
التشكيلية السودانيّة رندا يس.. إبداع وعالمية لا يشق لها غبار

لقاء حافل بالتوجس والريبة:
وصلتني رسالة ذات صباح باكر وأنا أنهض متثاقلًا من آلام الرأس وصداع كاد يشق رأسي تحمل في طياتها رجاء أن أتواصل مع تشكيلية سودانية لها كتاب من القصص القصيرة تود نشره. لم يحدثني صديق لي عنها من قبل. فقط اكتفى بأن يصلنا مع بعض فله الفضل في ذلك في تعريفي بها. والله يا سادتي كل يوم أكتشف أن بلادي تكتظ بالمواهب الجبّارة، القامات السامقة والحرفيات الفائقة. على كل وفي حالتي تلك وبصداعي تواصلت معها فلم تجب في الفور واعتذرت بسبب ضيوف امتلأ بهم منزلها في الخرطوم. وعادت تحدثني بعض بضع أيّام عجاف قائلة أود نشر كتاب لي وأن تعلم ظروف الحياة في السودان والتزامات المعيشة. فقلت لها حسنًا. سوف أرى ما يمكن فعله فارسلي لي من فضلك بعض النماذج لكي أرى نوعية العمل. فإذا بها ترسل لي تحفًا فريدة من عيار ثقيل. أندهش وصمت ولم أنبس. قلت في نفسي: ما هذا الجمال … ما هذا الإبداع وما هذا الألق. حقيقة شيء فاق تصوري. حسبتها في الأول، وبكل صدق، هاوية تريد أن تنشر كتبها دون أن تعلم أبجديات الصنعة. بيد أنني اكتشفت أنني أمام تشكيلية تخمرت في دخيلتها محبة هذه الصنعة، نعم تشكيلية بجدارة، ريشة فريدة، لون متميز، أشكال فريدة، وأفكار جهنميّة، بالمعنى الإيجابي للمفردة المعجميّة. رجعنا أدراجنا نتحدث عن طريقة نشر الكتاب والتكفل بالتكاليف. قلت لها أنا أعمل لوحدي، وليس لي الإمكانيات المالية لكي أنشر لكل فرد دون التكفل بما يساعد في طباعة، تصميم وتحرير المخطوطة وعقبت على ذلك بأن الحياة أخذ وعطاء، وطلبت منها أن تعطي الدار عمل يمكن كمقابل رمزي وصك ثقة لشراكة مستقبلية. ترددت، تلعثمت ولم تجب. ثمّ معقبة كيف يمكن أن أفعل ذلك وأنا لا أعرفكم. قلت لها حسناً ماذا تريدين. سوف أهبكم صفحة كاملة في صحيفة المدائن بوست تحت نافذة تشكيليّ دون أن تكلفكم هذه المادة فلسًا واحدًا، واعتبريها عربون صداقة بيننا. فرحت وتفتحت أسارير وجهها وقد أحسست ذلك من على البعد وعبر الأثير. طلبت منها أن تعطي العمل لصديق لي يتواجد بالخرطوم هو البروف عبد الله التوم وأنها سوف يحضره إليّ عند زيارته لي المرّة القادمة. ترددت مرّة ثانية واعتذرت لكنها باغتتني بعد بضع أيام بمكالمة تلفونية وأنا في مدينة إسطنبول العريقة. قائلة لوالدتي جار فقيه وعالم دين فذ، كانت معه وحدثته بالصدفة عنّي وعما دار بيننا. وكانت دهشة أمّها ودهشها هي أيضًا أن وجدت هذا الفقيه من أقربائي، الشيخ هاشم السنهوري، الذي أكنّ له كل محبة، ووالدتي عمّه في الحسبة. أثنى عليَّ وعلى والدتي وبارك الله فيه في إطرائه بالثناء على أعمالي ودأبي المتواضع. فانبلجت العقدة وانفكت وهانذا أكتب عنها في هذه السانحة.
رندا يس التشكيلية العالميّة:
لم تتخصص هذه السيدة في دراسة الفنون الجميلة إلا أنها ظلت منذ أن ابصرت عيناها الدنيا الجميلة حولها بالأعمال الفنية كلما سنحت لها الفرصة أن تحضر وتشاهد الأعمال الكثيرة والمواهب المتعددة لا سيما في أسابيع التخرج بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية. يا سبحان الله: “يؤتي الفنّ لمن يشاء وينزع الفنّ ممن يشاء”. فهي السليقة والموهبة الربانية التي مهدت لها السبل وليّنت لها الأزقة المتشعبة في ديور الفنّ لكي تصل إلى ما وصلت إليه من مرتبة، حقيقة، سامقة في رحاب الفنّ وبين محترفيّ الصنعة والعمل. إضافة لذلك تيسر لها معايشة مباشرة وسط أسرتها الممتدة من التشكيليين والرسامين مثل شقيقها الرسام الراحل المقيم أبو الحسن مدني والتشكيلي المصمم الفني علي عبد الله محمد على، خال أولادها، عليه رحمة الله على سبيل المثال لا الحصر.




