
إسرائيل: الخطر الصامت الذي يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط ويهدد الاستقرار الدولي
في قلب الشرق الأوسط، تبرز إسرائيل كقوة عسكرية وتكنولوجية متقدمة، محاطة بدول عربية وإسلامية تُصنَّف في معظمها ضمن «الدول النامية». ورغم مرور أكثر من سبعين عامًا على الصراع العربي–الإسرائيلي، تكشف الوقائع اليوم عن فجوة متزايدة في موازين القوى لصالح إسرائيل، جعلتها تتحول من طرف نزاع تقليدي إلى خطر استراتيجي يعيد تشكيل الخارطة السياسية والأمنية في المنطقة، بل ويهدد الاستقرار العالمي.
هذه الفجوة لم تنشأ فقط بسبب القدرات العسكرية والتكنولوجية الإسرائيلية، بل أيضًا نتيجة عجز الدول النامية عن بناء مشروع موحد واستراتيجية فعّالة لمواجهة السياسات الإسرائيلية التوسعية.
لماذا هدف إسرائيل التوسع؟ وهل هناك حدود لذلك؟
منذ نشأة المشروع الصهيوني في أواخر القرن التاسع عشر، ارتبط قيام إسرائيل بفكرة «أرض الميعاد»؛ مفهوم ديني–تاريخي يربط بين الأمن القومي الإسرائيلي والسيطرة الجغرافية. بعد تأسيس الدولة عام 1948، تحولت هذه الفكرة إلى سياسة عملية توسعية: السيطرة على مزيد من الأرض لضمان أمن الدولة وحدودها «الآمنة»، سواء عبر الحروب أو التوسع الاستيطاني.
لكن التوسع لم يقتصر على الضم الرسمي، بل امتد إلى فرض أمر واقع بالقوة، خاصة في القدس والضفة الغربية والجولان، مدعومًا بمشروع استيطاني ضخم. ومع الزمن، تطورت هذه السياسة إلى «توسّع نفوذ» سياسي واقتصادي وأمني، عبر علاقات وتحالفات مباشرة وغير مباشرة مع دول عربية وإسلامية.
رغم ذلك، تقف أمام هذا التوسع قيود موضوعية: الضغوط الدولية، التركيبة الديموغرافية (خشية تحوّل الفلسطينيين إلى أغلبية)، وأحيانًا توازن القوى الإقليمي. لكنها حدود مرنة وغير ثابتة؛ فالمشروع الصهيوني قائم على استمرار التوسع الاستيطاني والسيطرة غير المباشرة في المنطقة.
لماذا تُعد إسرائيل خطرًا يتجاوز حدود المنطقة؟
سياسات توسعية واحتلال مباشر في فلسطين والقدس والجولان.
رفض الالتزام بقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بحقوق الفلسطينيين واللاجئين.
امتلاك ترسانة نووية غير مُعلَنة رسميًا تُهدد ميزان القوى في الشرق الأوسط.
دورها في توتير العلاقات بين دول الجوار وإشعال أزمات متكررة.
تعطيل مشاريع التكامل الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.
سعيها الدائم لإعادة تشكيل موازين القوى لصالحها، ما قد يُشعل نزاعات إقليمية ودولية أكبر.
هذه السياسات لا تخدم إلا الطموحات الإسرائيلية، لكنها تُهدد مصالح العالم بأسره؛ بدءًا من أمن الطاقة ووصولًا إلى الاستقرار السياسي والأمني في أوروبا وروسيا والصين.
الدول العربية: أولويات متغيرة وانقسامات عميقة
منذ حرب 1948 وحتى اتفاقيات التطبيع الأخيرة، تبدلت الأولويات في العالم العربي: من الصراع العربي–الإسرائيلي إلى قضايا الأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. هذا التراجع في الأولوية الفلسطينية ترافق مع:
غياب مشروع عربي موحد لمواجهة السياسات الإسرائيلية.
انشغال كل دولة بأزماتها الداخلية.
حروب أهلية وصراعات داخلية في دول محورية كسوريا والعراق واليمن وليبيا.
اتفاقيات تطبيع قللت من إمكانية بناء موقف عربي جماعي.
في ظل هذه التحولات، لم يعد الخطر الإسرائيلي مجرّد قضية قومية جامعة، بل أصبح جزءًا من حسابات كل دولة منفردة.
الدول الإسلامية غير العربية: قدرات أكبر لكن رؤية مشتتة
تركيا، إيران، وباكستان تمثل قوى إسلامية مهمة، لكنها عاجزة عن تشكيل جبهة موحدة:
تركيا: تحتفظ بعلاقات اقتصادية وتجارية مع إسرائيل، بينما تركّز سياستها على ملفات إقليمية أخرى.
إيران: تعتبر إسرائيل خصمًا وجوديًا وتدعم حركات المقاومة، لكنها تواجه عقوبات وصراعات إقليمية تحدّ من قدرتها على بناء مشروع موحَّد.
باكستان: تمتلك سلاحًا نوويًا، لكنها تركّز على صراعها مع الهند وقضية كشمير دون مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
المفارقة بين الخطاب والواقع
رغم خطابات الإدانة والشجب، تكشف الوقائع عن:
ضعف التنسيق الأمني والعسكري.
اعتماد اقتصادي وتكنولوجي على الغرب الحليف لإسرائيل.
أولويات داخلية تستنزف الموارد.
انقسامات مذهبية وقومية تعرقل وحدة الصف.
مخاوف من حرب كبرى: استراحة محارب قبل مواجهة جديدة
تسود حالة هدوء نسبي تشبه «استراحة المحارب»، لكن في العمق هناك مخاوف جدية من اندلاع حرب كبرى بين إسرائيل وإيران. هذه الحرب قد:
تتحول إلى نزاع إقليمي واسع بمشاركة أطراف دولية.
تهدد خطوط الطاقة العالمية التي تعتمد عليها أوروبا والصين.
تعزز بيئة الفوضى التي تغذي الإرهاب والتطرف.
إسرائيل، بحكم عقيدتها الأمنية، لا تقبل بوجود تهديد حقيقي قرب حدودها؛ ما يدفعها دائمًا لإعداد قدراتها العسكرية لخوض حروب استباقية عند الحاجة.
أين الدول العربية مما يحدث؟
وسط هذه التهديدات، الموقف العربي يعاني من صمت وتردّد، بسبب:
الانشغال بالأزمات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية.
مسارات التطبيع التي تقيد الخيارات السياسية.
غياب مشروع عربي موحد أو مبادرة استراتيجية جماعية.
ويخشى كثيرون أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراع بين إسرائيل وإيران، بينما تظل الدول العربية مجرد متفرّج على حساب مصالحها وأمنها القومي.
نحو رؤية واقعية تقوم على منطق الجيرة والمصلحة المشتركة
لسنا بحاجة إلى مزيد من المزايدات أو الاتهامات المتبادلة بين الدول
العربية. المطلوب اليوم مشروع عقلاني جديد ينطلق من مبدأ بسيط: الجيرة والمصلحة المشتركة.
الحقيقة الاستراتيجية أن أي حرب كبرى ستطال جميع دول المنطقة دون استثناء؛ سياسيًا، أمنيًا، واقتصاديًا. لذلك، حتى في غياب توحيد كامل للمواقف تحت راية العروبة أو الدين، يجب بناء مشروع عربي يقوم على تنسيق الحد الأدنى لحماية المصالح المشتركة.
سلامة الجيران تعني سلامتنا جميعًا.
الخلاصة:
الخطر الإسرائيلي لم يعد مجرد مسألة فلسطينية أو نزاع إقليمي؛ بل مشروع توسع ونفوذ قد يغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط ويهدد الاستقرار الدولي. مواجهته لا تحتاج شعارات بقدر ما تحتاج وعيًا جماعيًا، رؤية استراتيجية، وتنسيقًا عربيًا وإسلاميًا جادًا لم يعد يحتمل التأجيل.
*** أ.إدريس أحميد ..صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي!!




