عندما وصل سعر صرف الريال اليمني إلى مستوى قياسي مقابل العملات الأجنبية، تأثرت كافة الأسر وتغير الروتين الشرائي للناس. فالشخص الذي كان يجلب لبيته كيس الأرز أو الدقيق أو السكر أو غيره ذات العبوة الكبيرة، تراجع إلى العبوات المتوسطة، ومن كان يشتري المتوسطة اضطر لشراء أقل منها أو بالكيلو. وهكذا أعلن الناس حالة التقشف وتقليل النفقات والتنازل عن بعض الوجبات والاعتماد على الأساسية منها.
ومع تلك الارتفاعات، تسمع الدعوات التي تدعو إلى اتخاذ إجراءات تجاه هذا الغلاء الفاحش. لكن هناك فئة تشتري سلعة غالية الثمن وتذهب إليها مسافات طويلة، وهي في الحقيقة ضرر من كل النواحي والاتجاهات، غير أنها تدفع فيها ما لا تدفعه في أشياء ذات منفعة.
السلعة والبضاعة المقصودة بالحديث هي شجرة القات. هذه العادة والنبتة التي تتفشى وتنتشر بشكل مخيف. ومن المفارقات أن الكثير من المواطنين يشكون من غلاء المعيشة، لكنهم لا يتخلون عن جلسة القات اليومية، وكأنها ضرورة حياتية لا تقبل التفاوض. بل إن البعض يقدم شراء القات على حاجات أسرته الضرورية، ويدفع مبالغ كبيرة دون تردد، غير أنه إذا أراد شراء شيء لأسرته يحسب ألف حساب للريال الواحد. ومع هذا تجده في حالة فقر وحياة صعبة، ويتحجج بأشياء يتحايل بها للهروب من المسؤولية.
لقد أثرت شجرة القات كثيراً على مجتمعنا، وصارت تلك العادة حاضرة في المجالس والتجمعات العائلية. والشيء المريب أن شريحة الشباب هي الفئة الأكثر تعاطياً في الآونة الأخيرة على حساب أهلهم. والفرصة قد تأتي مواتية لهؤلاء إذا ذهبوا للعمل خارج نطاق بلادهم ومرافقتهم لأصدقاء السوء، حتى أصبح الواحد منهم يعود لأهله لقضاء إجازته وهو لا يملك من المال شيئاً بعد أن أهدره في شراء هذه النبتة الضارة. وهناك صرخات متواصلة: أسر فقدت السيطرة على أبنائها بعد أن قاموا ببيع مقتنيات البيوت وما تملكه من مواد غذائية وغيرها لشراء القات.
في هذا السياق، هناك قصة واقعية كنت شاهداً عليها في أحد الأزواج قبل أيام معدودة. وعادة في تلك الأزواج يزداد عدد متناولي القات (“المخزّنين”)، ومع اقتراب وجبة الغداء يسارعون للبحث عن “التخزينة”، فمنهم من يجد ما يحتاجه في ذات المكان، والبعض الآخر يتحرك إلى مسافات طويلة لاختيار الأفضل حسب قوله.
القصة أني وجدت أحد الأشخاص وبيده كيس مليء بالقات قد قام بشرائه، مر بجانبي. وهذا الرجل أعرفه أعز المعرفة، أن حالته الاقتصادية يُرثى لها، ويكاد يوفر لأسرته ما تحتاجه بشق الأنفس. وفجأة وجدت ابنه الصغير يبحث عن والده واقترب مني وسألني، فقلت له: “كان موجوداً قبل قليل هنا”. وبالصدفة، وعلى بُعد أمتار، وجدت الولد مع والده، وطموح الولد كان بسيطاً جداً، فهو يحتاج إلى قليل من المال لشراء ما يُباع في الزواج للأطفال. ولكن الوالد اعتذر أنه لا يملك شيئاً، والولد يشاهد في يد والده القات. فما كان من الولد إلا أن ذهب في طريقه وهو يتحسر، وعيناه تشاهد الأولاد فرحين بما عندهم. أما الوالد فاتجه لتناول وجبة الغداء في ذات الزواج، وكان الأمر لا يعنيه.
فهذه حالة واحدة في أمر بسيط، فكم من أسر حُرِمت من أساسيات بسبب تصرفات أولياء الأمور ومحبتهم وتقديسهم لشجرة القات.
إن المسؤولية الاجتماعية تقتضي أن يحاسب الواحد نفسه، ويتقي الله فيمن يُعيل، ويفرق بين الضروريات والكماليات. فالأبناء والزوجة والأهل أمانة في عنقك. تُدمر نفسك بيدك، فكم من أشخاص كانت نهايتهم بفعل هذا النبات الأخضر. ولا تنس أنك ستقف يوماً أمام الله، وستُسأل عن ضياع الأمانة، ولن ينفعك حينئذ أحد إلا ما قدمت. نسأل الله السلامة والهداية للجميع. (تحرير صحيفة المدائن بوست)




