غوته و”ديوان الغرب والشرق”: حين عبر الشعر حدود الزمان والمكان
بقلم: كاترينا مومزن (بتصرّف)
ترجمة وإعداد: شرين حامد فهم
مراجعة وإضافة: محمد بدوي مصطفى
في صباح ربيعي من عام 1814، جلس شاعر ألمانيا الأكبر يوهان فولفغانغ فون غوته أمام مكتبه في فايمر، ليطلق إلى العالم عملاً غير مسبوق: West-östlicher Divan أو “ديوان الغرب والشرق”. لم يكن مجرد ديوان شعر، بل كان مرآة لروح متطلعة إلى الأفق البعيد، باحثة عن المعنى بين ضفتي المتوسط، بين المسيحية التي وُلد فيها والإسلام الذي أسَرَ قلبه بعذوبة نصوصه وجلال قرآنه.
هجرة نحو المشرق
يفتتح غوته ديوانه بنداء عجيب:
«الشمال والغرب والجنوب يتمزق… اهرب إلى المشرق النقي، لتتنفس نسيم الدين».
هنا لا يتحدث شاعر عن هروب جغرافي، بل عن رحلة روحية، هجرة إلى المشرق، حيث الطهر والأصالة. وهي استعارة عميقة تحيل إلى هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، اللحظة التي دشنت تاريخ الإسلام، مثلما تحيل إلى ميلاد المسيح لحظةً فارقة في المسيحية. هكذا جمع غوته بين رمزين مقدسين، وجعل الشرق مهبط نورٍ جامع.
حافظ… أخو الروح
لكن الأعجب في الديوان أن غوته لم يحاور معاصريه، بل خاطب شاعرًا فارسيًا رحل قبل ولادته بأربعة قرون: شمس الدين حافظ الشيرازي. لم يكتفِ غوته بالإعجاب بحافظ، بل أعلنه “توأمه”، ونسج معه حوارًا شعريًا ممتدًا عبر الزمن. أليست هذه معجزة شعرية؟ أن يمد شاعر ألماني يده في القرن التاسع عشر إلى شاعر فارسي من القرن الرابع عشر، ليصيرا معًا “أخوين في الله والشعر”.
القرآن… نبع الإلهام
لم يكن القرآن عند غوته نصًا بعيدًا أو غريبًا، بل أصبح ماءً يروي أشعاره. يقتبس آياته ويجاورها بأبياته في انسجام مدهش. ففي إحدى قصائده يستلهم دعاء سورة الفاتحة: {اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُستَقِيمَ} ليقول:
«إذا تاجرت أو ألّفت… فامنحني الصواب في طريقي».
وفي أخرى، يردد صدى قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ليختم ببيت خاشع:
«تسكن الجهات الأربع جميعها في سلام يديه».
لقد رأى غوته في القرآن تجلّيًا للروح الكونية، يحرّك القلب ويمنح الشعر إشراقه.
وحدة تحت ظلال الصليب والهلال
كان غوته بروتستانتي النشأة، شديد التعلق بالإنجيل، لكنه لم ير في الإسلام خصمًا بل أخًا. تخيل تقاطع الشرق والغرب مع الشمال والجنوب في هيئة صليب، ثم رأى الدائرة تنعكس هلالاً. وهكذا جمع رمز المسيحية ورمز الإسلام في صورة واحدة: وحدة لا تناقض فيها، بل تناغم يظلّل العالم.
رسالة إلى زمننا
لم يكن غوته يكتب شعرًا وحسب، بل كان يخط مشروعًا إنسانيًا. ففي زمن النزاعات والحروب، أصرّ أن الشرق والغرب ليسا أعداء، بل توأمان، مثلما كان هو وحافظ. واليوم، وبعد قرنين، يبقى “ديوان الغرب والشرق” دعوةً متجددة إلى الحوار، وإلى اكتشاف الجمال الكامن في لقاء الثقافات.




