آراءصحة ورشاقةمجتمع

بين الركام والدموع: كيف ننقذ أرواح الأطفال من الحرب النفسية؟

د. مبارك مامان

  • globalr2p.org/publicatio...

تناولنا في المقال السابق كيف يواجه أطفال السودان التشرد والنزوح والآثار النفسية الكارثية والتي توثر علي مستقبل جيل كامل ان لم يتم تداركها مبكراً. كما يمكن أن تسهم في السلام المجتمعي عند دمجها ضمن الاستجابة الشاملة للأزمة.
ان التدخل المبكر والمستدام في مجال الدعم النفسي للأطفال في السودان ليس رفاهية، بل ضرورة لإنقاذ جيل كامل من تداعيات الحرب. من خلال الدمج بين التعليم، الأسرة، المجتمع، والخدمات الصحية يمكن بناء منظومة دعم قوية تساعد الأطفال على التعافي، وتضع أساسًا لمستقبل أكثر سلامًا واستقراراً.
زاد الصراع الحالي من ضعف النظام الصحي النفسي الذي كان هشًا أصلًا، إذ كان هناك أقل من 1 عامل نفسي لكل 100 ألف شخص، مع وجود مستشفى نفسيين فقط في بعض الولايات .

الدعم وقلة الاستجابة
أظهرت بعض التقارير والدراسات التي اجريت في ولايات مثل نهر النيل ارقام مخيفة وصورة قاتمة لما يواجهه الاطفال في أتون هذه الحرب. وجد ان نسبة الأطفال الذين يعانون اضطرابات نفسية عالية بشكل مقلق: 38% يُعانون من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، 36% من الاكتئاب، و29% لديهم تشخيص نفسي عام، بينما 68% يشعرون بالحزن المتكرر و73% بالقلق المرتفع ، هذه الصورة في ولاية واحدة فما بالك ببقية الولايات.
كما أظهرت هذه التقارير الغياب شبه التام للدعم النفسي وان وجدت بعض الوسائل فهي شحيحة جدًا: فقط 22% من الأطفال لديهم إمكانية الوصول إلى هذه الخدمات، و9% فقط استفادوا منها فعليًا .

الاستجابة الحالية
• بعض المبادرات مثل المساحات الآمنة للتعلم للأطفال ساهمت من خلال دمج التعلم باللعب مع الدعم النفسي، مثل مراكز اليونيسف في بورتسودان ومراكز منظمات محلية ودولية تقدم دعم نفسي ومجتمعي للأطفال في مناطق النزاع .
• ومع ذلك، يظل الدعم النفسي غير مدمج بشكل كافٍ ضمن خطط طوارئ السودان، وقد أعيد تنشيط بعض مجموعات التنسيق ولكن التنفيذ لا يزال محدودًا ولا توجد موارد كافية للتنفيذ .

. العوامل المساندة في الدعم النفسي
• التعليم والأسرة: وجد أن وجود بيئة مدرسية داعمة وأسرة مساندة يرتبط بتحسن المزاج العام للأطفال ويساهم كثيراً في تخفيف الصدمات النفسية. ولكن العديد من المدارس غير داعمة، وبيئة الأسرة غير مستقرة، بسبب التهجير والنزوح والفقد والانقسام الأسري .
• تجربة الصدمة المتكررة: الأطفال غالبًا ما يكونون عرضة للعنف، وفقدان الأحبة، والانتقال المتكرر، مما يزيد من خطورة الإصابة بالتأثيرات النفسية طويلة الأمد .
الآثار النفسية طويلة الأمد وخطورتها علي الجيل القادم

يشكل غياب الدعم النفسي للأطفال في السودان نتيجة الصراعات والنزوح لآثار سلبية ومدمرة تشمل فقدان الأمان العاطفي، الحرمان المعرفي، ومشكلات اجتماعية مستقبلية. تحسين هذا الوضع يتطلب تدخلًا متعدد القطاعات يشمل المدارس، الأسرة، المجتمع المدني، وخدمات الصحة النفسية، على أساس تشاركي ومستدام.

• النمو المعرفي والعاطفي: النشوء في بيئة مليئة بالتوتر المستمر قد يؤثر على تطور الدماغ والعاطفة، ويُضعف التركيز والذاكرة والابداع .
• ضعف الأداء الأكاديمي: اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق تقلل من قدرة الطفل على التعلم والتحصيل المدرسي، كونهما يعوقان الانخراط والثبات الدراسي .
• عواقب اجتماعية: الأطفال الذين لا يحصلون على دعم نفسي قد يتطورون إلى شباب يعانون من العزلة، مشاكل في العلاقات الاجتماعية، وربما سلوكيات عدوانية .
كما تلعب الخدمات النفسية دورًا محوريًا في تحقيق:
• المرونة النفسية والتعافي العاطفي
• الحفاظ على التعليم واستمراريته
• استقرار الأسرة والمجتمع
ما يجب فعله الان وبصور

توصيات بما يجب تنفيذه بصورة عاجلة
للتخفيف الاثار المدمرة لغياب الدعم النفسي رغم أهميته في هذه المرحلة والراحل القادمة، يجب علي الجهات المسؤولة من اتخاذ خطوات عملية تتلخص في الاتي :
1. دمج الدعم النفسي في التعليم
• تدريب المعلمين والمشرفين على مهارات الإسعافات النفسية الأولية (Psychological First Aid).
• إنشاء زوايا صديقة للطفل داخل المدارس كمكان آمن للراحة والحديث مع مختصين.
• إدخال أنشطة اللعب العلاجي والرسم والمسرح لمساعدة الأطفال على التعبير عن مشاعرهم.
2. تعزيز دور الأسرة والمجتمع
• حملات توعية للأهالي حول كيفية دعم الأطفال نفسيًا أثناء الأزمات.
• إشراك القيادات المجتمعية والدينية في تعزيز ثقافة الحديث عن الصحة النفسية وتقليل الوصمة.
• توفير جلسات إرشاد أسري لمساعدة الأمهات والآباء على التعامل مع القلق والاكتئاب عند الأطفال.
• توفير أنشطة رياضية، فنية، وقصص جماعية تساعد في تخفيف التوتر.
• إشراك متطوعين محليين لتسيير هذه المساحات بما يضمن الاستمرارية.
4. توسيع الخدمات النفسية المتخصصة
• إدماج خدمات الدعم النفسي في المراكز الصحية الأساسية.
• تدريب أطباء وممرضين على تشخيص الاكتئاب، القلق، واضطراب ما بعد الصدمة لدى الأطفال.
• تطوير خطوط ساخنة للدعم النفسي (عبر الهاتف/الإنترنت) لتوسيع نطاق الوصول.
5. بناء قدرات وطنية مستدامة
• إدخال مناهج الصحة النفسية في كليات التربية والطب والعلوم الاجتماعية.
• دعم البحوث الميدانية حول أثر النزاع على الأطفال لتوجيه البرامج.
• تأسيس شراكات بين الحكومة والمنظمات الدولية لتوفير تمويل مستدام لبرامج الصحة النفسية.
تضمن هذه الخطوات تدخل فعال علي المدي القصير والطويل في تخفيف ومنع الاثار النفسية للحرب علي الأطفال، وتضمن سلامة هذا الجيل الذي عاني ولازال يعاني من ويلات الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق