كلما استعدتُ في ذاكرتي المجزرة التي نجا منها والدي بأعجوبة، تَطفو إلى السطح مجزرة أخرى — كانت أول مأساة في حياتي أعيها جيدًا. لا تزال صرخات أمٍّ مفجوعة من حيّنا القديم، فقدت ابنها الوحيد وسط حمّام دم، محفورة في وجداني. كان ابنها، عبود، قد اختفى دون أثر، وتحولّت حياتها إلى بحث لا نهاية له. كانت تجوب الشوارع ليلًا ونهارًا، تسأل كل من تقابله:
“ما شفت عبود؟ ما شفت عبود؟”
تلاشى وجهها مع الزمن، لكنني لا أنسى أبدًا تلك التجاعيد التي حفرتها الأحزان، ولا صوتها المبحوح، ولا يديها المرتجفتين، الممدودتين بتوسُّل مستميت تطلب إجابة.
ساقاها، المغطّيتان بالغبار من طول التجوال في الأزقة غير المعبدة، بدتا وكأنهما تجرّان جسدها نحو أمل تسرّب من بين يديها منذ زمن بعيد.
لكن مأساتها لم تكن بلا خلفية.
في مارس 1970، وبعد حوالي عشرة أشهر من انقلابه، قرر الرئيس جعفر نميري زيارة جزيرة أبا، معقل الإمام الهادي المهدي، حفيد الإمام المهدي. غير أن الإمام رفض استقباله. فردّ نميري، على ما يُقال، بالتنسيق مع القذافي في ليبيا وعبد الناصر في مصر، بشنّ غزو على الجزيرة. أسفرت المجزرة عن مئات القتلى والجرحى.
وبعدها بيومين فقط، تجمّع أنصار الإمام في حي ود نوباوي بأم درمان بعد صلاة الفجر للاحتجاج. ما حدث بعد ذلك لا يزال موضع جدل. يقول البعض إن عدد المتظاهرين في البداية تراوح بين 350 و450 شخصًا، لكن، كحُجّاج في نسخة معاصرة من حكايات كانتربري، تزايد عددهم وهم في طريقهم من أم درمان إلى الخرطوم حتى بلغ قرابة 2000.
اعترضتهم الشرطة وأجبرتهم على العودة إلى أم درمان، حيث كانت قوات من سلاح المهندسين والمدرعات في انتظارهم. أسفر الاشتباك الذي تلا ذلك عن مئات القتلى، أغلبهم من المتظاهرين، إضافة إلى 18 شخصًا من المارة الأبرياء سقطوا ضحية النار الطائشة.
وكان عبود، الذي لم يكن يتجاوز الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمره، يُعتقد أنه من بين أولئك الذين لقوا حتفهم.
أمّه المسكينة ظلّت تنتظر عودته حتى يوم وفاتها، وقلبها مكسور، منهَك بالحزن.
(مقتطف من مذكّرات Exodus from Sudan ) النور فضل النور
ترجمة محمد بدوي مصطفى




