
قراءات_نقدية..ديوان ” عاشق لبيرتا” للشاعر محمد السباعي: الشعر بوصفه تمردا وجوديا ومجازا للحرية

الناقد نور الدين طاهري
ينبع ديوان ” عاشق لبيرتا” من أعماق تجربة إنسانية مشحونة بالحيرة والتمرد، حيث تتقاطع اللغة بالشعور، ويصبح الحرف مرآة لندوب الروح. ليست “لبيرتا” مجرد مفردة مقتطفة من معجم الحرية، بل هي نداءٌ متجذر في الوجدان، يتجاوز الدلالة المباشرة ليغدو رمزا للانفلات من قيد، والتوق إلى فضاء أرحب من الوجود.
يتشكل النص الشعري عند محمد السباعي كبنية مقاومة، لا تنصاع لسلطة العادي ولا تستسلم لإيقاع الرتابة. كل قصيدة أشبه بمنحوتة لغوية تُجابه الغياب، وتستدعي حضورا حارقا للذات وسط عالم متشظٍّ.
الرمز، الصورة، الإيقاع، والتضاد، كلها عناصر تُطوّع في نسيج متماسك يمنح الديوان هويته الخاصة. هكذا تتبدى “لبيرتا” كثورة ناعمة، تسكن الكلمات وتنفجر صمتا.
بعيدا عن الشعارات، يكتب الشاعر بلغةٍ تلامس جوهر الإنسان، وتعيد للقصيدة دورها الخلاصي، حيث يتحول الشعر إلى مساحة لقول ما لا يُقال، ولرؤية ما يُحجب، ولحبٍّ لا تبتلعه العتمة.
هذه القراءة النقدية لا تسعى إلى تأويل نهائي، بل إلى مقاربة صوتٍ شعري متفرد، يمسك بتلابيب الحرية كما يُمسك العاشق بطيفٍ لا يغادر القلب.
يتميّز ديوان ” عاشق لبيرتا” كذلك بتعدد الأصوات وتنوع الإيقاعات، حيث نجد قصائد تنهل من مناخات العشق والهيام، بينما تنحو أخرى نحو مساءلة الواقع، بأسلوب لا يخلو من الحنين، ولا من الحدة أحيانا، مما يمنح المتلقي تجربة قرائية لا تكتفي بالتماهي، بل تدفعه إلى تأمل الواقع من خلال مرآة الشعر.
ومن بين النصوص اللافتة في هذا السياق، تبرز قصيدة ” عاشق لبيرتا” التي مطلعها “يا لبيرتا”، التي تتوسل خطابا عاطفيا شفيفا، وتنتقل فيه الحبيبة من كونها “ذاتا محبوبة” إلى رمز محوري يدور حوله النص، تُستدعى فيه صور تتناوب بين الرقة والانكسار، بين الإشراق والانطفاء، كل ذلك في لغة شعرية تستمد جماليتها من التكثيف البلاغي والشفافية الوجدانية.
إن ديوان ” عاشق لبيرتا” يزاوج في بنيته بين البوح الذاتي والانخراط الواعي في قضايا الإنسان، بأسلوب شعري يتسم بالتماسك الفني والصدق التعبيري، ما يجعله ديوانا يتجاوز حدود اللحظة العابرة، ليُلامس سؤال الوجود والحرية والحب، بلغة تتقاطع فيها العاطفة مع الرؤية، ويشتبك فيها الحلم مع اليقظة.
في المقابل، يبرز الديوان تأملا في المآسي الإنسانية، فتنشأ حالة من الشعر التأملي تتجاوز الفرد لتلامس وجدان الجماعة، كما نلمس ذلك في نصوص مثل “يا سمراء” و”انتظار”، حيث تتداخل الصورة الشعرية مع قضايا اجتماعية وآلام جمعيّة، فتتجسد المعاناة والخذلان كجزء من تجربة الوجود الإنساني.
كما يحتضن الديوان شعر التمرد والمقاومة الذي يتحدى القهر والظلم، ويتجلّى ذلك في نصوص مثل “دون كيشوت العربي” التي تستعين برموز من التراث والأسطورة لإيصال رسالة احتجاجية قوية ضد الجلاد والظلم، مضيفة للنص بُعدا تاريخيا وحضاريا يُثري الفضاء الشعري.
اللغة في الديوان تجمع بين الحساسية والصرامة، إذ تتنقل بين النداء العاطفي المكثف والصورة الشعرية الغنية، وبين العبارات الصلبة التي تحمل دلالات سياسية واجتماعية، مما يعكس عمق التجربة الشعرية التي تدمج بين المشاعر الخاصة والأزمات العامة.
تتجلّى في بعض النصوص ملامح شعر السرد، حيث تتوالى الحكاية والصور بشكل متسلسل، بينما في نصوص أخرى نجد مشاهد مكثفة تُجسّد لحظات شعورية عميقة، ما يدل على تداخل الأجناس الشعرية داخل الديوان.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الديوان ينتمي إلى جنس القصيدة النثرية الذي يتخطى القوالب التقليدية ليعانق أشكالا متعددة من التعبير الشعري، متسما بالابتكار في الصورة والموضوع واللغة. ويبرز في الديوان تنوع أشكال الشعر، من الغزل العذب، إلى شعر المأساة، وإلى شعر الثورة والتمرد، ثم إلى الشعر التأملي، ما يجعل التجربة الشعرية شاملة ومتعددة الأوجه.
إن هذا الديوان يعكس رؤية شعرية متكاملة تنسج بين الفرد والمجتمع، بين الحب والألم، بين الذاكرة والواقع، ويبرهن على قدرة الشعر في استيعاب معاناة الإنسان وتطلعاته من خلال لغة متجددة وصور شعرية نابضة بالحياة.
اللغة هنا لا تؤثث المعنى، بل تحطمه، تُذيب حدوده لتصنع نسيجا هشّا لا يقبل التفسير بل يعانق التأويل. وهذا هو جوهر النثر الشِّعري حين يبلغ مدى القصيدة: ألا يفسِّر العالم، بل يربك يقيننا فيه.
هل على الشعر أن يُرضي؟ بل عليه أن يُربك، أن يُقلق، أن يترك القارئ في عتبة سؤال دون أجوبة جاهزة، كما فعل رامبو، كما همس درويش، كما ارتجف السيّاب في شتائه الطويل.
ليس النص ابن قواعد، بل ابن لحظة. واللحظة التي كُتب فيها هذا النص، لم تكن تطلب من اللغة إذنا لتكون شعرا، بل كانت تختبر الصدق خارج الشكل. وهذا هو ما يجعل قصيدة النثر، حين تُكتب بإحكام، أعمق من كل تفعيلةٍ ضلت طريقها في الوزن. لأن ما لا يُقال هو الشعر.
تُعدّ مجموعة ” عاشق لبيرتا” نصا شعريا متنوع المقامات، مشحونا بأبعاد رمزية وفلسفية، يحتفي بالحرية ويفضح أوجاع الإنسان العربي في تجلياته العاطفية والسياسية والوجودية.
إن اختيار العنوان “عاشق لبيرتا” – ولبيرتا كلمة ذات أصول لاتينية تعني “الحرية” – ليس اختيارا عشوائيا، بل يؤسس منذ البداية لثيمة محورية تدور حولها النصوص، حيث يتجلّى الحنين إلى الانعتاق من كل قيد: قيد الوطن المكلوم، والهوية المتصدعة، والجسد المقيد بالعجز، والمرأة المقهورة، والذاكرة المثقلة بالألم. فالحرية هنا ليست شعارا فضفاضا، بل هي معاناة تتجسد عبر تفاصيل شعرية لاذعة.
منذ الصفحات الأولى (ص11)، تنبعث نبرة وجدانية متفجرة في قول الشاعر:
“أنا عاشق لبيرُنا، أوسعتُ لكِ القلب أكثر وأحببتُكِ حبًّا بحلاوة السكر…”،
إذ يظهر العشق كأداة لتحرير الذات، لكن سرعان ما تتسلل المفارقة بين الحب والفقد، بين الرجفة والجفاء، لتؤسس لبنية تضادّية ترافق القصائد حتى نهايتها. إن الوطن (لبيرُنا) يُغدو معشوقة متمنعة، والعاشق هنا لا يمارس دورا تقليديا، بل يتصوف في حبه ويفلسف به، كما في قوله:
“وعشقي فلسفة لو أتعلمها من حكيم أو في مدرسة…”، مضفيا على التجربة العاطفية طابعا معرفيا يجعل من القصيدة أداة للتفكر أكثر منها مجرد بوح.
تمتد هذه النزعة التأملية إلى قصيدة “يا سمراء” (ص18) التي تحمل جسد المرأة – في انكساره وتوجسه – صورة استعارة للعالم العربي، فالأنوثة المثقلة بالمآسي تماثل الوطن المغتصب، الحائر بين نعي واغتصاب، والمفتوح دوما على سؤال:
“من أين تبدأ البكاء؟”
هذا السؤال المفتوح على الجرح لا يجد إجابة واضحة، بل يتكرر في النصوص بأشكال مختلفة، وكأن الكتابة نفسها محاولة لتأجيل النهاية أو التملص من عبثية الوجود.
يتجلى البعد المسرحي داخل النصوص في ملامح “دون كيشوت العربي” (ص27)، حيث التناص مع شخصيات مثل “شهرزاد” و”شهريار” يدخلنا عالم الأسطورة والحكاية، غير أن المفارقة تبرز حين “يُخصي الليالي” بدل أن يحافظ على ديمومتها، في إشارة إلى خصاء الرغبة والحلم في المجتمعات المعاصرة. هنا، لا تقدّم القصيدة خطابا سطحيا، بل تجسد قهرا يتوارى خلف أقنعة السخرية والأسطرة، وتعكس انكسار المثقف العربي المُدان في عقر داره.
ديوان “عاشق ليبيرتا” للشاعر محمد السباعي عملٌ شعريّ يتّكئ على لغةٍ مجازية مشبعة بالرؤى الفلسفية والمواقف الوجودية، وتتقاطع الذوات مع الجغرافيا، ويتحول الحرف إلى مرآة عاكسة لعالم مهشم تبحث فيه الذات عن الخلاص. أسلوب الشاعر يتراوح بين الإيقاع الحُلمي والكثافة الرمزية، بما يفتح أبواب التأويل.
“أحببتك حباً بحلاوة السكر… فاسكني ذاتي، أنا لك العشيق، وعشقي فلسفة” (ص. 11)
يستند الشاعر هنا إلى بناء صورةٍ عشقية ذات طابع صوفي، يذوب فيها العاشق في المعشوق حتى يطالبه بالسكنى في ذاته. تعبير “عشقي فلسفة” يؤسس لوعي شعري يربط الحب بالتأمل الوجودي. الكلمة الشعرية تُغدو أداةً للغوص في معاني الذات والآخر.
“يا سمراء… كم تعبرين بين نعي واغتصاب… في عيوننا تحرك الأسئلة الماردة” (ص. 18)
تُصبح السمراء (كناية عن الوطن/الهوية/الأرض) ضحية للتاريخ والسياسة، حيث تتوالى عليها المحن. الأفعال القاسية (“نعي”، “اغتصاب”) تشكل حقل دلالة مأساوي، فيما تأتي “الأسئلة الماردة” لتكسر صمت الخطاب وتفتح باب المقاومة اللفظية.
“عودة دراكولا… لم نقاتل نساءنا… ناموا وما تناولوا الحساء” (ص. 22)
يعتمد الشاعر على تهكمٍ رمزي ساخر يصور فيه بؤس الحياة اليومية. الحساء، رمز الحاجة والحد الأدنى للعيش، يغدو مفقوداً. “عودة دراكولا” تشير إلى عودة الاستبداد أو الخوف. الجملة تقارب واقعا مأزوما سياسيا وإنسانيا من خلال صورة غرائبية.
“أنا العربي فاحكي خرافةً… أجْهضَتْ نخوتي وإضراري” (ص. 27)
في هذا المقطع، يحيل الشاعر إلى سقوط رمزي للفرد العربي، المنكسر بين تاريخ مجيد وواقع مشلول. السخرية من دور شهرزاد وشهريار، وتحوّلهما إلى رموز مُفرغة، يُوازيه تأنيب ذاتي (“أجهضت نخوتي”)، في نزعة أقرب إلى التراجيكوميديا الثقافية.
“ونسيتني أمي… وسألت ألف سؤال وسؤال… وخبرنا الأسمر” (ص. 62)
يتجلى ألم النسيان والغياب في مشهد تتداخل فيه الحواس والذاكرة. الأم تُنسى أو تتناسى، والذات تسقط في دوامة الأسئلة. التعبير عن الفقد عبر ثنائية الأم/الزمن يمنح النص طابعا وجدانيا حادا وشاعريا ناعما في آن واحد.
“فقط قولي شيئًا… أو ارْسمي على وجهي آية… كُنْهَ لعلّى أفهمُ كُنه الغواية” (ص. 53)
هنا يبلغ الخطاب أقصى درجات التوسل الشعري، حيث الكلمة تصبح ضرورة وجودية. الأفعال (“قولي”، “ارسمي”) تُحيل إلى رغبة في فك شفرة الغموض. استخدام “كنه” مرتين يدل على انشغال فلسفي بالجوهر والمعنى وسط حزن مبهم.
“يَرْعى نجوم السماء إذا السحب غابت… كأنه يحرس وطنا” (ص. 60)
يُجسد الشاعر الصبار كرمز للمقاومة الصامتة والصمود، لا يطلب شيئا ولا يشكو، ولكنه يقف ثابتا مثل وطنٍ جريح يحرس ثمراته بشوكه. المجاز هنا عميق، يشبه روح الحكيم المتأمل.
“صرخت في وجه الموت تمهّل! ما بك عاجل؟” (ص. 86)
الموت يُخاطَب كما يُخاطب كائن متعجل، في صورة درامية كثيفة. هذا الحضور الصارخ للرفض يُظهر تمردا على حتمية الرحيل. الشعر هنا يُقاوم النهاية بالكلمة والاحتفال بالحياة.
لغة محمد السباعي في “لبيرتا” ليست مباشرة، بل غنية بالإيحاءات والطبقات الدلالية، تُغلب الرمز على المباشر، وتدعو القارئ إلى مشاركة وجدانية وتأويلية. اختياراته اللغوية تنحو إلى تفكيك القوالب التقليدية، وتقديم تجربة شعرية تتأرجح بين الذاتي والكوني، بين الواقع والرمز، بين العاطفة والفكر.
ديوان “عاشق لبيرتا” للشاعر محمد السباعي ليس مجرّد تجميعٍ لنصوص شعرية، بل هو مخطوطٌ وجدانيّ وفلسفيّ تتنفس عبره الذات وتتمدد في تضاريس المعنى بحثا عن الحرية، تلك التي يستحضرها العنوان نفسه كنداء كونيّ يعكس شوقا للتحرر من القيد، سواء كان قيدا داخليا أو خارجيا.
في هذا العمل، تتحوّل اللغة إلى كائنٍ حي، لا يكتفي بوصف العالم بل يُعيد تركيبه وفق منطق الحلم والتمرد. يستند الشاعر إلى خلفية ثقافية خصبة، تُزاوج بين الإرث الصوفي، والرؤية الوجودية، والاحتجاج الرمزي، حيث يتجلّى الشجن الإنساني في صورٍ مكثفة وحروفٍ تئنّ بما لم يُقل.
إنها تجربة لا تخاطب العقل وحده، بل توقظ الحواس، وتُحرّك أعماقا طالها الصمت، وتستدرج القارئ إلى منطقة رمادية بين الحضور والغياب، بين السرد الشعري والتأمل الفلسفي. من هنا، تبدو “ليبيرتا” مساحةً شعريةً مفتوحة، تحمل وجع الإنسان في زمن مأزوم، وتُضيء عبر المجاز مساراتٍ نحو الفهم والنجاة.
أما البنية الفنية للمجموعة فتُظهر تنوعا في الشكل دون أن تخل بوحدة الموضوع، حيث تتكرر ثيمة الانتظار، الرحيل، الوطن، الحبيبة، والموت، بشكل دائري يُكرّس الإحساس بالتيه. لا تتقيد النصوص بإيقاع عروض أو نظام قافيوي محدد، مما يمنحها مرونة تسمح بتكثيف المعنى وتوليد صور شعرية مبتكرة. وفي الوقت ذاته، لا تتخلى عن التنغيم الداخلي والصدى الصوتي الذي يمنحها طابعا غنائيا شجيا.
النصوص تتنقل بين مشاهد حية وأخرى متخيلة، بين تجسيد مباشر وتلميح إيحائي، كما في “شاهد عيان” (ص53):
“تمضي كسيرًا… العمر يقتات منك…”،
إذ يتماهى الشاعر مع الإنسان المعذَّب الذي لا يملك حتى بكاءه، في عري شعوري لا يحتاج إلى زخرفة، بل يكشف عن عجز الإنسان المعاصر أمام قسوته الذاتية والعالمية.
وتتجلى أقصى درجات الفقد والتفكك في قصيدة “ونسيتني أمي” (ص62)، التي تحيل على اضطراب الهوية وضياع الذاكرة. الأم هنا لم تعد حاضنة، بل نسيت “الحب والدمع وحكايا المساء”. في هذا الانفصال بين الذات والحنان الأمومي، يصرخ النص في وجه الزمن معلنا هشاشة الإنسان حين تخرّ الذاكرة وتسقط الكلمات.
إن “لبيرتا” ليست فقط عنوانا يصرخ باسم الحرية، بل هي كُنه وجودي لحالة من الانعتاق المؤجل، والخلاص المستحيل، والحب المنكسر، والصراخ المجهض. ولعلّ أبرز ما يميز هذه التجربة الشعرية هو قدرتها على التقاط الهشاشة البشرية بعمق فلسفي، دون الوقوع في فخ الرثاء المجاني أو العويل الخطابي. إنها كتابة تبحث عن معنى في خضم العبث، تطارد الحب في زمن الخراب، وترى في الحرف خلاصا ولو كان مدميا.
في ختام ديوان “عاشق لبيرتا”، يغادرنا الشاعر محمد السباعي كما دخل: ممتطيا صهوة المجاز، ومحمّلا بجراح الذات والإنسان. لم تكن قصائده مجرّد تأملات عابرة، بل كانت رحلة مقاومة داخل اللغة، بحثا عن الخلاص في زمنٍ يضيق فيه الأفق وتغيب فيه المعاني.
“لبيرتا” ليست فقط صرخة ضد القيد، بل هي تجسيد شعريّ لفعل التحرر الداخلي، من الخوف، من الصمت، من الاستسلام. قصائد الديوان تُقاوم بموسيقاها، تُشاكس بمعانيها، وتُضيء بتوهجاتها تلك المناطق المعتمة التي تُسكننا.
الشاعر لا يمنح إجابات نهائية، بل يفتح أبواب الأسئلة، ويدعو القارئ إلى أن يكون شريكا في التجربة، لا مجرد متلقٍ. وبين ما كُتب وما لم يُكتب، يبقى صدى الحروف في “لبيرتا” قائما كأثرٍ إنسانيّ حارّ، يعبر الذاكرة ويستقرّ في وجدان من يبحثون عن الحرية بالشعر، وعن النجاة بالكلمة.
يشكّل ديوان “عاشق لبيرتا” للشاعر محمد السباعي تجربة شعرية غنية بالأبعاد الإنسانية والرمزية، حيث تتداخل فيها هموم الذات بهموم الجماعة، ويغدو الشعر فضاء للتأمل والتمرد والبوح. تظهر القصائد كأصوات متداخلة تارة، ومتنافرة تارة أخرى، بما يعبّر عن حالة وجودية معقدة تسكنها الأسئلة أكثر مما تملك من الإجابات.
يتجلى الأفق الشعري للديوان في تعددية مستوياته: لغويّا، من خلال مزاوجة المجاز بالتكثيف؛ دلاليّا، عبر انفتاح النصوص على التأويل؛ وجماليّا، عبر تماهي الحسي بالفكري، والسردي بالرمزي. لا يطرح النصّ الشعري خطابا نهائيّا، بل يسائل العالم ويُربك القارئ، مؤسِّسا لفعل شعري يُلامس جوهر الإنسان وتوقه الأزلي إلى الحرية والانعتاق.
يحضر مفهوم الحرية في الديوان كجوهر لا كشعار، فتغدو “لبيرتا” كيانا مركّبا، تارة امرأة، وتارة وطنا، وتارة ذاتا تتفكك وتُعاد صياغتها داخل جراح اللغة وألم الوجود. تختزن النصوص شحنات وجدانية عالية، وتنهل من حقول معرفية وفلسفية، تجعل من كل قصيدة وحدة قائمة بذاتها، وفي الآن ذاته، جزءا من نسيج متكامل.
تُسطّر تجربة السباعي خطّا شعريّا يتقاطع مع التراث وينفتح على الحداثة، دون أن يفقد خصوصيته. فالديوان لا يبحث عن ترف لغوي أو إيقاع زائف، بل يراهن على الصدق التعبيري والعمق الدلالي. القصيدة عنده ليست زينة لفظية، بل موقف من العالم، وعين تراه بمشقّاته وأحلامه.
هكذا يتجاوز ديوان “لبيرتا” حدود القصيدة النثرية التقليدية ليؤسس أفقا شعريا يُصغي للذات وهي تتكسّر، ويُنصت للعالم وهو يتهاوى، ويصوغ من ذلك كله جمالية مقاومة، تجعل من الكلمة أداة بوح، وسلاح مساءلة، وجسر عبور نحو ما لا يُقال.
—-
* المرجع
– عنوان الكتاب: عاشق لِبيرتا (libertad) – شعر
– الشاعر: محمد أسباعي
لوحة الغلاف: الفنان التشكيلي عبد الحفيظ المديوني
– تصميم الغلاف: الأديب القاص محمد العتروس
– الطبع: سيلكي أخوين – طنجة
– السنة: 2025
– بلد الطبع: المملكة المغربية




