
محمد بدوي مصطفى
عدت إلى أهلي، يا سادتي، بعد غيبة طويلة،
غربةٌ امتدت لثلاثة وعشرين عاماً، تنقّلتُ خلالها بين مرافئ العلم، من بلاد الجن والملائكة، إلى مراسي الشاعر المسلم “جوته“…
وتلك، كما قال الطيّب صالح، قصةٌ أخرى.
هكذا كانت عودتي، بعد أن نحتت الغربةُ خطوطها على ملامحي،
وطوّعتني سنينها، فأخذت مني ما أخذت، وأعطتني ما أعطت…
عدتُ محملاً بحقائب الذكريات، وبقايا لهجةٍ قد شابها الغبار الأوروبي،
ولكن القلب… القلب ظلّ سودانياً، نقيّاً، كما خرج من “أم در” أول مرة.
جئت باريس يوم 14 نوفمبر 1984م،
طفلٌ شابٌ يافع، خرج من تراب أمدرمان مغبّراً بعفرتها، منتوف الشعر بهبوبها،
لا يعلم عن الغرب سوى ما قرأه، وما سمعه، وما رسمه خياله الطفولي
من صورٍ لمبانٍ تشبه الكواكب، وبشرٍ يتحدثون بلغة الطير في “الباقير“.
الطائرة السويسرية القادمة من زيورخ كانت سفينة نوح بالنسبة لي،
تقلّني نحو أول لقاء مع “أولاد الريف“،
أول لقاء مع “الخواجات” الذين كنا نظن أنّ أحدهم لو أطلق صفيراً،
فسيحلق فوقنا كما في أفلام الكرتون!
وحين لامست عجلات الطائرة أرض مطار شارل ديغول،
بدا لي الرخام تحت قدميّ أملساً حدّ الخوف…
كأنما أنا موسى دخل طور سيناء، لا يدري أيلبس نعليه أم يخلعهما هيبةً من هذا المكان الغريب.
شعرت وكأنّ جيوش نمل سليمان قد ارتفعت من تحت أرض المطار،
وقررت أن تعبر جسدي كأنه أرض معركة!
لم يكن بي من الشجاعة ما يكفي لأستوعب الموقف،
ولم يكن بي من الجهل ما يجعلني أتجاهله…
فبقيتُ معلقاً في الفراغ.
تساقطت الأسئلة فوق رأسي كحبات المطر:
- كيف أستبدل نقودي؟
- كيف أركب القطار إلى ليون؟
- من يدلّني على مخرج لا يشبه دهاليز النمل هذه؟
- أين الشانزليزيه؟
- أين مونبرناس؟
- أين مقاهي الحي اللاتيني التي كنت أراها بين صفحات كتب معهد اللغة الفرنسية بالخرطوم؟
- أين الحلم الذي لبس بدلته وربطة عنقه الفرنسية ووقف ينتظرني في محطة المترو؟
كل شيءٍ تلاشى، لحظة أن رأيت أول سودانيَين يمران أمامي.
إشراقة بشرتهما السمراء أضاءت مرمر المطار البارد،
فبدا لي المكان وقد استعاد شيئاً من الدفء.
سألت نفسي:
- أهم من السودان؟
- أيعرفان ” ناس بيتنا “؟
- أتراهما يقولان لي:
“إنت ولد فلان؟ بالله؟ مش معقول!” - ثم يبدآن في تلاوة أسماء الأهل،
كما يفعل الكرام في بلادنا، حين يبحثون عن وشائج القربى بين كل غرباء الدروب؟
اقتربتُ منهما بخطى خجولة،
يداي متعرّقتان، أرتجف بين الدهشة والرهبة،
وسألت بصوتٍ يشبه نحيب المطر حين يطرق نافذةً خريفية:
“إنتو… سودانيين؟“
والبقيّة تأتي… تابعوا معنا الحلقات … (جزيل الشكر لحسن القراءة ووقتكم الثريّ)






اتمني التواصل
هل حليم … بكل سرور يا حبيب!
بداية موفقة استمر ايها الكاتب الجميل