ثقافة وفن

الواهمة

حينما ترنو لارتياد ثريا المستحيل

الأديبة، الاعلامية والفنانة: يسرا طارق

من الصعب أن يوفق المرء بين مجموعة من الأمور في وقت واحد، ولكن هذا ليس مستحيلا، ذلك ما برهنت عنه الصحفية والممثلة يسرا طارق بعد كتابتها لعملها الأدبي الأول “الواهمة”، لتضيف بذلك لنفسها صفة ثالثة، وتصير الصحفية والممثلة والروائية.

وكما يعرف أولو الاختصاص، فإن الكتابة السردية كيف ما كان نوعها، قصة أو رواية…، ليس بالضرورة أن تكون الغاية من ورائها المتعة والتسلية، إذ إن بعض الكتابات تتقنع بما هو جمالي لتمرر من ورائه مجموعة من الرسائل والقيم والتصورات، أو إذا شئنا قلنا ما جاء به رولان بارت، في هذا السياق، اللغة ليست بريئة، والكتابة باعتبارها تخطيبا للغة هي الأخرى لم تسلم من هذا الإسقاط، وبالتالي فإن رواية

” الواهمة “، وإن تقنعت تحت ستار الرواية، فإنها حبلى بمجموعة من القضايا والتصورات التي تقض مضجع الكاتبة، فما كان منها إلا أن تفرغها مدادا على الورق.

لعل أول ما يثير انتباه القارئ لهذا العمل هو عنوانه

” الواهمة “، وهي الكلمة التي تحيل على الظن الخاطئ والخداع الحسي، وكل ما هو غير مطابق للواقع.

وبالانتقال إلى قراءة العمل، فإنه تصادفنا مجموعة من القضايا الاجتماعية والسياسية التي شهدها المغرب في 1984، وخصوصا منطقة الريف ” الناظور “، باعتبارها المدينة التي ستنطلق منها الأحداث. وتدور أحداث الرواية حول شخصية ” سوار ” وهي شابة ريفية حرمها والدها من إتمام دراستها في الجامعة بعد حصولها على الباكالوريا، لتبقى حبيسة البيت، وكأن ملاذها الوحيد هو النافذة التي كانت تطل منها على العالم الخارجي، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي رأت فيه أحمد، وهو أستاذ شقيقها صالح، فتعلق قلبها به كما تتعلق العلقة بالبويضة، وبدأت الرسائل الغرامية بينهما.

تمر الأيام وتتعقد الأمور، بعد جملة الاعتقالات في صفوف التلاميذ، والتي راح ضحيتها شقيقها، وهو ما زاد من قسوة الأب على ابنته وعائلته، ظنا منه أن أحمد هو السبب في اعتقال ابنه، كيف لا وهو في نظره من كان يشحنه ويشحن أقرانه بالشعارات المناهضة للنظام والظلم والسياسة التي تشتغل بها الدولة.

وفي إحدى الليالي قررت سوار أن تأخذ المبادرة، وأقدمت على الخطوة التي ستغير حياتها وتقلبها رأسا على عقب، بعد أن قررت مغادرة البيت ومرافقة أحمد إلى الرباط والاستقرار هناك.

في الرباط سيشتغل أحمد بمكتب أحد المحامين المشهورين، وتتيسر حاله شيئا ما، فيتزوج من سوار، لتبدأ بعد ذلك حياته في التحسن، ويبدأ في تسلق المراتب الاجتماعية إلى أن صار محاميا مشهورا، وذائع الصيت في المغرب وخارجه.

نجاح أحمد في حياته العملية، قابله فشل في علاقته العاطفية التي تربطه بزوجته سوار، فقد أخذ يتملص من الكثير من مسؤولياته وواجباته تجاه زوجته، الشيء الذي تولد عنه نفور الزوجة كذلك، رغم شعورها داخليا بأنها ما تزال تحبه، لكن التغيرات التي طرأت على حياة أحمد في مدة قصيرة جعلته ينقلب ضد معظم أصدقائه، بل وحتى ضد نفسه ومبادئه، فأحمد، الأستاذ المتشبع بالأفكار الثورية والمناهضة للأنظمة الاستبدادية، والمدافع عن مصالح الفئات الضعيفة، تغير ولم يعد كما كان.

كانت سوار واهمة حين ظنت أنها، بمغادرتها لبيتها وعائلتها، ستعيش حياة سعيدة، لقد كانت واهمة حين ظنت أن سلطة والدها فيها احتقار لها ولشخصها، فها هي مع نهاية الرواية تجد نفسها قد انفصلت عن زوجها، ومات ابنها، ونفر منها أهلها، بل وأنكروها، لتكون بذلك وحيدة تسبح داخل أفكارها.

الرواية عموما مليئة بمجموعة من الأحداث الثانوية، لكني اكتفيت بما رأيته مناسبا لإنارة طريق القراء الذين يحبذون الاطلاع على مضمون العمل قبل قراءته.

في الأخير، أقول إن يسرا طارق تمكنت من تصوير الواقع الاجتماعي والسياسي أحسن تصوير، من خلال التمثيل لمجتمع الناظور المحافظ لدرجة كبيرة، ومكانة المرأة داخل هاته العشائر في تلك المرحلة الزمنية، أما سياسيا، فمن خلال التمثيل للواقع السياسي المرير الذي كان يعرفه المغرب في فترة من فتراته، وكذا الفساد الأخلاقي لأرباب هذا المجال الذين يرون أن كل شيء قابل لأن يشترى بالمال.

(صدرت عن دار العين المصرية للنشر بقلم زكريا الكريني. هذه القراءة نشرت في العدد 2257 ليوم الخميس 26 مارس 2020 من جريدة الأخبار المغربية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق