

“وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” (الروم-47).. فأين نصر الله؟!
السؤال أعلاه ليس مُوَجَّهاً للذي “يَسْأَلُ ولا يُسْأَلُ”، سبحانه وحاشاه، ولكنه موجَّهٌ إلينا نحن أنفسها بأصبع الاتّهام، ولسان الحال يقول: “هل نحن مؤمنون حقاًّ”؟!
واقع الحال يقول: إن “نصر الله” بعيد عنا بُعد السماء عن الأرض، بل أكثر، ويكاد يقول بغير صريح العبارة لأن صريح العبارة يوجع النفس ويُدمي القلب، “إننا لسنا مؤمنين بالمفهوم القرآني للإيمان”، الذي لا يعني بتاتاً ما قاله المفسرون، من كونه إقراراً بوحدانية الله وربوبيته وألوهيته، فقط لا غير، بل هو تحقيق الأمن والسلام في النفس لكي تكون “مطمئنة”، ثمّ منح ذلك الأمن والسلام لبعضنا البعض، ولغيرنا بلا استثناء، ما عدا مَن يحاربنا في ديننا ويخرجنا من ديارنا، فهل نحن متّصفون بهذا الصفات، التي تبدو بالقارنة مع أحوالنا غريبة عن عالمنا، وكأنها محض ميثولوجيا عصية عن التحقيق؟!!
لن أُغرِق الذات في وصف أحوال مَن يسمّون أنفسهم مسلمين دون غيرهم، والعرب منهم خاصة، يمارسون حركات العبادة وينطقون بتراكيبها الكلامية، يملأون المساجد راكعين ساجدين ومتبتّلين، فقط لا غير، وبمجرد مغادرت المساجد أو المحاريب يعودون إلى حقيقتهم التي لا تخفى على احد: يلمزون بعضهم بعضاً، يغتابون بعضهم بعضاً، يدسّون على بعضهم البعض، ويأكلون أموالهم بينهم بالباطل، ثم يقاتلون بعضهم بعضاً وكلٌّ منهم يُكَبّر ويُهلّل ويُحَوْقِل وينطق الشهادتين، وكلٌّ منهم يرفع بأصبعيه شارة النصر (!!!) وفي آخر المطاف، يتخذون الأغراب أولياء ضد إخوانهم في الملة، وفي الدم، وفي الجوار… “هل نحن مؤمنون حقّاً”؟!!
سيقول المُتَلَسِّنون، كعادتهم، إن الأغراب (يقصدون الاستعمار) هم الذين دسّوا السم والحقد والعداوة بين الإخوة… حسناً فهل هؤلاء الإخوة من الغباء وقلة الحيلة ما جعلهم يثقون بالأغراب على حساب الإخوة والأهل والأحباب؟!
ألا يقرأون قول العليم الحكيم “وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (البقرة-109)؟ أم تُراهم يقرأون التنزيل الحكيم فقط لكسب الحسنات، وللترحم على الأموات، أو لتنغيم الأصوات، أو بغرض الحفظ لمجرد التخزين في الذاكرة؟! “فهل بهذا نكون فعلا مؤمنين حتى يحق علينا نصر الله”؟!
خرجَتْ إلى ساحات المعرفة الإنسانية دراسات من بينها واحدة صادرة عن جامعة جورج واشنطن، بالولايات المتحدة الأمريكية، أجابت على أسئلة حول “مَن مِن الدول والمجتمعات الأكثر قربا من تعاليم الدين الإسلامي”، قياساً بالتحديد إلى الأوامر والنواهي والوصايا القرآنية، فكانت النتيجة في غاية السوء والسوداوية، من منظورنا نحن المسلمون عامة، والعرب خاصة، لأنها أفرزت أن دولاً ومجتمعاتٍ كإيرلندا والسويد والنرويج والدانمارك والمملكة المتحدة هي الأقرب، بناءً على معايير لها صلة بالمعاملات، وبتدبير شؤون العباد، مع قياس ذلك ومقارنته بمظاهر التديّن، فجاءت أُولى البلدان المسلمة تصنيفاً، وهي ماليزيا، في المرتبة الثالثة والثلاثين عالميا، ولم تظهر البلدان العربية إلا بعد عشرات المراتب وجاءت في طليعتها دولة الكويت، ربما بسبب صغر الحجم الديموغرافي والارتفاع الصاروخي للدخل الوطني والفردي… هذا لا يهم، وإنما المهم والأهم أن دُوَلَنا وشعوبَنا تَجاوزَتْها دُوَلٌ وشعوبٌ نَسِمها بالكفر والشرك والإلحاد… “فهل نحن مؤمنون حقّاً”؟!!
قد يقول قائل إن هذا النوع من الدراسات مُغرِضٌ ومُبَيَّتٌ يُراد به ضرب الإسلام ومعتنقيه، وهذا بالفعل، هو القول السائد لدى السلفية خاصة… ولكن واقع الحال يُفنِّدُه ويُثْبِتُ عكسَه بالفعل وبالملموس، ومن أراد التأكد من ذلك فليذهب إلى مؤسسات العدالة والقضاء في بلداننا، ولينظر في تقاريرها ومنشوراتها، المتاحة للملأ والمبثوثة عبر شبكات النت، وسيجد أن أكثر القضايا المعروضة عليها هي نزاعات حول الإرث؛ وحول المِلكية الخاصة، وكذا المِلكية العامة، وحول الديون والأمانات غير الموفى بها؛ وحول قضايا أخرى أغلبها يتعلق بنهب المال الخاص والعام، وبالنصب والاحتيال وخيانة الأمانة… وحتى الموسوم منها بالتوصيف السياسي، سنجده مقرونا بالاحتيال السياسي والنصب على الناخبين وخيانة ثقتهم، واستعمال المناصب في السلطتين التشريعية والتنفيذية، وحتى القضائية، للإثراء غير المشروع، وللإثخان في الأرض وفي حقوق العباد رغم وجود الحسيب والرقيب!!
كل ذلك، لأن الفاعلين والمرتكبين لهذه المخالفات والجُنَح والجرائم لا يَرعَوْن حق الله، فكيف يَرعَوْن حقوق المستضعفين؟.. “فهل نحن حقّاً مؤمنون”؟!!
ونعود لنقرأَ من جديد الآية الواضحة والصريحة في العنوان أعلاه، ونطرحَ السؤال المنطقي والحارق، تماماً كما هي صيغته الساخرة في حكاية القط واللحمة المسروقة: (إذا كان هذا هو القط فأين اللحمة؟ وإذا كانت هذه هي اللحمة فأين القط؟!)، لنقول بكل الصراحة الموجعة: “إذا كان نصر الله مؤجَّلاً فأين هو الإيمان المُفْضي إليه؟ وإذا كنا مؤمنين حقّاً فأين هو نصر الله؟”…
وأعيد وأكرر أن هذا السؤال، في جميع الأحوال، ليس مطروحاً على “الذي يَسأل ولا يُسأل” سبحانه، بل هو مطروح على ذواتنا إلى أن يقضيَ الله أمراً كان مفعولاً!!!
اليوسفي




