آراءسياسة

السودان.. طفولةٌ معلّقة على فوهة البندقية

د. مبارك مامان

الحرب ليست مجرد نزاع مسلح ينتهي بتوقيع اتفاق سلام، بل هي كارثة اجتماعية وثقافية واقتصادية تُلقي بظلالها الثقيلة على الأفراد والمجتمعات لعقود طويلة. في السودان، لم تكن الحرب الأخيرة مجرد صراع على السلطة، بل كانت آلة هدم ممنهجة طالت كل شيء، وعلى رأسه الجيل الجديد من الأطفال والشباب، الذين كان يُفترض أن يكونوا بناة المستقبل.
الأرقام ترسم صورة قاتمة لمصير الجيل القادم.حيث يواجه السودان اليوم أكبر أزمة تشريد للأطفال في العالم، مع نزوح ما يقدر بـ 5 مليون طفل منذ بدء النزاع في أبريل 2023، منهم نحو مليون عبر الحدود .
حالات الأطفال المتأثرين بالحرب حسب بيانات يونيسف، ارتفع عدد الأطفال الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية من 7.8 مليون بداية 2023 إلى أكثر من 15 مليون في أبريل 2025

الجوع وسوء التغذية
• يواجه حوالي 770,000 طفل تحت سن الخامسة خطر سوء التغذية الحاد جدًا هذا العام، حيث يعاني ١ من كل ٣ أطفال في السودان من سوء التغذية.
• في دارفور وحدها، ازداد عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد بنسبة 46٪ بين يناير ومايو 2025 مقارنة بنفس الفترة عام 2024. في شمال دارفور، تم إدخال أكثر من 40,000 طفل لتلقي العلاج خلال أول خمسة أشهر من العام .
انتهاكات جسيمة ضد الأطفال
• شهد النزاع تصاعدًا مذهلاً في الانتهاكات الجسيمة، منها القتل والتشويه واختطاف الأطفال والهجمات على المدارس والمستشفيات. تم التحقق من زيادة 1000٪ في الانتهاكات الجسيمة خلال عامين .

التعليم في مهب الريح
يعاني التعليم أيضًا بشكل بالغ؛ حسب تقارير اليونسيف يوجد أكثر من 17 مليون طفل في سن الدراسة خارج المدارس بسبب الصراع
• وفي تقرير آخر من يونيسف، يقول إن 19 مليون طفل لم يرتادوا المدارس لأشهر .

من أبرز ملامح ضياع الجيل الحالي هو الانهيار الشامل في قطاع التعليم. آلاف المدارس أُغلقت، ومئات الآلاف من الطلاب حُرموا من مقاعد الدراسة، إما بسبب النزوح، أو بسبب تدمير البنية التحتية، أو لانشغال الأسر بتأمين ضروريات الحياة. طفلة في العاشرة من عمرها، كانت تحلم بأن تصبح طبيبة، تجد نفسها اليوم في مخيم للنازحين بلا مدرسة، بلا كتب، وربما بلا مستقبل.

الطفولة المسروقة

الحرب سرقت براءة الأطفال، حوّلتهم إلى لاجئين، نازحين، بائعين متجولين، أو حتى مقاتلين في بعض الحالات. اضطر كثير من الأطفال للعمل في ظروف قاسية لإعالة أسرهم، ما تسبب في فقدانهم لفرصة التعليم والنمو السليم. إنهم لا يعيشون طفولتهم، بل يشيخون وهم في عمر الزهور.

الشباب بين الإحباط والهجرة

الشباب السوداني، الذين كانوا وقود الثورة والأمل في التغيير، أُصيبوا بالإحباط واليأس. انقطعت سبل العيش، غابت فرص العمل، وتلاشت أحلام المستقبل. تصدر السودان قائمة اعلي ستة دول من حيث معدل البطالة 62% حسب تقرير البنك الدولي .الكثير منهم لجأ إلى الهجرة غير النظامية، معرضًا حياته للخطر في البحار والغابات، بحثًا عن حياة كريمة فقدوها في وطنهم.

آثار نفسية مدمرة

لا يمكن إغفال الأثر النفسي العميق الذي خلّفته الحرب على هذا الجيل. الصدمات النفسية، القلق، الاكتئاب، وفقدان الإحساس بالأمان، كلها مشاعر أصبحت مألوفة لدى الأطفال والشباب السودانيين. ومما يزيد الأمر سوءًا، هو غياب الدعم النفسي المنظم والمؤسسات القادرة على احتواء هذه الأزمات.

ما العمل؟

إنقاذ هذا الجيل من الضياع يتطلب جهدًا وطنيًا ودوليًا منظمًا، يبدأ بوقف الحرب بشكل جذري، ويمر بإعادة بناء المؤسسات التعليمية والصحية، وصولاً إلى برامج إعادة تأهيل نفسي واجتماعي للمتضررين. يجب إشراك الشباب أنفسهم في هذه الجهود، ليكونوا شركاء لا ضحايا فقط.

خاتمة
الحرب في السودان لم تترك فقط ركاماً من المباني، بل تركت ركامًا من الأحلام والطموحات والأرواح الشابة. ضياع جيل كامل ليس مجرد خسارة فردية، بل خسارة وطنية ستؤثر على مستقبل السودان لعقود قادمة. لذا، فإن مسؤولية إعادة بناء هذا الجيل تقع على عاتق الجميع، قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق