أشيــاء محمد عمر بحّاح.. سرد الذاكرة وفتنة الحكاية
من يقرأ كتاب “أشيائي” للكاتب اليمني محمد عمر بحّاح، يدرك سريعًا أنه أمام تجربة سردية تتجاوز الحكاية إلى استدعاء الذاكرة بكل ما فيها من شغف بالمكان، وولع بالزمان، وبتجربة الحلم الجنوبي الذي كان أكبر من الواقع وتعقيداته، وارتباط عميق بالناس.
هذه “الأشياء” التي تبدو صغيرة في الظاهر، تكبر على الورق لتصير نصوصًا نابضة بالحياة، تدهش القارئ بما تحمله من دفء وصدق وعمق إنساني.
لقد منح بحّاح موهبة نادرة: قدرته على التقاط اللحظات العابرة وتحويلها إلى مشاهد فنية باهرة. يكتب سيرته الذاتية، يظل وفيًا لذاكرة جمعية واسعة تستحضر الأهل والأصدقاء والأماكن الأولى، لكنها لا تنغلق عليها، بل تنفتح لتغدو جزءًا من وجدان القارئ نفسه ولمن عاش مرحلة
الحلم الواعد .
يتوزع الكتاب على ثلاثة أجزاء متكاملة:
أشياء صغيرة: نصوص قصيرة تلتقط التفاصيل البسيطة وتحولها إلى فن، وبلهجته الحضرمية المميزة.
أشياء حميمة: كتابة مشبعة بالحنين، تلتقي فيها السيرة الفردية بالذاكرة الجماعية. يكتب بحّاح الإنسان والمكان معًا، ويعيد برمزية وحميمية تشترك فيها الذات والآخر.
أشياء لا تُنسى – إني أتذكر: في هذا الجزء، يتحول السرد من الانشغال بالذات إلى تسجيل التاريخ بصياغة أدبية. يقدم بحّاح قراءة فنية للأحداث، حيث تستحضر النصوص لحظة حساسة من تاريخ الجنوب اليمني منذ عشية الاستقلال. لكنه لا يكتفي بالوقائع السياسية، بل يكشف تأثير القرارات الكارثية الكبرى على حياة الأفراد العاديين. كان ذلك عصر بدايات ازدهار الثقافة وبؤس السياسة، فقد عجز الرفاق عن إقامة الجنة التي وعدوا الفقراء بها. وهنا يتكشف المشهد كتكملة لكتابه عدن ذات زمن، حيث يصف ليلة استقلال الجنوب اليمني وقد تحولت الجبهتان اللتان خاضتا حرب التحرير إلى خصمين يتقاتلان عشية النصر. وكأنما صدق قول المندوب السامي البريطاني الدوق تورنيل مع الصحفي اللبناني رياض الصلح: “صدقني، سنخرج من عدن كما انسحبنا من مناطق كثيرة، وسنترك الرمال العربية تطالب بحصتها من هذا الجلاء.”
واللافت أن بحّاح، وهو يحكي ويعيد بناء الحكاية، يؤكد أن فن السرد ليس حكرًا على ثقافة أو جنس. فقد ذهبت الكاتبة البريطانية التركية إليف شافاق (مؤلفة رواية قواعد العشق الأربعون) إلى أن المرأة هي الحكّاءة الأولى التي أتقنت الحكاية بالفطرة، كما تقول جدتها، وكما غرست فيها موهبة الحكي التي أنتجت لنا كاتبة عالمية. وهنا يتقاطع مسارها مع بحّاح، إذ أن جدته أيضًا تنبأت له بأن يكون أديبًا فصار كما قالت، فالجدات لا يكذبن. وهكذا، بينما ترى شافاق أن الحكاية ولدت من صوت النساء، يثبت بحّاح أن الرجل أيضًا يمكن أن يكون حكّاءً بارعًا، يلامس تفاصيل الحياة بصدق، وينسجها في قالب سردي يجمع ولا يفرق.
إن “أشيائي” شهادة أدبية وتاريخية مكمِّلة لكتاب عدن ذات زمن، والتي تثبت أن الحكاية للجميع، للحاكي والمتلقي، وأنها ستظل الوسيلة الأصدق لحفظ الذاكرة ومقاومة النسيان، لتذكرنا بماضينا وماضي وطننا، وتعيد إلينا أشياء بحّاح كما عاشها هو، فيضفي على الذاكرة طعمًا إنسانيًا أصيلًا.




