الأستاذة سعاد ازعيتراوي
الكاتبة والإعلامية مريم أبوري
العنوان ودلالاته الرمزية:
يعتبر عنوان “بقايا وشم” مفتاحا لفهم الطابع الرمزي للمجموعة القصصية. فالوشم في الثقافات المختلفة يُعد علامة دائمة على الجسد، تعبيرا عن هوية أو تجربة أو تأثيرٍ عميق، إنه أشبه بتثبيت شريط الزمن بغية الخلود وضد الفناء بتعبير عبد الكبير الخطيبي، وعليه، فإن “بقايا وشم” تشير إلى بقايا ذكريات، أثر الماضي أو أوجاع لا يمكن محوها بسهولة وحتى مسرات تظل حاضرة بقوة في الذاكرة الفردية أو الجماعية. إن الوشم، باعتباره علامة دائمة على الجسد، قد يحمل معاني الوجود والموت معًا. وعليه، يمكن أن يُقرأ العنوان كإشارة إلى أن الذاكرة والهوية تتشكل بفعل هذه البقايا التي لا تمّحى، حتى وإن حاولت الذات الهروب منها أو التغلب عليها.
اشتملت المجموعة على سرود تلتقط التفاصيل واليومي، لكنها تتسامى به في قضايا هي جوهر ما تطرحه حول الذات، الزمن، العالم، التاريخ.. لأنها تنفتح على الجوهري وهي تتأمل العابر، من أحاسيس ورؤى، من تلك الوشوم التي تؤبد اللحظة وتوقف شريط الزمن، لإعادة مساءلة الوجود وقضايا الملغزة.
الحكايات الذاتية ومفاهيم الذاكرة والوجود
تتناول مريم أبوري في “بقايا وشم” مواضيع الذاكرة، التذكر، الوجود والهوية، من خلال محكيات تُجسد صراع الذات بين رغبتها في التحرر من آثار الماضي وتلك التي تدعوها إلى الاحتفاظ بذكرياتها كجزء من تكوينها الوجودي. في هذا السياق، تنفتح المحكيات على تأملات حول الوجود الإنساني في ظل مفهوم الزمن، فهل يمكن للإنسان أن يعيد بناء ذاته بعيدًا عن ماضيه؟ أم أن الماضي هو جزء لا يتجزأ من هويته؟
تُظهر الكاتبة أن الإنسان لا يستطيع تجاوز بقايا تجاربه السابقة، بل إنه يعيش في حالة صراع دائم بين محاولة التجديد والتمسك بجذور الماضي. مما يُظهر أن الذات تتأرجح بين الاحتفاظ بالذاكرة ومحاولة الانفصال عنها، ليظهر الصراع الوجودي الكامن في قلب كل إنسان.
يمكننا أن نرى بوضوح التأثير النفسي العميق الذي تخلفه الأوجاع والآلام، سواء كانت نفسية أو جسدية على السلوك كما على الحكي. يُقدم الجسد في “بقايا وشم”، ليس فقط كمساحة مادية ولكنه يحمل أيضًا ذاكرة نفسية مليئة بالصور والعواطف المدفونة في أعماق الذات. تتبع الكاتبة في محكياتها تأثيرات الذاكرة اللاواعية على الجسد، حيث يتفاعل هذا الأخير مع التوترات والضغوطات التي تمسك بها الذات من خلال العلاقات الاجتماعية والثقافية.
إن الجروح العميقة التي تنشأ من هذا التفاعل بين الذات والمجتمع تصبح سجلات حية للألم المكبوت، وهو ما يظهر عبر صورة الوشم المادي الذي يحفر في الجسد ويظل يتردد في اللاوعي حتى بعد مرور الزمن. تظهر الكاتبة في محكياتها الحاجة المستمرة لتجسيد هذا الألم داخل الذات حتى يصبح جزءًا من الهوية، وهو ما يعكس بشكل واضح نظرية فرويد عن كيفية تأثير الخبرات على بناء الهوية النفسية.
الأسلوب السردي وتأثيره
تعتمد مريم أبوري أسلوبا سرديا يتسم بشاعريّة اليومي والتكثيف الجلي للعابر، فالجمل لا تأتي فقط للتعبير عن أحداث أو وقائع، بل هي وسيلة للغوص في أعماق النفس الإنسانية، لاستخلاص تأملاتٍ وتعبيراتٍ شعوريةٍ حول الوجود، الزمن، والهوية. وقد نجح مقدم العمل وإن لم يكشف لنا عن نفسه في ظهر غلاف “بقايا وشم”، إذ قد تكون الكاتبة نفسها وقد يكون الناشر من خط هذا التقديم المكثف والذي قبض بقوة على خيط محكيات مريم أبوري، ومما جاء فيه: (“بقايا وشم” عبارة عن محكيات من قلب الواقع تلتقطها عين السارد بدقة لا تضاهى، تبدو اللغة شفيفة قريبة من جسد هذا الكل الاجتماعي الذي ترصده وتنتقده في ذات الآن وهي تقول الأشياء وترسم الوقائع بالسرد انفلاتا من الموت، من القهر، من التخلف، من بلادة الروتين، بالحكاية تفتدي الكاتبة مريم أبوري نفسها لتعيش بشكل مختلف، بلغة الحكي الذي اختارتها تعيد للأشياء ملامح حضور أبهى لبقايا وشم..
أمام الانهيارات الكبرى، والقضايا المختلفة التي حاولت هذه المحكيات رصدها، يتم إنقاذ اللغة من السقوط، لغة تحاكي قول الشيء دون أن تتورط في هشاشة واقعيته المادية، لغة محملة بانفعالات عميقة، ترصد بعين ناقدة مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية والإشكالات الحضارية الكبرى، بين الهنا والهناك، بين الماضي والحاضر، لتعبر عن المعيش وتتجاوزه، إذ الرؤية الإصلاحية كامنة في عين الراوي وزاوية نظره لمختلف ما يحمل به لغة سرده في هذه المحكيات التي يمكن لك أن تقرأها من أينما اخترت، ذلك أن الخيط الناظم لما يحكيه السارد أشبه بمتاهة كل حكاية منها تؤدي إلى أخرى، ونجد أنفسنا في الأخير نبحث عن المزيد كي لا يتوقف السرد”.
لا تقتصر لغة السرود المجمعة في دفتي “بقايا وشم” على تقديم المعنى الحرفي للأشياء، بل تسعى إلى تسليط الضوء على ما وراء الكلمات، مما يدفع القارئ إلى التأمل في الرموز الخفية والمعاني العميقة التي قد لا تُقال صراحةً. بذلك، يُمكن القول إن أسلوب مريم أبوري يشبه في تعبيره دعوة القارئ إلى الارتقاء نحو المعنى الكامن بين السطور، لتُحفّزه على التفكير في القيم الإنسانية الكبرى مثل الحرية، الموت، الذاكرة والهوية.
الهوية والتغيير في سياق “بقايا وشم“
تستعرض الكاتبة الصراع الداخلي الذي يخوضه الأفراد في سبيل فهم ذواتهم بين الأصوات الداخلية والضغوطات الخارجية. يتمحور جزء من هذا الصراع حول مفهوم “الآخر”، الذي يراقب ويفرض تصورات ثقافية معينة قد تلتصق بالهوية الذاتية. تكشف محكيات مريم أبوري عن تساؤلات متكررة حول ماذا يعني أن تكون “أنت”، وكيف تصنع الهوية في سياق متناقض بين ما تريده الذات وما يفرضه المجتمع. هذا التوتر هو الذي يخلق محكيات ثرية بمشاعر الغربة والبحث المستمر عن معنى ووجود
الهوية في “بقايا وشم” هي مفهوم متحول، ففي العديد من المحكيات، نجد أن الشخصيات تسعى لاكتشاف الذات عبر الصراع مع الماضي أو الهروب منه، بينما هي في الوقت ذاته تحمل بقايا أثر هذا الماضي. وعليه، نجد في محكيات مريم أبوري تأكيدًا على أن الهوية لا يمكن أن تكون ثابتة، بل هي في حالة تشكل دائم، يتأثر بالماضي والحاضر والمستقبل على حد سواء.
هناك تداخل بين الأجيال في الحكايات، حيث يتساءل الشخص البالغ عن دوره في المجتمع، وعن كيف يُمكنه استعادة شعوره بالحرية وسط صخب الحياة، في الوقت الذي تنفتح فيه الذاكرة على جوانب الماضي، ويظل الشعور بالندم والذكريات غير المكتملة يأخذ شكل البقايا التي لا تذهب تماما مثل وشم، وإنما تظل مؤثرة في الشخصية، بما يعني تأكيد الكاتبة على أن الهوية هي في المقام الأول عملية تأملية وتاريخية، فهي ليست ثابتة ولا تُبنى في لحظة واحدة بقدر ما هي سلسلة من التغيرات والتحديات.
تُبنى محكيات “بقايا وشم” على هذا التوتر المستمر بين الأنا والآخر، حيث تضعنا الكاتبة في مواجهة مع القوى الثقافية والاجتماعية التي تتوغل في حياتنا، تراقب أفعالنا وتوجهنا صوب قوالب محددة. فالوضعية التي يواجهها الراوي في النصوص هي وضعية حتمية بين رغبات الذات الخاصة وبين هجوم آخر يُقيد ويحدد تلك الرغبات.
نرى، عبر هذه المحكيات، كيف أن العلامات الثقافية تفرض نفسها على الذات، وتصير بمثابة مؤثرات تلقي بظلالها على اختيارات الفرد وتصرفاته. يتركز الصراع على تشكيل الهوية الذاتية أمام ناظري الآخر، ويظهر بشكل معقد من خلال الرمزية المكثفة التي ترتبط بذاكرة الجسد والوشم.
الندم والشعور بالذنب هما ردود فعل نفسية تُحرك الشخصيات الداخلية، مما يعكس الصراع الدائم بين الرغبة في التحرر وبين ما يعوق هذه الرغبة. تتجسد هذه المشاعر في رمزية الجروح التي لا تلتئم، وفي الوشم الذي لا يمحى، في إشارة إلى أننا نعيش دائمًا مع عواقب الماضي، سواء كنا نعيها أم لا.
الحياة والموت في “بقايا وشم“
بفعل الموضوعات الوجودية التي تعالجها الكاتبة، نجد أن هناك حوارًا دائمًا بين الحياة والموت في “بقايا وشم”. تتجسد الحياة والموت في محكيات مريم أبوري، كطرفين متوازيين حيث يظهر الموت ليس كتدمير نهائي بل كجزء من الوجود المستمر. هذا ينعكس في الوشم، الذي هو علامة خالدة على الجسد، تُجسد فكرة أن الإنسان لا يُمحي تمامًا من الوجود بل تبقى آثار حياته حاضرة في المكان والزمان، في الذاكرة والواقع.
الموت هنا ليس نهاية، بل تحول إلى شيء آخر. وبهذا، تقترح مريم أبوري رؤيا عن الحياة والموت في سياق متداخل، حيث لا يُمكن فصل التجربة الحية عن التجربة الوجودية التي تُمزج بين النهايات والبدايات، بين الموت والولادة الجديدة. لأن الموت لا يقف عند النهاية الفيزيقية ومغادرة الروح جسد الكائنات، بل عند فقدان الأفراد والجماعات ما يحفزهم على الاستمرار في الحياة، كان الأمر مرتبطا بقيم أو بعلاقات اجتماعية، أو بتفكك عائلي أو بتبدلات مفهوم الوطن وغربة الشتات في مهاجر العالم.
بنية العلامات والرموز في “بقايا وشم“
يمكن فهم البنية الدلالية التي يعتمد عليها النص من خلال دراسة الرموز السيميائية التي تلعب دورًا حيويًا في بناء المعنى. في هذا السياق، الوشم هو عنصر سيميائي مهم في النص، حيث يُمكن قراءته ليس فقط كرمز للجسد بل كرمز للذاكرة والألم، تصبح الذكريات نفسها مثل الوشم على الذاكرة الشخصية، تصعب إزالتها رغم مرور الزمن. ومن هنا يمكن فهم أن الكاتبة تعني أن الماضي، سواء كان ألما أو لحظة سعادة، يظل عالقًا في النفس مثل الوشم الذي لا يُمحى بسهولة.
وفي هذا السياق، يُعد الزمن أحد الرموز السيميائية المهمة في الرواية، حيث يتداخل مع الهوية والذاكرة في عملية بناء المعنى، يتداخل بين الحاضر والماضي ليصبح محورًا فكريًا حوله تدور جل المحكايات.
في محكيات مريم أبوري، يكون الجسد رمزًا للمقاومة ضد الألم. تحوّل الجروح والوشم إلى علامات دائمة لذكريات وعواطف، ليس فقط من خلال رؤية الجسد كوعاء للألم، ولكن أيضًا كوعاء للذكريات التي تتراكب بمرور الزمن. في هذا السياق، يصبح الجرح، الذي لا يمحى، بمثابة “الوشم” الذي يحدد هوية الفرد، ويمثل تحديًا للزمن والمجتمع الذي يحاول محو هذه العلامات.
تعتبر أبوري الجسد بمثابة ساحة صراع تتلاقى فيها الهويات الشخصية مع التأثيرات الثقافية والاجتماعية، حيث يصبح الندب على الجسد بمثابة ممارسة تفاعلية بين الذات والآخر. في كل “وشم”، يمكننا اكتشاف علاقة ذاتية مع الماضي والحاضر، هذا الجسد ليس مجرد جسد مادي ولكنه مجال للبحث عن معنى كامن وراء هذه الرموز التي تصبح ملامح الحياة اليومية.
تعكس محكيات “بقايا وشم” الصادرة عن منشورات النورس التي يديرها المبدع عبد العزيز كوكاس، ألم الإنسان وتصور الصراع بين الذاكرة والوجود في عالم مليء بالتناقضات. من خلال أسلوبها الرمزي واللعب السيميائي، تطرح مريم أبوري أسئلة وجودية عميقة تتعلق بالهوية، والموت، والحياة، والتغيير. ليس النص مجرد سرد لحكايات، بل هو ألم متحرك يكشف الوجع الوجودي والتحدي الدائم بين الإنسان وواقعه، بين تطلعاته وتاريخه. تتقاطع في محكيات “بقايا وشم” للكاتبة مريم أبوري، العوالم السيميائية والنفسية لتكشف عن صراع الذات داخل سياقات ثقافية واجتماعية معقدة. عبر الرمزية التي تُستخدم لتمثيل الجسد كوعاء للألم والذاكرة، تتقدم الكاتبة برسالة تتعلق بكيفية بناء الهوية في ظل التوتر بين الذات والآخر، وكيف تؤثر التجارب النفسية على تكوين تلك الهوية.




