسهر”، و”الكتب تذوب في نسيان بحريّ”. هذا التحول في منطق الوجود يجعل العالم غريبًا، كأننا إزاء ما يشبه “الواقع المتخيّل” كما يصوغه بول ريكور، أي واقع لا تؤسسه قوانين الفيزياء، بل قوانين المجاز والانزياح.
وفي غمرة هذا الانفلات، تتداخل الضمائر وتتوارى الذات: “أنا… هو… لا أحد”، حيث تفقد اللغة مركزها، ويتحول الأنا إلى نقطة عبور بين وجودات متنازعة. الذات تتكلم بضمير الغائب، ثم تتوارى خلف العدم، كما في قوله: “أُعرّف نفسي بصدى لا يُجيب”، وكأن الهوية لم تعد جوهرا بل أثرا، صدى يتردد في الفراغ دون أن يجد لنفسه اسما ثابتا.
ولعل الصورة الشعرية الأكثر تعبيرا عن هذا التمزق الداخلي، هي قوله: “أنحتني حجارة في غابة من ورق أصفر”، حيث تلتقي القسوة بالهشاشة، والصلابة بالتحلل. إنه تناقض يجسّد الصراع الوجودي بين الرغبة في التشكل، والخوف من التلاشي.
إن الغرائبي هنا لا يُستخدم كوسيلة للدهشة، بل كأسلوب لقول ما لا يُقال، للتعبير عن قلق الذات في عالم يفقد معناه. ليست القصيدة إذًا ترفًا لغويًا، بل مرآة متكسّرة لذاتٍ تحاول أن تُعيد بناء نفسها من شظايا السؤال، ومن رماد الصور. وفي هذا المعنى، فإن الشاعر لا يقدّم أجوبة، بل يمنحنا تجربة وجودية متكاملة، تقوم على الانزلاق بين الحضور والغياب، بين التعيين والذوبان.

يكتب الشاعر عبد الرحمن بوطيب بلغة مكثفة، متمردة، تسكنها نبرة الرفض والقلق الوجودي. أسلوبه نثري سردي لكنه مشحون بشحنة شعرية عالية، يُزاوج بين الانفعال والتكرار والانزياحات الدلالية، فيبني نصه على نسق متصاعد من الأسئلة واللاجدوى. الإيقاع متقطع، لكنه هادر، قائم على التكرار والانفجار الداخلي للجملة.
مقارنة بالغرائبي، لا ينزاح الشاعر إلى العجائبي الخارجي أو الصور الفنتازية؛ بل يصوغ “غرائبية داخلية”، تنبع من المفارقة والاغتراب في الواقع، حيث يغدو العالم مشوّها، لا من خلال الخيال الجامح، بل من خلال تكثيف القبح والفراغ والعبث المتغلغل في الحياة اليومية. فالنص لا يدهشنا بعوالم خارقة، بل بما هو مألوف مأساوي، مُعادٍ للمعنى.
إنه غرائبي من الداخل، لا عبر خلق عالم بديل، بل بتفكيك العالم القائم وسحق معانيه من خلال لغة محمّلة بالمرارة والسخرية السوداء.

قصيدة عبد الرحمن بوطيب “من أنا… سؤال” هي تجلٍّ شعري لتشظي الذات المعاصرة، وانهيار الحدود بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، بين اللغة والحقيقة. إنها تجربة تنتمي إلى جغرافيا الغرائبي، لكنها لا تهرب من الواقع، بل تفتته لتعيد بناءه شعريًا، وفق رؤيا قَلِقة، ومكثفة، ومتجاوزة.
في زمن أصبح فيه السؤال هو الهوية، تصبح القصيدة سؤالا مفتوحا لا عن الذات فقط، بل عن جدوى الكتابة، عن معنى أن تكون شاعرا في عالمٍ بلا يقين. وبهذا، ترتقي تجربة الشاعر عبد الرحمن بوطيب إلى مقام الشعر الحق: ذاك الذي لا يمنحك إجابة، بل يجبرك على أن تسأل من جديد.

——
النص

* من أنا… سؤال * / 1
قصيدة نثر سردية طويلة متعبة.
الشاعر عبدالرحمن بوطيب

(من أنا… هو السؤال)

قد كنت منكم جئت لا أرغب فيكم أقول
ما كان لي مُبْتَدَا
لا منتهى
لا مآل
لم الابتداء بلا اختيار بملء ابتلاء
لم الانتهاء
هو القرار
انتهاء
ذاك سؤال ينسخ السؤال
سَفَرٌ عقيمٌ يُكْتَبُ سِفْراً على أوراق ذابلات وقصيدة طويلة متعبة بلهاء
مدائنكم خاويات على سرابها الكحلي لا ينتهي
وتركبون
خيلكم من قصب تركبون
جميل أنت يا قصب
منك السلال
منك الدمى
منك عبد الودود بن عبد الركوعِ الخنوعِ الذلِّ الحقارِ الضياع،
منك اللُّعَب
ولا لغب
سماؤكم حبلى بخراب يحتسي غيمَ هوانٍ ذلاً
يتلو آيات من ضباب
سراب خراب ضباب
غياب
وتمرحون
ترقصون
تسهرون
تسكرون
تلعبون تلعبون تلعبون تلعبون
تلعبون
بكم يلعبون
لحوم بعضكم نيئة تأكلون
تغازلون ناهدات كاعبات شاردات لذيذات سافرات مسافرات تحت ذل يرتمي في حضن خيمات خيبات غيمات ما هن ماطرات
يباب أنتم
لا أرضكم سماء
لا سماؤكم سماء
أين منيَ الدنانُ فارغات تحكي صعوداً من قمة إلى أسفل
غائبون أنتم صاعدون
في انزلاق دم أسود منكم ينزف دفلى وعهراً من قديم
أين مني السكرة الرعشة
الأولى حكت عنها أسفار
الغابرين العابرين الذاهبين
الما عائدين من اليوم إلى
الأمس الغد القريب البعيد يلهو بوادي عبقر
يرسم الرسوم
يبكي على ديار قوم لا قوم في حواضرهم حاضرهم ماضيهم ما هم في مستقبل لهم من الحاضرين
من أنا
من أكون
لا
أنا من
ما أكون
أأنا المرايا المرايا أنا في
جلدتها المرتخية جلدتي
الشاحبة ترسمني
أرسمها سؤالاً وسؤالاً وفراغاً من أصفار ما لها انتهاء من ملايين السنين
أنا السؤال
فهل يكون مني جواب
ولو بعد أمس غداً الآن
وحين قبل حين

عبد الرحمن بوطيب.
المغرب: 10 ماي 2021.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق