بدويات

كورونا ومكرونيّة فكرنا العربيّ!

لماذا هم هكذا ونحن العكس؟!

د. محمد بدوي مصطفى

كورونا لعبت بعقول الشعوب فصارت كالمكرونة. لعبت ولا زالت، ولم ينتهِ الدور الأخير بعد، لا سيما في بلاد العالم الثالث التي تفتقد إلى أدنى مقومات الوقاية والتوعيّة الصحيّة ناهيك عن مقومات العمل السياسيّ الجاد تجاه الدولة نفسها فضلا عن الناس.

عندما نرى، من جهة، الجهود العظيمة التي تبذلها ألمانيا في مواجهة الجائحة، ومن جهة أخرى، كثافة الوعي التام بالمصيبة والالتزام بالمسؤولية بما يمليه على الناس العلماء من أهل الصحة، وما تمليه عليهم عقولهم النيرة وتجربتهم الطويلة الثاقبة وفكرهم المتوقد في مواجهة هذا الطاعون الكورونيّ اللعين، حينئذ يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري: لماذا هم هكذا ونحن العكس تماما؟

اسمحوا لي يا سادتي أن أذهب معكم إلى أبعد من ذلك، لأزعم أن غالبية الدول الآسيوية، التي عمل مواطنيها بدولنا العربية ولا يزالون، قد وعوا الدرس بجدارة، ذلك ومنذ أول وهلة لتفشي الفيروس. فلنقي نظرة على دول جنوب شرق آسيا مثلا، وهل من مدكر؟! إذن، لماذا لا نفكر نحن العرب بعقلانية واتزان كما يفكر الآخرون وبأن هذا المرض فتّاك، قاتل ومهلك ونذهب رغم ذلك لنتزمّل ملاحف الموروثات باليها، وعقد التقاليد غثها، وأثواب الأعراف مهتوكها، لنترك الأمر في النهاية إلى الله. ماذا يعني هذا التوكّل الغير متزن، على شاكلة المثل الذي يلخص فكرنا والذي أكرهه لدرجة الغثيان: أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”!

هذا يعني أننا نرمي في كل الأمور بالمسؤولية إلى القدر بشره وخيره، ولم نعِ حتى اللحظة بفكرنا المكرونيّ أو نتعلم أننا نحن الذي ينبغي عليهم تحريك عجلة الزمن في الطريق التي نرنو لها، بيد أننا نرجع لنقول: سوف يحركها فلان، وإن لم يحركها فَعِلان، وفي النهاية تتنقل المسؤوليّة المسكينة كالغانية، عارية دونما ثوب يواري سوءتها، من فرد إلى آخر ليصل بها المطاف إلى طريق مسدودة، فتنهار قواها لتفنى إلى أزل الآزلين.

شاهدت ذات مرّة فيديو أقلقني بشدة فأرسلته لصديق صحفي أحدثه شارحا: رجال الأمن يضربون بعض المواطنين ليدخلوا ويلزموا منازلهم. ومن ثمّة سائلا: أهكذا تحل الأمور؟ فردّ عليّ مستطردا تلقائيا قبل أن يرتد إليه طرفه: هذا الشعب لا ينفع معه إلا العصى! (نهاية المقولة). أنحن عبيد لموروثاتنا وتقاليدنا؟ ولنعيد قول الشاعر لنتفكر ونبتصر ونرجع البصر هل من فطور، ثم نرجعه كرتين – حتما – ينقلب الينا البصر خاسئا وهو حسير. لنرجع إلى أبيات من قصيدة المتنبئ في كافور الإخشيديّ ونحن على أبواب أعياد الشهر المعظم:

عـيـدٌ بِـأيَّـةِ حـــالٍ عُـــدتَ يـــا عِـيــد

ُبِـمـا مَـضَـى أَم لأَمْــرٍ فِـيـكَ تـجـدِيـدُ

أمــــا الأَحِــبــةُ فـالـبَـيَـداءُ دُونَــهُـــمُ

فَـلَـيـتَ دُونَـــكَ بَـيْــدًا دونَــهــا بِــيــدُ

لم يَتْرُكِ الدَهْرُ مِنْ قَلبـي وَلا كَبِـدي

شَـيْـئــاً تُـتَـيِّـمـهُ عَــيْــنٌ وَلا جِــيـــد

لم أر في حياتي في ألمانيا ولا سويسرا مشهدا قد ألفناه نحن صغارا نرفل في شوارعنا وكبارا نَكدُّ دائبين في حيواتنا كما في بعض المدن العربية عندما تصدح فيها مكبرات الصوت بسيارات الأمن صائحة بالأمّة، طالبة الانضباط وناشدة الالتزام بالحجر الصحيّ! فنحن لا نزال في كثير من المدن لا نلتزم إلا بقوانين الأسرة العرفية، إن صحّ التعبير: نواجب في دفن من مات ونذهب لحفلات من تزوج، وندعو الأصدقاء كالعادة لوجبة افطار يوم الجمعة، ولا يقف الأمر على هذا، بل ونزور المرضى ونتباوس بيننا ونصافح ولا نلتزم بأبجديات الإيمان كالنظافة، في زمن ضرب فيه ناقوس الخطر بكل بقاع الدنيا، ونحن كما نحن، قابعين تاركين الأمر لله، کأن  لم يحدث شيئا البتّة.

أتعقلون يا سادتي أن أغلب المناطق في البلدان العربية وغيرها والتي حلّ بها العرب، مثال مناطق اللاجئين في تركيا واليونان، فهي أيضا تعاني من نفس الوباء الفكريّ المعكرونيّ. كلنا يعلم يا سادتي أن الكون صار أقرب إلينا من حبل الوريد، والدنيا غدت قرية، مما حتّم على الشعوب أن تدبر أمورها على هذا السياق: تفكر على المستوى الإنسانيّ العالمي وليس في حدود أُفقنا الضيق الذي ينتهي هناك عند شجرة زيتونة صلتها نار العطش، قريبة من حانوت العم أبو مازن، بحارتنا في بداية مفترق الطرق!

العلم واثق والحقيقة البينة ستظهر في الأيام القادمة، فكل مناطقنا – إن سرنا على نهج اللامبالاة وبمنوال التفكير “المنفوتيستيّ” فسيتفتق فينا فيروس كورونا لينفذ إلى قلب الأمّة الرابض على العادة المعتادة، التي عششت بأدمغتنا وبنت بها بيتا وخيمة.  إن قلّة الوعي لدى السكان بمخاطر الوباء والفقر يؤديان كل يوم إلى الخروقات التي تشير إليها مؤسسة الصحة العالمية والمؤسسات الوطنية الحادبة على مصلحة مواطنيها؛ وفي بلادنا – للأسف – مؤسسات صحيّة بلا أدنى وعيّ صحيّ ناهيك عن الصحّة في حد ذاتها، نجدها غافلة، مغيبة، واهنة فواهمة، يخرج مسؤولوها ليفيدوا، بعد التحري المستميت، بأنه لا وجود للكورونا – كما هي الحال في دول أوروبا – فقط يتحدثون عن حالة واحدة، في هذه المدينة وحالتين في تلك، لكنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم بائسون، مدلسون وأغلب الظن كاذبون، أولا على أنفسهم وثانيا على الشعوب، ولله في مسؤولينا شؤون!

خلاصة القول: إن من الأسباب الجوهرية لتفشي الفيروس في مجتمعاتنا ذات الفكر المكرونيّ، هي الخروقات الاجتماعية، لا سيما الأسريّة على صعيد ضيق والاجتماعية على صعيد أكبر، والتي أدت إلى الانتشار الأفقي للجائحة بكثافة دون سابق. لذا ينبغي علينا أن نوقفها وأن نُلجِم قول الجهل على شاكلة: أن الوضوء والغسل يحميان من الجائحة وأن الأدعية تحفظ من الهلاك، بيد أن الله تعالى قال: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). وفي بعض التفاسير نجد في هذا السياق: “لا تَخْرجوا إلى الجهاد بغير زاد ولا تتركوا الجهاد، ولا تَدخلوا على العدو الذي لا طاقة لكم به ولا تَيْأسوا من المغفرة”. ألا ينطبق هذا القول مجازا على جهاد النفس وجهاد المرض، وهما من “الجهادات” الكبرى؟ فزاد الجهاد ضد كورونا هو المعقمات والكمامات وعدم المصافحة وتوخي الابتعاد عن التجمعات والمشي فرادى أو على الأكثر إثنين وتعقيم الأماكن والحاجيات، الخ.    

أيضا تطرأ عليّ تساؤلات عديدة في سياق الأمّة العربية المقبلة على أعظم أشهرها المعظمة: شهر رمضان. أقول: أين التضافر الأممي للدول العربية والاسلاميّة في سياق هذه الجائحة، لا سيما عندما تنقل قنوات التلفزيون وفيديوهات مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد الأمّة في الأحياء الشعبيّة وفي المخيمات وهم قد أتوا من كل فج عميق بالآلاف، يحتشدون، يتراصون، يتزاحمون ليقتنوا حفنة من أكياس الدقيق والمساعدات الاجتماعية المتواضعة، التي جادت بها بعض المؤسسات الحكومية وغيرها، ناهيك عن صفوف الخبز التي تبدأ من بعد أذان الصبح؟ أين التكاتف والتكافؤ الإسلاميّ والتراحم، وهل نحن حقيقة خير أمّة أخرجت للناس؟! دعونا نرجع البصر حتى نرى أين الفطور! والحديث لا يحتاج إلى تفصيل واللبيب بالإشارة يفهم!

وعلى برزخ الألم في سياق الجائحة ووطأتها على قلوب العلماء الخاشعة المؤمنة، التي أدركت هول الكارثة وعمق المصيبة نشاهد بعض المسؤولين في البلدان العربية، منهم من يجهش بالبكاء خلال المؤتمرات الصحفيّة، محذرا أهله من طاعون فتّاك وكارثة صحية دون سابق في تاريخ البشرية، نشعر نحن هاهنا بعمق المصيبة راصدين تداعيات الكارثة التوعويّة من جهة أخرى، أعني إلى أي مدى تجد السلطات الإدارية صعوبات في فرض القوانين ولوائح الالتزام بأمر الحجر الصحي وغيره بين الشعب حتى تصل إلى فكره المكرونيّ ذاك ألا يفتك به فيروس كورونيّ.   

لماذا يتهافت الناس ويستخفون بقواعد التباعد الاجتماعي وأسس الحجر الصحيّ ويقدمون في أغلبية دول المنطقة بالمئات على حضور حفلات الزواج وعلى مناسبات الأفراح والأتراح، مما تسبب في قرية من قرى مصر بمنطقة المحلة في تسجيل إصابات كثيفه مما جعل السلطات مضطرة لفرض حجر تام على القريّة، لا أحد يدخل ولا أحد يخرج، وانتهى الأمر الذي فيه تستفتون. وهذا فقط مثال وقمّة الأيسبيرج!

للأسف لا تتوفر في بلداننا العربية التجهيزات الصحيّة اللازمة للفحص الصحيّ وبالأمس كنت أشاهد فيديو عن مدينة أدلب السورية المنكوبة حيث تحدث أحد الأطباء أنهم سعداء لأنهم تحصلوا على جهاز فحص (غير دقيق وبطيء) يمكنهم من خلاله فحص ٤٠ حالة في اليوم، بينما على حد قوله يمكن لمستشفى في ألمانيا فصح ما يقارب الخمسين ألف حاله في نفس الفترة (مدّة يوم).

يا إلاهي فشهر رمضان على الأبواب والدول الغنية تفكر وتجهز لحصص الأكل للمساكين، من التمر والدقيق والخ، فقط في شهر رمضان. أقول: هبوهم أجهزة، كمامات، قفازات لمجابهة الكارثة، هبوهم بعض مما أعطاكم إيّاه رب العباد من خير وحتى لو أضعف الإيمان، ولا تلجأوا كابن نوح عليه السلام إلى الجزر لتستنجدوا بالبر ليقيكم الله شر الطوفان، وفي هذا السياق أذكر قصيدة سينية البحتري: ” أحرام على بلابله الدوح وحلال على الطير من كل جنس”. ألم أقل لكم يا سادتي، أنّ فكرنا مكرونيّ، يكتفي بالتفكير من اليد إلى الفم فحسب. نعم، فكرنا تحركه الشهوانيّة والغريزة الحيوانيّة، فيا لبعد أفقنا ويا لصوبان بصائرنا! لعلمنا، فالكورونا لا تفرق بين سيد وعبد، ملك وتابع، عربي وأعجمي، خادم وسيد، آمر ومأمور، فهي تقبض بنواجذها على لحم الأمم، تقضي على شحمه وعظمه ولا تذر، فلنجهزنَّ العدّة لها، وما أوتينا من الرجال، العتاد ومن الكنوز ما إنَّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فجهادها – في هذا الوقت – هو الأمثل، كجهاد النفس، أليسه الجهاد الأكبر؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق