
بقلم: محمد عثمان الفاضلابي
تخرج الراحل المقيم الريح عبد السلام مهندساً من جامعة الخرطوم في العام 1959م، وعمل بعد التخرج في المناقل، ثم مهندساً مقيماً في مشروع ملوط وعدد من المحطات الأخرى، وانتقل بعدها ليكون أول مهندس مقيم بمشروع سد الروصيرص.
ومن خلال مقابلة صحفية سابقة معه، ذكر الراحل المهندس الريح عبد السلام: “إن افتتاح سد الروصيرص كان يوم السبت 21/01/1966، وكانت آنذاك وزارة الري تُسمى وزارة الكهرباء والموارد المائية، وكان وزيرها بالإنابة هو الشريف حسين الهندي. وقد استغرقت عملية التشطيبات شهوراً إلى أن وصلنا مرحلة الافتتاح. وأذكر أن الافتتاح شرفه الزعيم إسماعيل الأزهري، والوزير خضر حمد، والمهندس عابدون، والشريف الهندي. ولم تكن استراحة الري مناسبة، فقمنا بتجهيز بيت المهندس المقيم ليكون استراحة، وهو بيتي، حيث استضفنا فيه الأزهري، وخضر حمد، وعابدون، أما الشريف حسين الهندي فقد اختار أن ينزل في الروصيرص مع أحد أصدقائه التجار، وهو حميد الطيب، وله مسجد باسمه في مدينة الروصيرص.
وكان عليّ في الافتتاح أن ألقي كلمة المهندس المقيم، وقد قمنا بإعدادها أنا والنائب المهندس المقيم عباس هداية الله، وكانت الكلمة عبارة عن تقرير نهاية العمل.
وجاءت بعد ذلك كلمة الشريف حسين الهندي التي حملت كلمات قوية، حيث قال: “نحن لا نستطيع أن نقول أنجزنا، بل عملنا حيطة”، وأضاف في حديثه: “لن يكون العمل مفيداً ما لم تولد كهرباء، ولابد أن تُشق الترع، والسد لن نستفيد منه ما لم تُركب التوربينات”. كما أضاف عن الخطاب الذي ألقيته: “يجب أن يُوضع في اللجنة الهندسية كوثيقة”.
الآن، نعيد نشر تحذيره مرة أخرى بعد أن حصحص الحق،
نورد شهادة هذا العالم وتشجيعه لنا بمواصلة النشاط بالتنوير بالمخاطر، خاصة بعد اعتراف وكيل وزارة الري الدكتور أحمد آدم، وعضو اللجنة الفنية التي تدعم السد، بأن دراسات السد لم تكتمل، وأن السد يمكن أن ينهار ويدمر السودان بالكامل، مما يُعتبر شهادة لتقييم الراحل الجليل، أحد شرفاء السودان، الذي نطق بالحق وواجه القطيع وأصحاب المصالح المورطين في ملف السد الفاسد.
الراحل المقيم كان من أبرز الذين حذروا من خطر السد الحبشي وأكد مراراً وتكراراً أن انهيار ما يُسمى بسد النهضة (سد الدمار) وارد. كانت تحذيراته واضحة، ومن بينها ما سبق أن نشرته الأستاذة الصحفية نجاة الحاج في العام 2020، كذلك من قبل صحف أخرى وفي عهد البشير الذي كان يلاحق المعارضين، حيث أكد من خلال الحوار الصحفي أن السد الإثيوبي يشكل تهديداً مباشراً للسودان ويحمل الكثير من المخاطر. مع ذلك لم يتم الاهتمام بتحذيره، وأورد للصحيفة قوله: “كأننا نؤذن في مالطا، لم تسمعنا الحكومة ولا الجهات المعنية، ولا الفريق المسؤول عن التفاوض، ولا نظام الإنقاذ البائد، ولا حكومة الثورة التي كنا نرجو أن تكون أفضل حالاً من نظام البشير”، وأضاف: “وجدناها تسير على نهجه، وقع الحافر على الحافر”.
مع ذلك، دق ناقوس الخطر محذراً من انهيار ما يُسمى بسد النهضة (الدمار) في أي وقت، وفي ذات حديثه الذي نشرته (المجهر السياسي): “إن احتمال انهيار السد وارد في أي لحظة”، مشيراً إلى أن الحكومة الإثيوبية لم تقدم لحكومة السودان دراسات وشهادات موثوقة من بيوت خبرة دولية تثبت أمان السد.
ويكتسب التحذير أهميته لأنه صدر من أول مهندس مقيم لسد الروصيرص عام 1965، ووزير الري في عهد الرئيس نميري من العام 1980 إلى العام 1982م. خاصة أن السد الجانبي هو سد ركامي، وأن نحو (23) سداً ركامياً انهارت في الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من العام 1960 إلى 1996م. وقارن بالقول: “إذا حدث ذلك وانهارت سدود ركامية في أمريكا، رائدة التكنولوجيا الحديثة، مع وجود وكالة دولية لضمان أمان السدود، فما بالك بإثيوبيا؟”
في منتصف العام 2022، أخبرني الباشمهندس الدكتور محمد الأمين محمد نور، متعه الله بالصحة والعافية، أن الوزير السابق الريح عبد السلام استمع إلى مداخلتي في حوار حول السد، وأشاد بحديثي، وأكد أنه يريد الحديث معي. أرسل لي رقمه، فقمت بالفعل بالاتصال بالعالم الغني عن التعريف الريح عبد السلام، ووجدته كما وصفه لي: قمة التواضع، بصوته المترع بالبساطة والطيبة، وحديثه ينثر علماً وحكماً.
وعندما علم أنني مقيم في زيورخ، أخبرني أنه عمل الدبلوم العالي (ماجستير) في المعهد التكنولوجي العالي بمدينة زيورخ ETH وأكمله عام 1964. تجدر الإشارة إلى أن المعهد المعني هو الذي كان يُدرّس فيه العالم الشهير ألبرت آينشتاين والعديد من العلماء عبر الزمن، ويُعتبر من أهم المراكز العلمية العالمية، والباشمهندس الريح عبد السلام كان أول سوداني يتحصل على شهادة من هذا المعهد.
من خلال حديثه، ذكر لي أنه استمع لحديثي حول خطر السد، وقال لي إن ما ذكرته عن مخاطر السد حقيقي، وزادني علماً وشرح لي بالتفاصيل الفنية أوجه الخطورة، خاصة السد الركامي. وأخبرني أن العديد من السدود الركامية، والتي بلغت أكثر من 23 سداً، قد انهارت في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي رائدة التكنولوجيا الحديثة، في الفترة ما بين 1960 إلى 1996م، مع وجود الدراسات ووكالة دولية لضمان أمان السدود. فكيف يكون حال إثيوبيا؟
وقال لي، عليه الرحمة، إنه من جانبه نبه لذلك مرات عديدة، وطالب من خلال الصحف ونصح بعدم تهاون حكومة السودان في اتخاذ الإجراءات المفروض عملها لحماية السودان من الدمار، وضرورة التوجه للأمم المتحدة وتحميلها المسؤولية عن الأضرار الكارثية التي ستلحق بالسودان جراء أي انهيار في جسم السد. وقال لي شخصياً: “إذا انهار السد، سيختفي كل السودان النيلي”، حيث قدّر الخبراء ارتفاع موجة المياه من 4 إلى 10 أمتار، ما سيدمر جميع المدن والقرى على ضفتي النيل.
وقال لي في المكالمة الهاتفية:
“أنا يا ابني تجاوزت التسعين من عمري، وعملت العلي، وتعرضت للهجوم من الذين لا يدركون الخطر، ولم أهتم، لكن أحفادي لم يقبلوا ذلك، وطلبوا مني ترك التحذير طالما أن الهجوم كان جائراً وظالماً، لذلك اكتفيت بما نشرته وأشجعكم على مواصلة التعريف بالمخاطر.”
الرحمة والرضوان للعالم الجليل، أحد أهم شرفاء السودان، باشمهندس الريح عبد السلام.




